لقد تنوعت التعقبات على أحكام التقريب فمن المفيد ذكر أهمها في هذه المقدمة كالتالي:
أ - ترجيح في المختلف في صحبتهم وذكر القرائن المعينة على ذلك.
ب - تضمين توثيقات أو تضعيفات لم أجدها مذكورة في تهذيب التهذيب لابن حجر (التهذيب) والذي قد يقوي أو يضعف حال الراوي وتحديدًا من تاريخ ابن معين - راوية ابن محرز ومشاهير علماء الأمصار والذين احتوى على كثير من الأحكام لم تُذكر في تهذيب التهذيب والذي اعتمده عليه ابن حجر في تقريب التهذيب. فمثلًا فقد قال ابن حجر في التقريب [٣٢٥٨] "عبد الله بن أبي جميلة ميسرة مجهول من السابعة" ولكن قال ابن معين "ليس به بأس" (رواية ابن طهمان ١/ ٨٦ برقم ٢٦٦) ولم يذكر ذلك في التهذيب. وأيضًا قال ابن حجر في التقريب [٦٩٩٣] "موسى بن أبي علقمة الفروي مجهول من التاسعة" ولكن قال الدارقطني "ثقة" (سؤلات السلمي للدارقطني ١/ ٣٢٢ رقم ٤٠٥) ولم يذكر ذلك أيضًا في التهذيب.
ت - تضمين رواة ثقات لم أجدهم مذكورين عند ابن حجر في التهذيب والتي من شأنها رفع جهالة رواة. فمثلًا قال ابن حجر في التقريب [٧٦٥٣] "يحيى بن المقدام بن معدي كرب مستور من الرابعة د س ق" وترجم له ابن
[ ١ / ٨ ]
حجر في التهذيب (١١/ ٢٨٩) وذكر أن ابن حبان ذكره في الثقات وروى عنه ابنه صالح. ولكن وجدتُ أيضًا أن يحيى بن جابر الطائي روى عنه (شعب الإيمان ٥/ ٢٨ رقم ٥٢٦٢). فلله الحمد والمنة.
ث - إعمال قواعد الجرح والتعديل في حال وجود توثيق وتجريح في نفس الراوي مع الحرص على الجمع ما أمكن. فإذا تعذر الجمع فأذكر ما ترجَّح لدي في شأنه مراعيًا قواعد الجرح والتعديل ومستفيدًا من اختيارات النقاد منهم أبو حاتم وابن عدي والذهبي وابن حجر.
ح - التأكد مما نسب لناقد من قول في راوي وإن لم أجده ذكرت أني لم أقف عليه في هذه الحال. فقد جاء في ترجمة أسباط أبو اليسع في التهذيب (١/ ٢١٢) أن "كذبه ابن معين" ولم أقف عليه.
ج - تحسين حال التابعين من الطبقة الثانية أو الثالثة أو الرابعة من التابعيين عند ابن حجر الذي يروي عنه ثقة أو ثقتان أو ثقة ثبت أو ثقة ممن لا يروي إلا عن ثقة وذكره ابن حبان في الثقات على قاعدته فيمن لم يجرح ولم يرو ما ينكر. وخصوصًا إذا أثبت له البخاري سماعًا من الصحابة لانتشار الأمانة في القرون المفضلة لقوله ﷺ "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، -ثلاثا-، ثم إن من بعدهم قوما يخونون ولا يؤتمنون" (مستخرج أبي عوانة ١٤/ ٤٧ رقم ٦٨٦٨) أو أخرجه له أبو داود والنسائي في سننهما، قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي "حكى أبو عبد الله بن منده أن شرط أبي داود والنسائي إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال". (شروط الأئمة الستة لمحمد بن طاهر
[ ١ / ٩ ]
