وعرف مكانه عند أشياخه أثناء رحلته وقبل أَن يعود إلى وطنه، وقد أُثِرت عنهم كلماتٌ تشير إلى فراستهم فيه، وتقديرهم له، واعترافهم بفضله
_________________
(١) الصلة ٤٤٦، الوفيات ١/ ٤٩٧.
[ مقدمة 1 / ١٤ ]
- يج -
وعلمه.
قال له أستاذه أبو عبد الله بن حَمْدِين، وقت رحلته: "وَحقِّى يا أَبا الفضل إن كنت تركت بالمغرب مثلك (٥٢) ".
وأراد الرحلة إلى بعض الأشياخ بالأندلس للأخذ عنه، فقال له الوزير أبو الحسين بن سراج: "لهو أحوج إليك منك إليه (٦٣) ".
وقال أبو محمد بن أبي جعفر: "ما وصل إلينا من المغرب أنبل من عياض (٥٤) ".
ولقيه بسبتة الوزير الكاتب الشاعر عبد المجيد بن عَبْدُون (المتوفى سنة ٥٢٧ هـ)، فأقسم له أنه ما قصد سَبتة إِلا للُقياه (^٥٥) ".
وفي رحلته كتب عنه أبو عامر محمد بن أحمد بن إسماعيل الطليطلي أشياء من حديثه (^٥٦).
وعاد عياض من رحلته، قبسًا من النور يُضيء، ومَعينا عذْبا فياضًا من العلم لا يلحقه النُّضوب، وصوتًا عاليا للحق ينادي - مُرشدًا، وحاكِمًا - فيُسْمِع النداء، وطاقةً هائلةً من الإيمان والثبات والخُلق.
وإِلى هذا جميعًا إحساسٌ واع بنفسه وببلده، (^٥٧) وبالمكانة التي تهيأت
_________________
(١) (٥٢، ٥٣، ٥٤) التعريف صحيفة ١٢١.
(٢) الغنية ١٦٧.
(٣) الغنية ٥٩.
(٤) من مظاهر هذا الإحساس عنايته بأخبار سبتة، وتأليفه كتاب "العيون الستة". والعناية بتاريخ المدن المغربية قديم؛ فقد ألف محمد بن يوسف التاريخي الوراق أخبار تاهرت، والبصرة، وسجلماسه ونكور، وغيرها.
[ مقدمة 1 / ١٥ ]
- يد -
له، بما ورثه عن سلفه، وبما أفاده بسعيه، وتقدير للمسؤوليات الثقيلة التي تفرضها عليه تقاليد هذه المكانة، من إرشاد وهداية، وتوجيه وتنوير، وحماية إن كانت السلامة في الكرامة الإنسانية وفى المقدّسات لا تحفظ إلا بالحماية.
وفتحت له بلادُه قلبها، فأحبّته وأكبرته، وأسنَدت إليه قيادها، فكان عياض في جميع ذلك الرائد الأمين الذي لا يَكْذب أهله.
حدّث ابنه في "التعريف"، وابن صَعْد في "النجم الثاقب" وعنه الإفراني في "دُرَر الحجال في سَبعة رجال" في السمط الثاني منه: أن القاضي عياضًا لما ولى قضاء بلده كانت الخاصة والعامة على غاية من محبته وإجلاله وإكباره، وكان له من الهيبة والجلالة عند الأمراء والولاة، ما جعلهم يقبلون قوله، حين يطالبهم بأداء حقٍّ من حقوق الرعية، ويتنافسون في قضاء حقه والقيام بواجبه.
وحدثوا عن سيرة القاضي في قومه، فقالوا: إنه كان صلبًا في الحق لا تأخذه فيه لومة لائم، محبًا في طلبة العلم محرضا لهم على طلبه، (^٥٨) كثير التواضع، يقبل على المساكين والفقراء، فيسألهم عن أحوالهم ويكثر الصدقة عليهم، (^٥٩) ويعاشر الناس بالأخلاق الحسنة، والجانب اللين، ويؤثرهم بما
_________________
(١) و(^٥٩) التعريف ٧.
[ مقدمة 1 / ١٦ ]
- يه -
يجد؛ أنفق في ذلك أكثر ما ورثه عن أَبيه، وباع فيه رباعه بسبتة وأملاكَه، ومات مدينًا بخمسمائة دينار (^٦٠).
أما صلة القاضي عياض بربّه في عبادته، فكان متين الدين، مجتهدًا، كثير الصوم، قوام الليل، تاليًا لجزء من كتاب الله ﷿ في الجزء الأخير من الليل، لم يتركه - ما قدَر على تلاوته - في أيّة حالَة، ملتزما لحدود الشريعة، سُنيًا في عقيدته شديدَ التمسُّك بها إلى حَد التعصب (^٦١).
ولم يصرفه واجبُه الديني والاجتماعي عن الواجب العلمي المقدس؛ فكان دائمة الصِّلة بعلمِه، لا يفارق كُتُبَه، يقرأ، ويدرّس، وَيبحث ويؤلّف.
