ذكر أبو بكرٍ أحمد بن علي بن ثابتٍ الخطيب في «تاريخ مدينة السلام بغداد» أبا عبد الله البخاري فقال:
محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، أبو عبد الله الجعفي البخاري، الإمام في علم الحديث، صاحب «الجامع» و«التاريخ». رحل في طلب العلم إلى سائر محدثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر. وسمع مكي بن إبراهيم، وعبدان بن عثمان، وعبيد الله بن موسى العبسي، وأبا عاصمٍ الشيباني، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن يوسف الفريابي، وأبا نعيم، وأبا غسان النهدي، وسليمان بن حربٍ، وأبا سلمة التبوذكي، وعفان بن مسلم، وعارم بن الفضل، وأبا الوليد الطيالسي، وأبا معمر المنقري، والقعنبي، وأبا بكر الحميدي، وسعيد بن أبي مريم، ويحيى بن بكيرٍ،
[ ١ / ١٠ ]
والأويسي عبد العزيز بن عبد الله، وإسماعيل بن أبي أويسٍ، وأبا اليمان الحمصي، وعبد القدوس بن الحجاج، وحجاج بن منهال، ومحمد بن كثيرٍ العبدي، وخالد بن مخلدٍ القطواني، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبلٍ، ويحيى بن معينٍ، وخلقًا سواهم.
وورد بغداد دفعاتٍ، وحدث بها، فروى عنه من أهلها: إبراهيم بن إسحاق الحربي، وعبد الله بن محمد بن ناجية، وقاسم بن زكريا المطرز، ومحمد بن محمد الباغندي، ويحيى بن محمد بن صاعدٍ، ومحمد بن هارون الحضرمي، وآخر من حدث عنه بها الحسين بن إسماعيل المحاملي.
حدثني أبو النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد الأرموي، قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن أحمد الأصبهاني، أخبرني أحمد بن علي الفارسي، قال: نا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال: سمعت جدي محمد بن يوسف بن مطرٍ الفربري، يقول: نا أبو جعفرٍ محمد بن أبي حاتمٍ الوراق النحوي، قال: قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث؟ قال: ألهمت حفظ الحديث وأنا في المكتب، قال: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من المكتب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى
[ ١ / ١١ ]
الداخلي وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأ للناس: «سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت له: يا أبا فلانٍ، إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك. فدخل، فنظر فيه، ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو «عن الزبير بن عدي عن إبراهيم». فأخذ القلم مني، وأحكم كتابه، فقال: صدقت. فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة. فلما طعنت في ست عشرة حفظت كتب ابن المبارك ووكيعٍ، وعرفت كلام هؤلاء، ثم خرجت مع أخي أحمد وأمي إلى مكة، فلما حججت رجع أخي بها، وتخلفت بها في طلب الحديث. فلما طعنت في ثماني عشرة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام عبيد الله بن موسى، وصنفت كتاب «التاريخ» إذ ذاك عند قبر الرسول ﷺ في الليالي المقمرة. وقال: قل اسم في «التاريخ» إلا وله عندي قصةٌ، إلا أني كرهت تطويل الكتاب.
وروي عن محمد بن أبي حاتمٍ بغير هذا الإسناد قال: سمعت البخاري يقول: لو نشر بعض أستاذي هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت
[ ١ / ١٢ ]
كتاب «التاريخ» ولا عرفوه. ثم قال: صنفته ثلاث مراتٍ.
وروي عن محمد بن أبي حاتمٍ قال: سمعت البخاري يقول: أخذ إسحاق بن راهويه كتاب «التاريخ» الذي صنفت، فأدخله على عبد الله بن طاهرٍ، فقال: أيها الأمير، ألا أريك سحرًا؟ قال: فنظر فيه عبد الله بن طاهر، فتعجب منه وقال: لست أفهم تصنيفه.
أخبرني أبو القاسم الأزهري قال: سمعت محمد بن حميد اللخمي، قال: سمعت القاضي أبا الحسن محمد بن صالحٍ الهاشمي يقول: سمعت أبا العباس بن سعيدٍ يقول: لو أن رجلًا كتب ثلاثين ألف حديثٍ لما استغنى عن كتاب «تاريخ البخاري» محمد بن إسماعيل.
وروي عن أبي بكرٍ المديني قال: كنا يومًا بنيسابور عند إسحاق
[ ١ / ١٣ ]
ابن راهويه ومحمد بن إسماعيل حاضرٌ، فمر إسحاق بحديثٍ من أحاديث النبي ﷺ، وكان دون صاحب النبي ﷺ عطاء الكيخاراني، فقال له إسحاق: يا أبا عبد الله، أيشٍ كيخاران؟ قال: قريةٌ باليمن كان معاوية بن أبي سفيان قد بعث هذا الرجل من أصحاب النبي ﷺ إلى اليمن، فسمع منه عطاءٌ حديثين. فقال له إسحاق: يا أبا عبد الله، كأنك قد شهدت القوم.
وروي عن البخاري أنه قال: أخرجت هذا الكتاب -يعني «الصحيح» - من زهاء ست مئة ألف حديثٍ.
حدثني أبو الحسين علي بن محمد بن جعفر العطار الأصبهاني بالري، قال: سمعت أبا الهيثم الكشميهني يقول: سمعت محمد بن يوسف الفربري يقول: قال لي محمد بن إسماعيل البخاري: ما وضعت في كتاب «الصحيح» حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين.
