ولقد وعدت في مطلع حديثي أنني لا أبالغ في المدح والوصف والثناء كما يفعل عادة عندما يصف التلميذ شيخه، ولذا فإنني ههنا أذكر إلمامة صغيرة عن الجوانب التي أختار الكتابة عنها، وأعتقد أنني لست بالمبالغ أو المتزيد إذا سلكت الشيخ في عداد المصلحين في هذا القرن، فقد كان معلمًا بارعًا، ومصلحًا وهب نفسه وفكره، وأذوى ناضر شبابه، وسلخ عمره في مجال الخير، وكان رحمة الله علينا وعليه قد أعطي بسطة في الجسم كما أعطيها في العلم، أسمر ممتلئ الوجه متلألأة، لا ترى العبوس في وجهه، لين العريكة، يحرص في جميع شؤونه أن يسير سير المصطفى ﷺ.
وكان في منتهى الذكاء واللباقة، شجاعًا في الحق صبورًا على الأذى في سبيل الله، حكيمًا في أحاديثه أديبًا في مجلسه، لطيفًا في أسلوبه، سهلًا في تعليمه ومعاملته، مشجعًا للمجدين من طلابه في ألفاظ يرسلها كأنها سهام تنفذ إلى القلوب، يؤدب في شفقة وبشاشة وإيناس، ضليعًا في علم الحديث ومصطلحه، داعية لطلابه إلى اعتناق منهج الانطلاق الفكري في البحوث المقيدة بميزان الشريعة.
رجاعًا إلى الحق، مثيرًا طلابه على ملازمة الطاعة والعبادة، عزيزًا في نفسه، ويغرس بذور العزة والكرامة في نفوسهم.
وأذكر أنه كان يسألهم تارة بمناسبة أيام الخميس والاثنين عمن صامهما تطوعًا، وعمن قام شيئًا من الليل غير الفريضة، فإذا أجابوا بالنفي ندب حال طلاب العلم في هذا الزمان.
أما جوده وكرمه وطيبته وحسن طويته، وحبه إسداء الخير للمحتاج فحدث عن ذلك ولا حرج.
وقبل أن أنهي الكلام على ما يتعلق بصفاته وأخلاقه أقرأ على مسامعكم هذه النماذج باختصار:
١ - وافق أنني تخلفت عن حج عام ١٣٦٧ هـ ولما كان يوم عيد الأضحى رأيت أن أتناول طعام الغداء في منزل الشيخ، ووافق أنّ كثيرًا من الطلاب ذهبوا للحج، فدخلت عليه والطعام بين يديه، ومعه أولاده، وعندما ألقيت السلام رفع رأسه وقال من غير تأمل أو تفكير: "الحمد لله الذي لم يُرني اليوم الذي آكل فيه وحدي ومع أولادي فقط"..
٢ - جاء في نظام أعمال دار الحديث التي وضعها دليلًا لدار الحديث بعد أن آل أمر نظارة مكتبتها وإدارة مدرستها إليه، وفي الفقرة (خ) وقع في خارطة البناء شقة للناظر أعلن من يومي هذا
[ ١٧٦ ]
وأنا الناظر حاليًا أنني متنازل عن سكناها لتسكنها أسرة الشيخ أحمد الدهلوي المؤسس، وأطلب ممن تولى النظارة بعدي من أبنائي وأحبابي أن يدعوا سكناها للمذكورين ما دام شرط النظارة لا ينطبق عليهم.
٣ - شج رجل فقير معاند مخالف للشيخ في العقيدة رأس ابن الشيخ انتقاما من أبيه، وقامت السلطات بسجن الجاني، فحاول الشيخ أن يشفع في فك سراحه فلم يفلح، ولما كان آل الرجل محتاجين إلى من يعولهم أمرني ﵀ بالإنفاق عليهم إلى أن يطلق سراح عائلهم، ولما علم الرجل ذلك رجع إلى نفسه، وثاب إلى رشده وكان سببًا لقبوله الحق.
أردت أن أضع هذه النماذج الثلاثة أمام السامع من غير تعليق عليها خشية أن أطيل فيكون الملل.
ولقد اشتغل منذ عام ١٣٦٠هـ بالتدريس في المسجد النبوي وبمدرسة دار الحديث المدنية إلى عام ١٣٦٤هـ حيث انتدب للوعظ والإرشاد بمدينة ينبع النخل، وعاد منها في عامه بعد أن أمضى فيها ثمانية شهور أسس خلالها قواعد متينة، وأشاد بنيانًا راسخًا في العقيدة هناك. وأزال كثيرًا من البدع والمنكرات، باللطف والحكمة والموعظة الحسنة. وربض في دار الحديث ليثبت أركانها، ويدعم بنيانها، ويعمر جوانبها بالعلم النبوي.
وأشهد بالله تعالى أنه كان يجلس للتدريس من الساعة الثانية صباحًا على وجه التقريب، إلى أذان الظهر جلسة واحدة لا يتخللها كلل ولا ملل، ثم يعود بعد صلاة الظهر ليعقد درسًا لبعض الطلاب الذين يشغلهم الضرب في الأسواق صباحًا، وبعد صلاة العصر يرتاد بيته طلاب آخرون للتحصيل والتعلم، وبعد صلاة المغرب وصلاة العشاء يقوم بالدرس العام بالمسجد النبوي، وكانت حلقته تجمع الخليط من الطبقات الصغار والكبار، والمتفرغين لطلب العلم، والراغبين في الانتفاع من العوام وكان الجميع يكرعون وينهلون ويردون ويصدرون، لأن الله حبى الشيخ شفافية النفس، وعظيم الإخلاص، والخلق وسهولة الأسلوب، مع قوة الاقناع فاستفاد منه الكثيرون من المقيمين والحجاج.
أما دار الحديث فقد أخصبت وأفرغت وأربعت ثم ازهرت وأينعت إبان قيامه بإدارتها والتدريس فيها. وصدق عليها ما قال القائل عن دار الحديث النووية بالشام:
وفي دار الحديث لطيف معنى..
وتخرج منها طلاب انتشروا في العديد من البلاد، وأصبحوا قادة في الفكر والعلم ودعاة إلى الحق، وهداة إلى سبيل الله.
وفي أواخر عام ١٣٧٠هـ اختاره جلالة الملك عبد العزيز ليكون ضمن المدرسين في المعهد العلمي بالرياض، ثم بكلية الشريعة فكان يمكث بالرياض مدة الدراسة ويقضي عطلة الصيف بالمدينة المنورة
[ ١٧٧ ]
ليشرف على أعمال دار الحديث، ويواصل تدريسه بالمسجد النبوي الذي كان يتمنى أن يكون بجوار معظم سواريه طلاب يعقلون عن الله، وعن رسول الله ﷺ ويقومون بتبليغ رسالة الله.
هذه صورة مبسطة من حياة رجل عالم جليل أدى ما عليه. وهكذا تصنع الرجال الأمجاد وكأنما يريدون أن يعالجوا الزمن بنفوسها الكبيرة، وهممها العالية والله من وراء القصد.