ابتدأ ﵀ في طلب العلم من شيوخ بغداد، ثم رحل إلى الكوفة والبصرة، ومكة والمدينة، واليمن والشام والجزيرة، وكتب عن علماء كلِّ بلد.
قال أحمد: أوَّل من كتبت عنه الحديث: أبو يوسف.
وقال أيضًا: طلبت الحديث وأنا ابن ست عشرة، ومات هُشَيْمٌ وأنا ابن عشرين سنة، وأوَّل سماعي من هشيم سنة تسع وسبعين ومئة.
وقال أيضًا: كان ابن المبارك قدم في هذه السنة - وهي آخر قدمة قدمها - وذهبتُ إلى مجلسه فقالوا: قد خرج إلى طرسوس، وتوفي سنة إحدى وثمانين. وكتبت عن هشيم سنة تسع وسبعين، ولزمناه سنة ثمانين وإحدى وثمانين وثنتين وثلاث وثمانين، ومات فيها أي ثلاث وثمانين. كتبنا عنه كتاب الحج نحوًا من ألف حديث، وبعض التفسير، وكتاب القضاء، وكتبًا صغارًا - قال صالح: قلت: تكون ثلاثة آلاف؟ قال: أكثر. وجاءنا موت حمَّاد بن زيد ونحن على باب هشيم يملي علينا الجنائز، فقالوا: مات حماد بن زيد. وسمعت من عبد المؤمن بن عبد الله بن خالد بن الحسن العبسي سنة اثنتين وثمانين قبل موت هشيم. وحدَّثنا علي بن مجاهد الكابلي في سنة اثنتين وثمانين، من أهل الرَّي، أبو مجاهد، وهي أول سنة سافرت فيها. وقدم عيسى بن يونس الكوفة بعدي بأيام وأول خرجة خرجت إلى البصرة سنة ست وثمانين. وخرجت إلى سفيان بن عيينة سنة سبع وثمانين، قَدِمْنَا وقد مات فضيل بن عياض، وهي أوَّل سنة حججت. وكتبت عن إبراهيم بن سعد، وصَلَّيت خلفه غير مرة، وكان يسلم واحدة. ولو كانت عندي خمسون درهمًا كنت قد خرجت إلى الرَّي إلى جرير بن عبد الحميد، فخرج بعض أصحابنا ولم يمكني الخروج.
[ ١ / ١٤ ]
قال: وخرجت إلى الكوفة فكنت في بيت تحت رأسي لبنة، فحممت، فرجعت إلى أمي ولم أكن استأذنتها. ودخلت عَبَّادان سنة ست وثمانين في العشر الأواخر، وكنت رحلت إلى المعتمر في تلك السنة، وكان بها رجل يتكلم قلت له: هَدَّاب؟ قال: نعم، فكان بها أبو الربيع وكتبت عنه.
وقال أيضًا: كنت ربَّما بكَّرت إلى مجلس أبي بكر بن عَيَّاش فتأخذ أمي ثيابي، وتقول: حتى يؤذن الناس، أو حتى يصبحوا.
وقال: خرجت إلى واسط فسأل يحيى بن سعيد عني فقالوا: خرج إلى واسط، فقال: أي شيء يصنع بواسط؟ قالوا: مقيم على يزيد بن هارون، وقال: أي شيء يصنع بيزيد بن هارون؟ هو أعلم منه!.
وقال عبد الله: خرج أبي إلى طرسوس ماشيًا على قدميه.
وقال ابن منيع: سمعت جدي يقول: مر أحمد ابن حنبل جائيًا من الكوفة، وبيده خريطة فيها كتب، فقلت: مرة إلى الكوفة ومرة إلى البصرة؟ إلى متى؟ إذا كتَبَ الرَّجُلُ ثلاثين ألف حديث لم يكفه؟ فسكت، ثم قلت: ستين ألف حديث؟ فسكت، فقلت: مئة ألف حديث؟ فقال: حينئذ يَعْرف شيئًا. قال أحمد بن منيع: فنظرنا فإذا أحمد قد كتب ثلاث مئة ألف عن بهز بن أسد وعفَّان وأظنه قال: وروح بن عبادة.