أخبرنا القاضي أبو بكرٍ أحمد بن الحسن الحيري بنيسابور قال:
[ ١ / ١٤ ]
سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الفقيه البلخي يقول. ح وسمعت أبا العباس أحمد بن عبد الله الصفار البلخي يقول: سمعت أبا إسحاق المستملي يروي عن محمد بن يوسف الفربري أنه كان يقول: سمع كتاب «الصحيح» لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجلٍ، فما بقي أحدٌ يرويه غيري.
وروي عن محمد بن أبي حاتمٍ قال: قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل: أتحفظ جميع ما أدخلت في المصنف؟ قال: لا يخفى علي جميع ما فيه.
وروي عن الفربري قال: رأيت النبي ﷺ في النوم فقال لي: أين تريد؟ فقلت: أريد محمد بن إسماعيل البخاري، قال: أقرأه مني السلام.
وروي عن البخاري أنه قال: رب حديثٍ سمعته بالبصرة كتبته بالشام، وحديثٍ سمعته بالشام كتبته بمصر، فقيل له: يا أبا عبد الله! بكماله؟ قال: فسكت.
[ ١ / ١٥ ]
أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: نا محمد بن نعيم الضبي، قال: أخبرني محمد بن خالد المطوعي، قال: نا مسبح بن سعيدٍ، قال: كان محمد بن إسماعيل البخاري إذا كان أول ليلةٍ من شهر رمضان يجتمع إليه أصحابه، فيصلي بهم، ويقرأ في كل ركعةٍ عشرين آيةً، وكذلك إلى أن يختم القرآن. وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السحر في كل ثلاث ليالٍ، وكان يختم بالنهار كل يومٍ ختمةً، ويكون ختمه عند الإفطار كل ليلةٍ، ويقول: عند كل ختمةٍ دعوةٌ مستجابةٌ.
حدثني أبو النجيب الأرموي، حدثني محمد بن إبراهيم بن محمد الأصبهاني، أخبرني أحمد بن علي الفارسي، نا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال: حدثني جدي محمد بن يوسف الفربري، نا محمد بن أبي حاتمٍ قال: دعي محمد بن إسماعيل إلى بستان بعض إخوانه، فلما حضرت صلاة الظهر صلى بالقوم، ثم قام للتطوع، وأطال القيام، فلما فرغ من صلاته رفع ذيل قميصه، فقال لبعض من معه: انظر هل ترى تحت قميصي شيئًا؟ فإذا زنبورٌ قد أبره [في] ستة عشر أو سبعة
[ ١ / ١٦ ]
عشر موضعًا، وقد تورم من ذلك جسده، وكانت آثار الزنبور في جسده ظاهرةً، فقال له بعضهم: كيف لم تخرج من الصلاة في أول ما أبرك؟ فقال: كنت في سورةٍ فأحببت أن أتمها.
وروي عن البخاري أنه قال: إني لأرجو أن ألقى الله تعالى ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا.
وروي عن حفص بن عمر الأشقر قال: كنا مع محمد بن إسماعيل البخاري بالبصرة نكتب الحديث، ففقدناه أيامًا، فطلبناه، فوجدناه في بيتٍ وهو عريانٌ، وقد نفد ما عنده، ولم يبق معه شيءٌ، فاجتمعنا وجمعنا له الدراهم، حتى اشترينا له ثوبًا وكسوناه، ثم اندفع معنا في كتابة الحديث.
وروي عن البخاري أنه قال: صنفت كتاب «الصحيح» لست عشرة سنةً، خرجته من ست مئة ألف حديثٍ، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى.
[ ١ / ١٧ ]
أخبرني الحسن بن محمد الأشقر، أنا محمد بن أبي بكرٍ الحافظ، سمعت أبا القاسم منصور بن إسحاق بن إبراهيم الأسدي، سمعت أبا محمدٍ عبد الله بن محمد بن إبراهيم الدغولي يقول: سمعت يوسف بن موسى المروروذي قال: كنت بالبصرة في جامعها إذ سمعت مناديًا ينادي: يا أهل العلم! قد قدم محمد بن إسماعيل البخاري، فقاموا في طلبه، وكنت معهم، فرأينا رجلًا شابًا لم يكن في لحيته شيءٌ من البياض، يصلي خلف الأسطوانة، فلما فرغ من الصلاة أحدقوا به، وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء، فأجابهم إلى ذلك. فقام المنادي ثانيًا، فنادى في جامع البصرة: قد قدم محمد بن إسماعيل البخاري، فسألناه أن يعقد مجلس الإملاء، وقد أجاب بأن يجلس غدًا في موضع كذا.
قال: فلما أن كان بالغداة حضر الفقهاء والمحدثون والحفاظ والنظار، حتى اجتمع قريبٌ من كذا وكذا ألفًا، فجلس أبو عبد الله محمد بن إسماعيل للإملاء، فقال: -قبل أن أخذ في الإملاء-: يا أهل البصرة! أنا شاب، وقد سألتموني أن أحدثكم، وسأحدثكم
[ ١ / ١٨ ]
بأحاديث عن أهل بلدكم يستفيد الكل منكم. قال: فبقي الناس وتعجبوا من قوله. ثم أخذ في الإملاء فقال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة ابن أبي رواد العتكي بلديكم، قال: أنا أبي، عن شعبة، عن منصورٍ وغيره، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس بن مالكٍ: أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ، وقال: يا رسول الله! الرجل يحب القوم، فذكر حديث: «المرء مع من أحب».
ثم قال محمد بن إسماعيل: هذا ليس عندكم، إنما هو عندكم عن غير منصورٍ عن سالم. قال يوسف بن موسى: وأملى عليهم مجلسًا على هذا النسق، يقول في كل حديثٍ: روى شعبة هذا الحديث عندكم كذا، فأما من رواية فلان فليس عندكم، أو كلامًا هذا معناه.