المقدسي: صفحة ١٩) والذهبي "احتج به النسائي على قاعدته" (ميزان الاعتدال رقم ١٠٧٠٢) وابن حجر " إسناده حسن على شرط أبي داود" (المطالب العالية ١٦/ ٤١٦ رقم ٤٠٤٤). وقال الحاكم "وقد أخرجا جميعًا [الشيخان] عن جماعة من الثقات لا راوي لهم إلا واحد" (المستدرك على الصحيحين ١/ ٥٠ رقم ٦٠) والذهبي أيضًا "وأما المجهولون من الرواة فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أوساطهم احتمل حديثه وتلقي بحسن الظن إذا سلم من مخالفة الأصول وركاكة الألفاظ" (ديوان الضعفاء والمتروكين: صفحة ٤٧٨). ومن باب التمثيل فقد وثق ابن معين إسحاق بن كعب بن عجرة [٣٨٠] وعبد الرحمن الأزدي الجرمي [٤٠٥٠] ومري بن قطري [٦٥٧٨] وكذلك العجلي فقد وثق سلمان بن سمير الألهاني [٢٤٧٥] وعباد بن أبي سعيد المقبري [٣١٢٩] وعبد الله بن أبي بلال الخزاعي [٣٢٤٠]، ولم يذكر ابن حجر توثيق أي من هؤلاء في التهذيب. وأيضًا فقد وثق ابن حجر عددًا منهم إياس بن الحارث بن معيقيب [٥٨٤] والربيع بن خالد الضبي [١٨٨٧] وأبو عمير بن أنس بن مالك [٨٢٨١] وغيرهم. وقبل ابن حجر، الذهبي وثق عددًا منهم الزبير بن الوليد الشامي وقال الذهبي "ثقة" (الكاشف رقم ١٦٢٨) وسعيد بن أبي راشد [٢٣٠١] وقال "صدوق" (الكاشف رقم ١٨٨١) وعبد الله بن خليفة [٣٢٩٥] وقال "صدوق" (ميزان الاعتدال رقم ٤٢٩١) وغيرهم.
د - تحسين حال التابعين من الطبقة الخامسة أو السادسة عند ابن حجر في التقريب الذي يروي عنه ثقتان أو ثقة ثبت أو من لا يروي إلا عن ثقة وذكره ابن حبان في الثقات على قاعدته فيمن لم يجرح ولم يرو ما ينكر ولم تنفرد بإخراج حديث التابعي (في أي طبقة) كتب العلل والتراجم التي تعنى بأخطاء الرواة، قال
[ ١ / ١٠ ]
المعلمي "وإخراج البخاري في التاريخ لا يفيد الخبر شيئًا بل يضره فإن من شأن البخاري أن لا يخرج الخبر في التاريخ إلا ليدل على وهن راويه" (حاشية الفوائد المجموعة: صفحة ١٦٨). ومن القرائن المعينة هو أن حديث التابعي في الكتب التي اشترط مصنفوها الصحة فيها كالصحيحين وصحيح ابن خزيمة ما لم يتكلم ابن خزيمة في الراوي وابن حبان والمستدرك للحاكم أو يقوي أمره أن يصح حديثه أحد المحدثين كالترمذي والدارقطني أو يكون حديثه مخرجًا في سنن أبي داود والنسائي ومسند أحمد، قال الذهبي "الثقة من وثقه كثير ولم يضعف. ودونه من لم يوثق ولا ضعف. فإن خرج حديث هذا في الصحيحين فهو موثق بذلك. وإن صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة فجيد أيضًا. وإن صحح له كالدارقطني والحاكم فأقل أحواله: حسن حديثه" (الموقظة ١/ ٧٨) وقال أيضًا في راوٍ "وحديثه في مسند أحمد أيضًا كأنه صدوق" (تاريخ الإسلام ٩/ ٥٥٢ رقم ٢٦٤) أو يكون حديثه أخرجه البيهقي في كتبه ولم يتعقبه لقول البيهقي "وعادتي في كتبي المصنفة في الأصول والفروع - الاقتصار من الأخبار على ما يصح منها دون ما لا يصح أو التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح ليكون الناظر فيها من أهل السنة على بصيرة مما يقع الاعتماد عليه فلا يجد من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الاخبار مغمزا فيما اعتمد عليه اهل السنة