وقال صالح بن أحمد: عزم أبي على الخروج إلى مكة يقضي حجة الإِسلام، ورافق يحيى بن معين، وقال له: نمضي إن شاء الله فنقضي حجنا، ثم نمضي إلى عبد الرزاق إلى صنعاء فنسمع منه. قال أبي: فدخلنا مكة، وقمنا نطوف طواف الورود؛ فإذا عبد الرزاق في الطواف يطوف، فقام يحيى بن معين فسلَّم على عبد الرزاق، وقال: هذا أحمد بن حنبل أخوك، فقال: حَيَّاه الله وثبَّته فإنه يبلغني عنه كل جميل. قال: يجيء إليك غدًا إن شاء الله حتى يسمع ويكتب. قال: وقام عبد الرزاق فانصرف، فقال أبي ليحيى بن معين: لِمَ أخذتَ على الشيخ موعدًا؟ قال: لتسمع منه، قد أربحك الله مسيرة شهر ورجوع شهر والنفقة، فقال أبي: ما كان الله
[ ١ / ١٥ ]
يراني وقد نويت نية لي، أُفسدُها بما تقول، نمضي، إنما نقول: غضي فنسمع منه، فمضى حتى سمع منه بصنعاء.
وقال أحمد بن سنان: قدم علينا أحمد بن حنبل مع جماعة من البغداديين إلى يزيد بن هارون واستقرضوني كلهم وردوا إلا أحمد بن حنبل لم يستقرضني، وأعطاني فروة له فبعتها بسبعة دراهم.
وقال صالح بن أحمد: رأى رجل مع أبي محبرة فقال: يا أبا عبد الله: أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين، فقال: "مع المحبرة إلى المقبرة".
وقال أحمد: أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر.
وقال محمد بن إسماعيل الصائغ: كنت أصوغ مع أبي ببغداد فمرّ بنا أحمد بن حنبل وهو يعدو ونعلاه في يده، فأخذ أبي هكذا بمجامع ثوبه، فقال: يا أبا عبد الله أما تستحي! إلى متى تعدو مع الصبيان؟ قال: إلى الموت.
وقال أبو بكر بن سماعة - من أهل مكة: نزل أحمد بن حنبل علينا في دارنا وأنا غلام، فقالت لي أمّي: اخدم هذا الرجل والْزَمه فإنَّه رجل صالح، فكنت أخدمه، وكان يخرج لطلب الحديث، فسُرِقَ متاعُه وقماشُه، فجاء فقالت له أمي: دخل عليك السُّراق فسرقوا قماشك، قال: ما فعلت الألواح؟ فقالت له أمي: في الطاق. وما سأل عن شيء غيرها.
أما من لقي من كبار العلماء وروى عنهم:
فأمَّا الذين روى عنهم، وكتب عنهم فهم كثير، وقد ذكرهم ابن الجوزي، وبلغ ذكرهم نيِّفًا وثلاثين وأربع مئة نفس، وأمّا من رآهم ولم يكتب عنهم فجملةٌ أيضًا، أضربنا عن سرد أسمائهم هنا خوف الإِطالة، واكتفينا بالإحالة على الكتاب المذكور.
وأما أدبه مع مشايخه احترامًا للعلم:
فقال عمرو الناقد: كنا عند وكيع، وجاء أحمد بن حنبل فقعد، وجعل يَصِف من تواضعه بين يديه. قال عمرو: فقلتُ: يا أبا عبد الله إنَّ الشيخ يكرمك فما لك لا تتكلم؟ قال: فإنْ كان يكرمني فينبغي أن أُجِلَّهُ.
[ ١ / ١٦ ]
وقال مهنّأ بن يحيى الشَّامي: رأيت أحمد بن حنبل قُدَّام سفيان وقُدَّام عبد الرزاق، فقلت: تراهم يَدْرُون مَنْ عندهم - أي من فضله -؟.
وقال قتيبة بن سعيد: قدمت بغدادَ وما كان لي همَّة إلَّا أن ألقى أحمد بن حنبل، فإذا هو قد جاءني مع يحيى بن معين، فتذاكرنا، فقام أحمد بن حنبل وجلس بين يديَّ وقال: أَمْلِ عليَّ هذا، ثم تذاكرنا فقام أيضًا وجلس بين يدي، فقلت: يا أبا عبد الله اجلس مكانَك. فقال: إنما أريد أن آخذ العلمَ على وجهه.
وقال خلف: جاءني أحمد بن حنبل يسمع حديث أبي عوانة، فاجتهدت أن أرفعه، فأبى وقال: لا أجلس إلا بين يديك، أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه.
وأمَّا إقباله على العلم واشتغاله به:
فكان ﵀ شديد الإِقبال على طلب العلم، سافر في طلبه السَّفر البعيد، ووفَّر على تحصيله الزَّمان الطويل، ولم يتشاغل بكسب ولا نكاح حتى بلغ منه ما أراد.
قال ﵀: ما تزوجت إلا بعد الأربعين. وقال أيضًا: نحن كتبنا الحديث من ستة وجوه، من سبعة وجوه، ولم نضبطه؛ كيف يضبطه من كَتَبَه من وجه واحد؟.
[ ١ / ١٧ ]