وبسبتة - حسبما كتب القاضي بخطه (^١٢)، وعنه نقل ابنه محمد - ولد القاضي عياض، في مُنتصَف شعبان من سنة ٤٧٨ هـ (^١٣).
وسبتة قاعدة من قواعد المغرب، هيأها موقعها الجغرافي لأن تكون ملتقى العلماء، سواء الواردون عليها من المشرق والمغرب، بقصد العبور إِلى الأندلس، أم القادمون إِليها من الأندلس إِلى المغرب، بقصد الرحلة أو الإقامة، وأن تصبح - نتيجة لذلك - ملتقى لثقافاتٍ متنوعة متعددة.
وهكذا أنشأ العلماء المقيمون بسبتة، والوافدون إليها، مركزًا ثقافيًا بها، له أهميته، وله مميزاته وخَصائصه.
واتفقت مصادر ترجمة عياض على وصفه بالذكاء، والفهم، والحِذق،
_________________
(١) التعريف ٥، وعنه ابن الخطيب في الإحاطة ١٨٢. أ، والمقري في أزهار الرياض.
(٢) الصلة ٤٤٧، المعجم لابن الأبار ٢٩٦.
(٣) بغية الملتمس ٤٢٣، المعجم ٢٩٤ الصلة ٤٤٧، الوفيات ١/ ٤٩٧، الإحاطة ١٨٢ - ب.
[ مقدمة 1 / ٧ ]
- و-
والفِطنة، والتَيَقُّظ، والحرص على طلَب العلم.
وهي مؤهلات، من شأنها أن ترفع صاحبها إلى مراتب عالية في العلم والفضل.
وبهذه المواهب العقلية الممتازة، وفي ذلك الجو العلمي الذي تهيأ له بمسقط رأسه سبتة، بدأ عياض طلبَه للعلم.
وإذا كانت الكتب التي يدرسها طالب العلم. تتدخل - مثلما يؤثر الشيوخ - في تكوين شخصيته، فإِن ما قرأه عياض الطالب، وقد حباه الله تلك المواهب العقلية، من أمهات الكتب على اختلاف موضوعاتها، في بلده سبتة، دال على أن شخصيته العلمية قد اكتملت قبل أن يغادر بلده، وأنه قد انتزع شهرته الخالدة على الزمن بسعيه، دون أن يحابيه بها أَحد.
ففي بلده حفظ القرآن بقراآته السبع؛ برواية نافع، وابن كثير، وأبي عمرو بن العلاء، وابن عامر، أخذ هذه الروايات بطرقها المختلفة المعروفة - عن عبد الله بن إدريس بن سهل المقريء (المتوفي سنة ٥١٥ هـ)، (^١٤) وبرواية حمزة بن حبيب الزيات، عن عبد الله بن محمد النَّفْزِي (المتوفي سنة ٣٣٨ هـ) (^١٥).
وقرأ اللغة العربية، متنَها وأدبها، في كتاب الفصيح لأبي العباس ثعلب، وكتاب الأمالى لأبي على القالي، والكامل لأبي العباس محمد بن
_________________
(١) الغنية ١٤٩، وانظر ١٧٣.
(٢) الغنية ١٤٨، وانظر ٤٣ - ٤٤.
[ مقدمة 1 / ٨ ]
- ز -
يزيد المبرد، وأدب الكتاب لأبي محمد بن قُتَيْبة (^١٦).
ودرس قواعدَها في كتاب الجُملَ للزّجّاجي، والواضح لأبي بكر الزُّبَيري، والكافي لابن النّحّاس، والمقْتَضَب للمبّرد، والإِيضاح لأبي على الفارِسي، (^١٧) وشرح الجُمَل لابن فَضَال (^١٨).
أما أصول الفقه، وأصول الدين وعلم الكلام (^١٩) على مذهب أبي الحسن الأشعري، والجدل والمناظرة، (^٢٠) فقرأ أصول الدين على قاضي سبتة عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن قاسم اللخمي (المتوفى سنة ٤٥٨ هـ)، (^٢١) وقرأ رسالة ابن أبي زيد القيرواني (^٢٢) على محمد بن عيسى التميمي؛ وصحب عبد الغالب بن يوسف السالمي (المتوفي سنة ٦١٦ هـ) المتكلم على مذهب أهل السنة من الأشعرية، مدة إِقامته بستبة، وناوله كثيرًا من مجموعاته (^٢٣)، وقرأ على يوسف بن موسى الكلبي، المتكلم على مذهب الأشعرية، أرجوزته
_________________
(١) الغنية ١٣٤ - ١٣٥، وانظر ٤٣، ٦٧.
(٢) الغنية ١٣٥.
(٣) الغنية ١٦٠.
(٤) جاء في "التعريف" صحيفة ٦ أن القاضي عياضا كان متكلمًا أصوليًا، وكان لا يرى الكلام في ذلك إلا عند نازلة. وعلم الكلام، منذ نشأته، يعني الحجاج عن العقيدة والمناظرة عليها، ثم اشتهر - بين أهل السنة - استعماله في معنى الحجاج عن العقيدة السنية بالأدلة البرهانية العقلية، والرد على المخالفين لهم فيها. فالمحاجة والمناظرة جزء من مفهوم علم الكلام.
(٥) أما "علم الجدل والمناظرة"، فيراد به الجدل في مسائل الفقه تارة، وفي مسائل الاعتقاد تارة أخرى، ومهما كان فهر صناعة الجدل.
(٦) الغنية ١٤٦.
