قال أبو زُرْعة: كان يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب.
وقال أبو عبد الله: جاء إنسان إلى باب ابن عُلَيَّة معه كُتُب هشام؛ فجعل يلقيها عليَّ وأنا أقول: هذا إسناده كذا، فجاء المُعَيْطي وكان يحفظ فقلت له: أجِبْهُ فيها، فَبَقِي. قال أبو عبد الله: وأعرف من حديثه ما لم أسمع.
وقال أيضًا: حفظت كلَّ شيء سمعته من هُشيم، وهشيم حيُّ قبل موته.
وقيل لأبي زرعة: أنت أحفظ أم أحمد بن حنبل؟ قال: بل أحمد بن حنبل. قيل: كيف علمت بذلك؟ قال: وجدت كتب أحمد ليس في أوائل الأجزاء ترجمة أسماء المحدثين الذين سمع منهم، فكان يحفظ كلَّ جزء ممن سمعه، وأنا لا أقدر على هذا. وقال أبو زرعة أيضًا وقد سئل: من رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ؟ فقال: أحمد بن حنبل. حُزِرت كتبه اليوم الذي مات فيه فبلغت اثني عشر حملًا وعدلًا، ما كان على ظهر كتاب منها (حديث فلان)، ولا في بطنه (حدثنا فلان) وكل ذلك يحفظه عن ظهر قلبه.
وقال أبو زرعة أيضًا: أتيت أحمد بن حنبل فقلت له: أخرج إليَّ حديثَ سفيان، فأخرج إليَّ أجزاء كلها: سفيان سفيان ليس على حديث منها "حدَّثنا فلان"، فظننت أنها عن رجل واحد، فجعلت أنتخب، فلما قرأ عليَّ جعل يقول في الأحاديث حدثنا وكيع ويحيى، حدثنا فلان، فعجبت من ذلك، فجهدت في عمري أن أقدر على شيء من هذا فلم أقدر.
وقال أبو عبد الله: كنت أذاكر وكيعًا بحديث الثوري، فكان إذ صلَّى العشاء
[ ١ / ١٨ ]
الآخرة خرج من المسجد إلى منزله، وكنت أُذَاكرُه فربما ذكر تسعة أحاديث أو العشرة فأحفظها، فإذا دخل قال لي أصحاب الحديث: أمْلِ علينا. فأمليها عليهم فيكتبونها.
وقال قتيبة بن سعيد: كان وكيع إذا صلى العتمة ينصرف معه أحمد بن حنبل، فيقف على الباب فيذاكره وكيع، فأخذ ليلة بعضادتي الباب، ثم قال: يا أبا عبد الله، أريد أن ألقي عليك حديث سفيان. قال: هات. فقال: تحفظ عن سفيان، عن سلمة بن كُهَيل كذا وكذا؟ فيقول أحمد: نعم، حدثنا يحيى، فيقول: سلمة كذا وكذا؟ فيقول: حدثنا عبد الرحمن، فيقول: سفيان عن سلمة كذا وكذا؟ فيقول: أنت حدثتنا. حتى يفرغ من سلمة، ثم يقول أحمد: وتحفظ عن سلمة كذا وكذا؟ فيقول وكيع: لا. ولا يزال يلقي عليه، ويقول وكيع: لا. ثم يأخذ في حديث شيخ شيخ، فلم يزل قائمًا، حتى جاءت الجارية فقالت: قد طلع الكوكب.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال لي أبي: خذ أي كتاب شئتَ من كتب وكيع من المصنف، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإِسناد، وإن شئت بالإِسناد حتى أخبرك بالكلام.
أما ثناء مشايخه عليه:
فاعلم أن مخايل الإِنسان تلوح وتبين في صباه وبدوّ أمره ومنتهاه، وكانت مخايل العلم والتقى تظهر على أحمد في بدايته؛ ولذلك أثنى عليه مشايخه وقدموه.
قال أبو العباس النسائي: كان أحمد بن حنبل إذ جاء إلى المحدث استأذن لأصحاب الحديث حتى يسمعوا بسببه.
فمن مشايخه: