اشتهر الشيخ - رحمه الله تعالى - بين معاصريه بمعرفة أخبار العرب وأشعارها، وفنون الأدب، وأنواعها: ولذا حَلّاه بعض مترجميه بلقب: (الأديب الشاعر) وكانت مجالسه عامرة بذلك، ولهذا يُصْغي الحاضرون إلى حديثه، ويستفيدون منه، ولعل هذا التحصيل مما جعله في صدر مجالس الوجهاء والأعيان.
وأسوق هنا ما ذكره بعض مترجميه من شعره:
قال - رحمه الله تعالى - في بلده: (بُرَيْدَة) وتعظيم شأن العلم فيها:
وسكناي في فيحا بريدة من لها … ينادي جميع الشرق وسطك أرحب
لما ضم من أهل العلوم الذين هم … يزال عن الدين المشرف غيهب
فأكرم بها كم أنتجت من مهذب … نجيب فتى من ذي النجابة أنجب
فهذا لإفتاء وهذاك واعظ … وذاك بأمر العرف يأتي ويذهب
وذاك بتدريس وذاك مصنف … يَهدِّي بما يبدي لنا ويهذب
يقضِّي زمانًا والأنامل دأبها … تسِّيِّر أقلامًا بذا وتبوب
فيا رب حِط سكانها وولاتها … وأرجاءها وما شان يعزب
وقال - رحمه الله تعالى - راثيًا شيخه الشيخ عمر بن محمد بن سليم قدس الله روحه:
مصاب عظيم حق فيه التلهف … وصارت به عيناي بالدمع تذرف
ولا بدع أن أستبدل الدمع في دم … فما ناظر يبكي الدم الآن مسرف
فيا عين فابكي واحذري من تكاسل … وخل الهوينا إن صبري ليضعف
ويا موت زر لا خير لي بعدُ في البقا … إذا ارتحل الأخيار لم نتخلف
إذا أنت أسرعت ارتحال خيارنا … وأبقيت قومًا ليس في الخير تعرف
[ مقدمة / ٢٤ ]
فمني على الدنيا السلام جميعها … ولست على أبنائها أتأسف
لقد حل في ذا العام مفقد عالم … بمفقده شمس من العلم تكسف
لقد حل في ذا العام مفقد عالم … به حل في أطراف أرض تخوف
فقدنا بهذا العام نجل محمد … هو ابن سليم الزاهد المتصوف
فقدنا بهذا العام بدر هداية … فيا عمر من ذاك بعد يخلف
فلو أن فيك الموت يقبل فدية … لكنت بهذا الأمر للروح أصرف
فيا عمر أفديك بروحي ومُهجتي … فأفعالك الحسنى بنا لا تكيف
فأنت الذي في العلم مدت أنامل … إليك فعادت بعد مد تكفكف
فحقًا وجوه الفقه زال جمالها … وعن جسمها طوي القميص المفوف
وحقًا فما للفقه بقي مفرع … وأسماع طلاب له لا تشنف
وحقًا طريق المذهب الآن هابه … جسور بما أبداه أحمد يكلف
وحقًا عويصات المسائل أبقيت … كآي صفات بالتلاوة تتحف
وحقًا بكى المغني وكافي وغاية … وإقناعهم شرحًا أراد المصنف
وحقًا فمغني النحو أصبح مشكلًا … وكل غريب فيه ليس يعرَّف
وحقًا فجار الله (^١) دق اعتزاله … وما دس كشافه ليس يكشف
وحقًا فلن ينهى مراد نهاية … عليه غريب فهمه ستوقف
فسيافه في البحث قاطعة الظبا … بها امتاز ما قد صححوا والمزيف
يقوم بإيضاح المسائل جاهدًا … وأشتاتها بعد افتراق يؤلف
وأقلامه فيه الأوابد لم تزل … بتقييد علم من مداده تغرف
له قدم في الفقه سابقة الخطى … كما في كمال الدين والعقل يوصف
فكم كان يحيى فيه ليلًا كأنما … يصيد بفخ الفهم درًا ويكتف
_________________
(١) يعني أن الزمخشري محمودًا المسمى جار الله في تفسيره المسمى الكشاف أمور من الاعتزال وهي دقيقة لا يعرفها إلا ذو المعرفة من العلماء، يشير بأن نُقَّاد العقائد قليلون ومَنْ يعرِف الاعتزال بعد الشيخ عمر بن محمد بن سليم (بن عبيد).
[ مقدمة / ٢٥ ]
أبان الخفايا بل إذا لبيانه … أردت اختبارًا سحر باب يردف
مثقفة ألفاظه عذبة الجنا … فما غير ذاك اللفظ قيل المثقف
طوى الموت من في العلم أصبح ساعيًا … بعزم صحيح مقدمًا لا يسوف
قفوا خبرونا من يقوم مقامه … ومن ذا بمحراب الهداية يعكف
قفوا خبرونا من يوقف طالبًا … على غامض الآيات لا يتكلف
قفوا خبرونا من إذا ولي القضا … فميزانه القسطاس ليس يطفف
ومن ذا تطيب النفس يومًا بقوله … سواه ومن ذا بعده قيل منصف
هو الجبل الراسي تهدم ركنه … قفوا نبكه يا أمة المصطفى قفوا
حوى من مواريث النبوة إِرثه … وصارت به أعلام علم ترفرف
وفي موته الأعلام عادت إلى الثرى … ورد به الأعلام ما منه خلفوا
تنكر هذا العصر لكن فإنه … بطيب ثنا أبقاه فينا معرف
وقد لبست نجد ثياب حدادها … على زوج فضل لا عن الحق ينكف
لئن مهد التمهيد مضجعه له … فكوكب ما أبقى من العلم مشرف
سأبكيه بالدرين دمعي ومنطقي … بسلك تآبين عليه تؤلف
أجاوب ورقاء الحمام بشجوها … وأغلبها في لوعتي حين أهتف
سأنشد قبرًا حل فيه رثاءه … وأعصي عذولًا شاء عن ذاك يصدف
فلهفي لا مدحي عليه تحولت … رثاء بها تلك المدامع تنطف
ولكن فما بعد النبي محمد … رجاء بقاء والخلد لا يتشوف
فما نحن إلا ركب موت إلى البلا … صروف الليالي للمنية تقذف
فهذا سبيل العالمين جميعهم … فذا لا حقٌ هذا وهذاك يسلف
فيا رب روي الروح في صوب رحمة … فقد كان في الدنيا بها يتعطف
وروحه بالريحان والروح والرضا … وألحق به في الحشر من فيه يشغف
وأرخ فقيه العصر حين رثائه … قضى عالم الدنيا لمولاي يأزف
[ مقدمة / ٢٦ ]