(٧) الغنية ٢٢.
(٨) الغنية ١٦٦.
[ مقدمة 1 / ٩ ]
- ح -
التي ألفها في الاعتقادات، (^٢٤) كما قرأ كتاب المنهاج في الجدل والمناظرة لأبي الوليد الباجي (^٢٥).
واحتجاج عياض المتكرر في كتاب الشفا بآراء أبى الحسن الأشعري. (^٢٦) والقاضي أبي بكر الباقلاني، (^٢٧) وأبي بكر بن فورَك، (^٢٨) وأبي المعالي إمام الحرمين الجويني، (^٢٩) يثبت كلُّ ذلك صلتَهُ الوثيقة بمذهب الأشعرية وبكتُبهم، وقراءتُه لمؤلفاتهم في الاعتقاد، (^٣٠) ووصفُه للبَاقلاني، وأبى بكر بن فورك بقوله: "من أئمتنا (^٣١) "، دال على أنه أشعري المذهب.
ومناقشاته العميقة لآراء المعتزلة، (^٣٢) والفرق الاعتقادية الإسلامية على اختلاف مذاهبها، (^٣٣) والمفلاسفة، (^٣٤) والصوفية، (^٣٥) والخوارج (^٣٦) - تطلع الدارس لعياض على معرفته الواسعة بالمذاهب الاعتقادية وآراء أصحابها.
وصلة القاضي عياض بعلم الكلام وما يتبعه من جدَل ومناظرة، ومعرفته بدقائق آراء المخالفين لأهل السنة فيه، تصل بنا إلى أَن المدرسة التي أخرجت القاضي عياضًا وشيوخَه الذين تعلم عليهم الكلام وأصول الدين، وكثير
_________________
(١) الغنية ٢١٥.
(٢) الغنية ١٦٠.
(٣) الشفا ٢/ ٢٧٧.
(٤) الشفا ١/ ٢١٥، ٢/ ٢٦٣، ٢٦٧، ٢٧٦.
(٥) الشفا ١/ ٢١٦، ٢/ ١٥٦.
(٦) الشفا ١/ ٢٠٥، ٣١١، ٢/ ٢٦٤.
(٧) الغنية ١٦٦، ٢١٥.
(٨) الشفا ١/ ٢١٦.
(٩) الشفا ٢/ ٢٦٦، ٢٦٧، ٢٧٨، ٢٧٩.
(١٠) الشفا ٢/ ٢٦٨، ٢٦٩.
(١١) الشفا ٢/ ٢٦٩.
(١٢) الشفا ٢/ ٢٦٩.
(١٣) الشفا ٢/ ٢٧١.
[ مقدمة 1 / ١٠ ]
- ط -
من العلماء المغاربة الذين اشتغلوا بعلم الكلام واشتهروا به، وترجم لهم في "ترتيب المدارك".
نقول: هذه المدرسة كانت على علم تام بالجدل والمناظرة وأصول الدين والكلام على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأن كتب الأشاعرة في علم الكلام كانت معروفة بين رجالها يتدارسونها في كافة أنحاء المغرب.
ومن هنا نصل إِلى عدم صحة ما حيك حول مهدي الموحدين، من أن علماء المغرب في عهد المرابطين، لم تكن لهم معرفة بالجدل والنظر، وأَنهم - لذلك لم يستطيعوا أَن يثبتوا له في مناظراته، وأَن التجسيم كان غالبًا عليهم في الاعتقاد، فجاء ابن تومرت بعقيدة التوحيد، ونشرها، وَسمّي أتباعَه الموحَدين، إلى آخر ما قيل وكُرّر (^٣٧).
إِنه خُدعة سياسة أذاعها ابن تومرت وأنصاره لتوطيد نفوذهم في نفوس الجماهير، واغتربها المؤرخون، ومن العجيب أن يكون ابن خلدون الواعي من ضحاياها.
وبسبتة أيضًا عن أعلامها ومحدثيها أخَذ علمَ الحديث، متنَه وغربيَهُ ورجالَه ومصطلحَه.
فقرأ الموطأَ للإمام مالك، ومسند الموطأ لأبي القاسم الجوهري، وصحيح البخاري بروايتي الفِرِبْري والنَّسَفي، وصحيح مسلم، وسنن النسائي، وشرح غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام، وإصلاح الغلط على
_________________
(١) ابن خلدون، العبر ٦/ ٢٢٦ - ٢٢٩، ٦/ ٢٦٦.
[ مقدمة 1 / ١١ ]
- ي -
أبي عبيد لأبي محمد بن قُتَيبة، وغريب الحديث لأبي سليمان الخطابي، وعلوم الحديث للحاكم، وكتاب الطبقات لمُسلم الحجّاج صاحب الصحيح، وكتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي، وكتاب الطبقات له، وكتاب التقصّى لابن عبد البر، (^٣٨) والمؤتلف والمختلف للدارقطني، (^٣٩) والمؤتنف في تكملة المؤتلف والمختلف للخطيب البغدادي، (^٤٠) ومشكل الحديث لابن فورك، (^٤١) والإكمال لابن ماكولا (^٤٢).
أما الفقه المالكي، فدرس رسالة ابن أبي زيد، (^٤٣) والمدونة، (^٤٤) وتأليفًا في الأيمان اللازمة للقاضي أبى بكر بن العربي المعافري، قرأه عليه بسبتة عند مروره بها. (^٤٥)
وقرأ أصول الفقه على محمَد بن داود بن عطية القلعي.