* * *
وتطوَّرت الأحداث، وأرغمته على أن يخوض غمارها، وكانت هناك مقرّرات سنية عَقَدِيةً لا سبيل إلى التخلى عنها، آمن بها أهلُ هذا المغرب، ومنهم علماؤُه الذين جاهدوا في سبيل المحافظة عليها بكلّ ما كان لديهم من الوسائل.
والعقيدةُ السُّنية تجيء في طليعة هذه المقررات، وهي تقرّر - فيما تُقرّر - أَن لا عِصمةَ لأحدٍ من الناس غير الأنبياء.
_________________
(١) التعريف ١٢٨.
(٢) شذرات الذهب ٤/ ١٣٩.
[ مقدمة 1 / ١٧ ]
- يو -
أضف إِلى قضية العصمة، ما كانت تستلزمه من مظاهر التشيع
وهناك الموقف الحذر أو العدائي الذي اتفق عليه أعلام المغرب، أو كادوا، تجاه مباحث واتجاهات في كتاب: "إحياء العلوم" للغزالي.
ويمكن حصر هذه المباحث التي رفضتها الأوساط الفكرية في المغرب في نُقطتيْن:
الأولى: ذلك الموقف السلبي الخطير الذي يقفه الغزالى في كتاب الإحياء وغيره - من الاشتغال بالعلوم الإسلامية، باستثناء التصوف.
والثانية: ما عرض للبحث فيه من "علوم المكاشفة"، وما بناه عليه من نتائج وأحكام.
وآمن عياض بما آمن به، أهل السنة في المغرب، وكان شديد التمسك بما آمن به، وقرأ على محمد بن عبد العزيز التغلبي (المتوفى سنة ٥٠٨ هـ) ردوده على الغزالى (^٦٢) وأغلب الظن - ولا شيء يمنع من - أَنه كان على علم بموقف المازري شيخه من كتاب "إحياء العلوم" للغزالى.
فكان لعياض - من هذا جميعه - رأيُه في كتب الغزالى وآرائه مماثلا لما رآه شيوخه ومُعاصروه فيها؛ كان عياض يرى أن الغزالى لو اختصر الإحياء واقتصر فيه على العلم الخالص، وهذه عبارته، لكان كتابا مفيدا (^٦٣) وغيرُ الخالص من العلم في كتاب الإحياء - فيما يعنى عياض -
_________________
(١) الغنية ٢٥.
(٢) التعريف ١٢١.
[ مقدمة 1 / ١٨ ]
- يز -
هو "علم المكاشفة".
وحكى ابن العِماد الحنبلي، (^٦٤) والشَّعراني (^٦٥) أن عياضًا كان يَرى أن كتاب الإحياء يجب أن يُحرق، وليسَ غريبًا ما حكياه عنه؛ فلعياض في كتاب الشفا (^٦٦) حكم على أبي حامد الغزالي - رحمهما الله - في غاية القَسوة.
وكان لعياض كذلك اعتقادُه في العِصْمة التي وصَف المهدي بها نفسه.
وجاء مَهدي الموحِّدين فصَدَم أهلَ المغرب في أقدَس ما لديهم وهى عقيدتهم السنية، وسماهم مجسمين كافرين، وقاتلهم قتال كُفر، وحصَر التوحيد في أصحابه وأتباعه (^٦٧).
وأقام حركته على دعامتين:
عصمة الإمام، وهو كان الإمام.
وعلمه بالمغيبات، وقد استفاده من كتاب الجَفْر الذي يتضمّن علوم أَهل البيت.
وعصمةُ الإمام، عند الإمامية، وعنهم ينقل ابن تومرت: تَعنى أن الإمام لا يجوز أن تصدُر عنه مَعصية صغيرة، ولا يجوز أن يحصل منه سَهو في الدين، ولا يجوز أن ينسى شيئا من الأحكام (^٦٨).
ومن كرامة الإمام عندهم أَن يعرفَ ضمَائر الناس وأَن يعرف ما يكون
_________________
(١) الشذرات ٤/ ١٣٩.
(٢) طبقات الشعراني ١/ ١٥.
(٣) ٢/ ٢٦٧.
(٤) ابن خلدون، العبر ٢/ ٢٢٦، ٢٧٦، ٢٢٨، ٢٢٩، ٦/ ٢٦٦، وابن زيدان، أعلام الناس ١/ ٨٧، ٨٨.
(٥) أوائل المقالات ٣٦.
[ مقدمة 1 / ١٩ ]
- يح -
قبل كونه (^٦٩).
وموقف العقيدة السنية من عِصمة الأئمة أنها لا تقبل عِصمة أحد من الناس غير الأنبياء، كما أنها ترفض وصف الأئمة بأنهم يعلمون الغيب وما تكنّه ضمائر الناس، ويخفيه الغد.