من الآثار" (دلائل النبوة للبيهقي: صفحة ٨٨). وقال الذهبي أيضًا "واحتج به البيهقي" (سير أعلام النبوة ١٣/ ٥٥). قال الدارقطني "إنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان رواته عدلا مشهورا أو رجل قد ارتفع اسم الجهالة عنه وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعدا فإذا كان هذه صفته ارتفع عنه اسم الجهالة وصار حينئذ معروفا فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد انفرد بخبر
[ ١ / ١١ ]
وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره والله أعلم" (سنن الدارقطني ٤/ ٢٢٦) ونحوه قال البيهقي "رجل من بني عامر، ليس له راو غير أبي قلابة وهو مقبول عند أكثرهم وإن كان بخلاف شرط الشيخين في خروجه عن حد الجهالة بأن يروي عنه اثنان" (الخلافيات ١/ ٤٣٠ رقم ٧٧٩). ومن باب التمثيل ووثق ابن معين عبد الله بن أبي جميلة ميسرة [٣٢٥٨] وعيسى بن المغيرة التميمي [٥٣٢٩] وهلال بن أبي زينب فيروز [٧٣٣٨] ووثق الدارقطني أيضًا موسى بن عبد الله بن إسحاق [٦٩٨١] وقال "ليس به بأس" في الزبير بن المنذر بن أبي أسيد [٢٠٠٤] وكذلك وثق العجلي سيار بن منظور بن سيار [٢٧١٧] ووثق ابن حبان حصين بن عبد الرحمن الحارثي [١٣٧٠]، ولم يذكر ابن حجر توثيق أي من هؤلاء في التهذيب. وأيضًا فقد وثق ابن حجر عددًا منهم إسماعيل بن مسعود بن الحكم [٤٨١] وحسان بن أبي سنان البصري [١٢٠٠] وعبد الله بن سلمان الأغر [٣٣٦٣] وغيرهم. وقبل ابن حجر، الذهبي وثق عددًا منهم عبد الرحمن بن مرزوق [٤٠٠٣] قال الذهبي عنه "ما أعلم به بأسًا" (ميزان الاعتدال رقم ٢٧١) وفي عثمان بن زفر الجهني الدمشقي [٤٤٦٩] قال "عثمان بن الزفر ثقة" في تلخيصه المستدرك للحاكم (٤/ ٢٥٧ رقم ٧٥٦١) وفي فضيل بن عياض الصدفي المصري [٥٤٣٣] قال عنه "فهذا ما علمت به بأسًا" (ميزان الاعتدال رقم ٦٧٧٠) وفي كليب بن منفعة الحنفي [٥٦٦٢] قال عنه "وسط" (الكاشف رقم ٤٦٧٣) وغيرهم. حتى وإن كان في المقلين من الرواة من التابعين، فمثلًا أيمن الحبشي المكي، تابعي مقل، ما روى عنه سوى ابنه عبد الواحد وذكره ابن حبان في الثقات لكن وثقه أبو زرعة (تهذيب التهذيب ١/ ٣٩٤) واعتمده ابن حجر في التقريب [٥٩٨] فقال
[ ١ / ١٢ ]
"أيمن الحبشي المكي والد عبد الواحد ثقة من الرابعة خ صد". وهذا الأمر جلي في كتب المحدثين فبعد أن ذكر قول بعض من قبل حديث المستورين مطلقًا، قال ابن الصلاح "ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة بهم والله أعلم" (مقدمة ابن الصلاح: صفحة ١١٢). ويؤيد كلام ابن الصلاح صنيع الأئمة كما في جامع الترمذي وصحيح ابن خزيمة وابن حبان والمستدرك للحاكم. فإليك عبد الله بن عمرو الأودي، تابعي، روى عنه موسى بن عقبة فقط وذكره ابن حبان في الثقات (تهذيب التهذيب ٥/ ٣٤١)، قال ابن حجر في التقريب [٣٥٠٧] "عبد الله بن عمرو الأودي الكوفي مقبول من الثالثة ت" وصحح حديثه ابن حبان (٢/ ٢١٥ رقم ٤٦٩) وحسنه الترمذي مع استغرابه (٤/ ٦٥٤) وقال المنذري "إسناد جيد" (الترغيب والترهيب ٢/ ٣٥٤). وأيضًا حاضر بن مهاجر، تابعي، روى عنه شعبة فقط وذكره ابن حبان في الثقات (تهذيب التهذيب ٢/ ١٦٨)، قال ابن حجر في التقريب [١٠٦٦] "حاضر بن مهاجر أبو عيسى الباهلي مقبول من السادسة س ق" وأخرج له ابن حبان في صحيحه (١٣/ ٢٠٠ رقم ٣١٧٦) والحاكم في المستدرك (٤/ ١٢٧ رقم ٧١٠٧) وقال "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
ر - تحسين حال من روى عنه ثقة ممن لا يروي إلا عن ثقة ووافق حديثه غيره من الثقات. فقد قال ابن حجر في ترجمة "إسحاق بن إبراهيم بن نصر" في التهذيب [١/ ٢١٩] "وعنه البخاري" فحكم عليه بأنه "صدوق" في التقريب [٣٣٣]. وقال أيضًا في ترجمة "داود بن أمية الأزدي" في التهذيب [٣/ ١٨٠] "وعنه أبو داود وعبد الله بن محمد البغوي. قلت وأبو محمد عبد الله بن عبد
[ ١ / ١٣ ]
الرحمن الدارمي وقد تقدم أن أبا داود لا يروي إلا عن ثقة" فحكم عليه بأنه "ثقة" في التقريب [١٧٧٦].
س - تحسين حديث من روى عنه ثلاثة من الثقات وذكره ابن حبان في الثقات ولم يرد فيه جرح. قال الذهبي "والجمهور على أن من كان من المشايخ، قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح" (ميزان الاعتدال ٣/ ٤٢٦) وقال أيضًا "ومن الثقات الذين لم يخرج لهم في الصحيحين خلق منهم من صحح لهم الترمذي وابن خزيمة ثم من روى لهم النسائي وابن حبان ثم من لم يضعفهم أحد واحتج هؤلاء المصنفون بروايتهم" (الموقظة: صفحة ١٠١). وقال ابن حجر "فأما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح لأن شرط الصحيح أن يكون راويه معروفا بالعدالة فمن زعم أن أحدا منهم مجهول فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه معروف ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته لما مع المثبت من زيادة العلم ومع ذلك فلا تجد في رجال الصحيح أحدا ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلًا" (فتح الباري ١/ ٣٨٤).
ص - التأكد من درجة التوثيق التي ذكرها ابن حجر. فمثلًا قال ابن حجر في التقريب: [١٤٤] إبراهيم بن أدهم بن منصور العجلي وقيل التميمي أبو إسحاق البلخي الزاهد صدوق" ولكن قال النسائي "ثقة مأمون" وابن معين وابن نمير والعجلي "ثقة" والدارقطني "إذا روى عنه ثقة فهو صحيح الحديث" (تهذيب التهذيب ١/ ١٠٢) ولم يرد فيه جرح. فهذا حقه أن يقال "ثقة".
وقبل أن أطوي أوراق هذه المقدمة أسدي جزيل الشكر وعظيم الامتنان
[ ١ / ١٤ ]
إلى كل من أعانني على إخراج هذا الشرح المبارك، أسأل المولى جل وعلا أن يجعل ما قدموه في موازين حسناتهم إنه جواد كريم. وختامًا أسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يكافئنا بالحسنى وأن يغفر لي وللمسلمين وصلا الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه: عبد الحكيم صالح اليزيدي اليافعي
الدوحة - قطر
السبت ١٢ ذو الحجة ١٤٤٤ هـ
[ ١ / ١٥ ]