بهذا المحصول العلميّ الرّائع رَحل عياض إلى الأندلس.
وقد عنى مؤرخوه بتحديد مبدأ رحلته ومدتها، (^٤٦) وهي عناية محمودة لها فوائدها، ولكن مبدأ الرحلة ومدتها لا يهمنا ولا يفيدنا الفائدة التي
_________________
(١) الغنية ٢ - ٢٢، ١٤٦ - ١٩٠ - ١٩١.
(٢) الغنية ٥ - ٥٦.
(٣) الغنية ٥١ - ٥٦، ٦٤.
(٤) الغنية ١٣٥.
(٥) الغنية ٥٦.
(٦) الغنية ٥٦.
(٧) الغنية ٢٢.
(٨) الغنية ١٩، ١١٩، ١٤٦، ٤٠ - ٤٢.
(٩) في التعريف ٩ - ١٠ وأزهار الرياض ٣/ ٨ - ١٠: أنه خرج من سبتة سنة ٥٠٧ هـ. وعاد من رحلته سنة ٥٠٨ هـ.
[ مقدمة 1 / ١٢ ]
- يا -
تعود علينا من معرفة ما فعله القاضي في رحلته، وما خلفته هذه الرحلة من آثار في معلوماته وفي تفكيره.
والرحلة في طلب العلم، تعنى - في ميدان التربية العلمية وتقويم أسس التفكير في الإسلام - أمرين:
الأول:
التأكد من سلامة المنهج النقلى ومن كماله، ويتطلب ذلك تصحيح المتون المروية، والبحث عن أصولها، ووصل أسانيدها بأصحابها، والبحث عن أعلى هذه الأسانيد وأقومها وأصحّها.
فهذه المادة المروية، إذا لم تثبُت بصورة صحيحة نسبتها إلى أَصحابها، لا تصلح أن تتخذ أساسا للبحث والدرس وبناء أحكام عليها، سواءً كانت هذه الأحكام دينية أو علمية أو أدبية.
والحرص على إكمال المنهج النقلى وسلامته، واضح في عناية القاضي البالغة بالتوسع في الرواية والقراءة، فنراه يقرأ كتبا جديدة لم يقرأها بلده، (^٤٧) وبمُقَابلة كتبه (^٤٨) بالأصول الصحيحة، والبحث عن أصول العلماء الخطية المسنَدة، (^٤٩) والتنصيص على الأصح والأفضل من رواياتها إلى أصحابها، إن تعددت الطرق والروايات، (^٥٠) وبالنّص - كذلك - على أنه قابل أو صَحَّح.
والأمر الثاني:
_________________
(١) الغنية ١٤٢، ١٥٥.
(٢) الغنية ١٥، ٢٦، ٢٧، ١٧٢.
(٣) الغنية ١١.
(٤) الغنية ١٤٢، ١٥٥.
[ مقدمة 1 / ١٣ ]
- يب -
تصحيح منهج التفكير، وإقامة أسسه على قواعد ثابتة. وتقول مصادر ترجمته: إنه عُنى في رحلته بلقاءِ الشيوخ، (^٥١) ولم يكن غرض عياض الأساسي من رحلته أن يرى وجوه الشيوخ، وإنما كان يعنى - بعد أن سَلِم له المنهج النقلى - أن يقابل أفكارهم؛ فيزنها بما تعلّمه في بلده من أفكار.
وقديما قيل: "إذا أردت أن تعرف مقدار شيخك فجالس غيره".
ولقاء الشيوخ هو الذي أتاح لعياض أن يرصُد عن كَثَب مناهجهم في التفكير، ويرقُبَ كيف يتناولون المسائل بالدرس والبحث، يردّون منها ما يردون، ويقبَلون ما يقبلون، فينقله ما شاهد ومَا فَهِم إلى ما تعلّمه عن علماءِ بلده من أسس ومناهج، يقارن بينها ويُفاضِل، فيُبْقِى في ذهنه - بعد الموازنة والعرض على ميزان النقد - ما يصلح أن يبقى، ويَنفى ما لا يثبت للنقد.
وبعملية الاختبار والمفاضلة. والتنقيح والتلقيح هذه، تَمّ له بناءُ الجهاز النقدي، وتكاملت له أصول التفكير على أَساس من المقارنة والاختيار.