قال البوشنجي: ما رأيت أجمع في كل شيء من أحمد بن حنبل، ولا أعقل، وهو عندي أفضل وأفقه من سفيان الثوري، لأنه لم يمتحن من الشدة والبلوى بمثل ما امتحن به أحمد بن حنبل، ولا عِلمُ سفيان ومن تقدم من علماء الأمصاء وفقهائهم كعلم أحمد بن حنبل؛ لأنه كان أجمعَ لها، وأبصر بمتقنيهم وغالطيهم وصدوقهم وكذوبهم منهم.
ولقد بلغني عن بشر بن الحارث أنه قال: أحمد بن حنبل قام مقام الأنبياء، وامتحن في السراء والضراء، وتداولته أربعة خلفاء، بعضهم بالضراء وبعضهم بالسراء، وكان فيها معتصمًا بالله تعالى، تداوله المأمون، والمعتصم، والواثق، بعضهم بالضرب والحبس، وبعضهم بالإِخافة والترهيب، فما كان في هذه الحال إلا سليمَ الدين غيرَ تارك له من أجل ضرب أو حبس، ثم امتحن أيام المتوكل بالتكريم والتعظيم، وبسطت الدنيا عليه فما ركن إليها، ولا انتقل عن حالته الأولى رغبة في الدنيا ولا رغبة في الذكر، فهذه الحالات لم يمتحن بمثلها سفيان، ولقد حكي لنا عن المتوكل أنه قال: إن أحمد ليمنعنا من بر ولده.
[ ١ / ٣٢ ]