وتعرضُ الغزالي لعلوم المكاشفة، وإفاضته فيها، واعتمادُه عليها - (^٧٠) من الأسباب التي حدَت بالعلماء في المغرب أَن يقفوا من كتاب "الإحياء" موقفهم العدائى المعروف، ومن أجل هذا أيضا كان موقف عياض ورأيه، الذي رأى، في الغزالى وَفي كتبه.
ومن السهل - بعد هذا الذي أَشرتُ إليه - أن يفهم الدارس لماذا قاوم المغاربة في كل مكان دعوة الموحدين، ثم لماذا ثارت سبتة وكررت العصيان، بزعامة عياض في وجه نظام الموحدين.
والموضوع لا يسمح لي بتفصيل القول في هذا هنا، ولاكني أريد أن أقول: إن عياضا لم يتنازل قط عن عقيدته السّنية، وما كان الظنُّ به أن يفعل، وإِنّ الموحدين لم يسامحوه قطّ، ولذلك غرّبوه عن بلده، فجزع ﵀ لفراقها، وكان يقول لمواطنيه عند وداعهم بسبتة: "جعلني الله فداءكم" ويبكي، (^٧١) ونغَّصوا عليه أواخر حياته، إلى أن لقِى ربّه
_________________
(١) أوائل المقالات ٣٧.
(٢) فصلنا القول عن هذا في مقدمتنا لشفاء السائل لابن خلدون.
(٣) التعريف ١٣١.
[ مقدمة 1 / ٢٠ ]
- يط -
في سابع جمادى الأخيرة، أو في رمضان من سنة ٥٤٤ هـ.
وانطلقت في الفضاء بعده الرُّؤَي والمنامات والقصص والحكايات؛ له، وعليه.
وما أكثر ما تُحاك الأقاصيص حول النابهين من الناس بعد أن يفارقوا هذه الحياة الدنيا!
وما أسهل أن يقول فيها القائلون: إنها خرافات لا تثبت للنقد ويُبعدوها عن مادة التاريخ!
وهو صنيعٌ خاطيء تسخر منه الخبرة بنفسيات الشعوب والأمم.
إن هذه الجنود المجنَّدة من الحكايات، وهو التعبير الذي اختاره لها أسلافنا، هي الأسلوب ذو المنطق الخاص الذي يبعد الزمان والمكان، وكثيرًا من مُقررات وقواعد الأحاديث الرسمية من حسابه، وهو الطريقة التي تختارها الشعوب للتعبير عن إحساسها نحو من تريد أن لا تنساهم من الناس، ولتسجيل رأيها فيهم.
ففي رؤاها وأحلامها وأقاصيصها وأسجاعها وأمثالها، وفقرها القصيرة اللتي تشبه الأمثال، وتطير كالسهام - في هذه الصور جميعا تصوغ أفكارها، وتسكب حبّها أو كراهيتها لأولائك الذين تستودعهم التراب.
ولأمرٍ ما قالوا: "لسانُ الخلق أقلام الحق".
والذي دفنوا عياضا ﵀ فئتان من الناس: حكام الموحّدين وسادتهم، وأمة المغرب، وشعور الفئتين نحوه مختلف متباعد.
أما الموحّدون فحكت أقاصيصهم أن الغزالى بلَغَه رأىُ عياض في كتبه،
[ مقدمة 1 / ٢١ ]
- ك -
فدعا عليه، فمات فجأة في الحمام يوم الدُّعاء عليه (^٧٢).
وقالت أيضا: إن المهدى هو الذي أمر بقتله بعد أَن ادّعى عليه أهل بلده بأنه يهودي، لا، لأنه كان لا يخرج يوم السبت … فقتله المهدي لأجل دعوة الغزالي (^٧٣).
وأما الأمة المغربية، فكانت أصابُعها تشير إلى الموحدين تتّهمهم وتقول: "سم ابن العربي، وخُنِق اليحصبي (^٧٤). وتقول، وهي تعدُّه، بقولها هذا في الشهداء: "سمه يهودى" (^٧٥).
ورُؤَاها المتعلقة بعياض، والتي تربطها ببلده حيث نشأ ودرج وأَفاد وأرشد، وبالجزيرة الخضراء حيث أزال عن أهلها مظالم بعض حكامها، (^٧٦) ومراكش حيث قدّم نفسه فداءً لمواطنيه، - هذه الرُّؤَى (^٧٧) كانت تشير جميعا إلى أنه في الجنة منعّمًا مكرمًا، جزاءً لما قدمه من أعمال الخير يوم كان حيًا يسْعَى، وأجابت أمته عن كلّ ما من شأنه أن يمس ذكراه العاطرة بكلمتها التي ردّدتها الشفاه أعواما تتلوها أعوام: لولا عياض لما ذكر المغرب.
_________________
(١) طبقات الشعراني ١/ ١٥.
(٢) فهرس الفهارس ٢/ ١٨٥.
(٣) المرقبة العليا ٩٥.
(٤) الديباج ١٧٢.
(٥) التعريف ١٣١.
(٦) التعريف ١٢٩ - ١٣١.
[ مقدمة 1 / ٢٢ ]
- كا -