قال أبو بكر: وقال الحسن بن محمد بن جابر: سمعت محمد ابن يحيى لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور قال: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح العالم، فاسمعوا منه. قال: فذهب الناس إليه، وأقبلوا على السماع منه، حتى ظهر الخلل في مجالس محمد بن يحيى، فحسده بعد ذلك وتكلم فيه.
أخبرنا أحمد بن محمد بن غالبٍ، قال: أنا أبو بكرٍ الإسماعيلي، قال: أنا عبد الله بن محمد بن سيارٍ، قال: حدثني محمد بن خشنام،
[ ١ / ٣٤ ]
وسمعته يقول: سئل محمد بن إسماعيل بنيسابور عن اللفظ فقال: حدثني عبيد الله بن سعيد -يعني أبا قدامة- عن يحيى بن سعيد قال: أعمال العباد كلها مخلوقةٌ. فمزقوا عليه، قال: فقالوا له بعد ذلك: ترجع عن هذا القول حتى نعود إليك، قال: لا أفعل إلا أن تجيئوا بحجةٍ فيما تقولون أقوى من حجتي. فأعجبني من محمد بن إسماعيل ثباته.
أخبرنا محمد بن علي بن أحمد المقرئ، قال: أنا محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ، قال: نا أبو بكر محمد بن أبي الهيثم المطوعي ببخارى، قال: نا محمد بن يوسف الفربري، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل يقول: أما أفعال العباد فمخلوقةٌ، فقد حدثنا علي بن عبد الله، قال: نا مروان بن معاوية، قال: أنا أبو مالكٍ عن ربعي بن حراشٍ عن حذيفة قال: قال النبي ﷺ: «إن الله يصنع كل صانعٍ وصنعته».
قال أبو عبد الله: وسمعت عبيد الله بن سعيدٍ يقول: سمعت يحيى بن سعيدٍ يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقةٌ. قال أبو عبد الله البخاري: حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقةٌ، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب فهو كلام الله، ليس بخلقٍ، قال الله تعالى: ﴿بل هو آياتٌ بيناتٌ في صدور الذين أوتوا العلم﴾.
[ ١ / ٣٥ ]
أخبرنا أبو حازمٍ العبدويي قال: سمعت الحسن بن أحمد بن سنانٍ يقول: سمعت أبا حامدٍ الأعشى يقول: رأيت محمد بن إسماعيل البخاري في جنازة أبي عثمان سعيد بن مروان، ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكنى وعلل الحديث، ويمر فيه محمد بن إسماعيل مثل السهم، كأنه يقرأ ﴿قل هو الله أحدٌ﴾، فما أتى على هذا شهرٌ حتى قال محمد بن يحيى: ألا من يختلف إلى مجلسه لا يختلف إلينا، فإنهم كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلم في اللفظ، ونهيناه فلم ينته، ولا تقربوه، ومن يقربه فلا يقربنا. فأقام محمد بن إسماعيل ههنا مدة، وخرج إلى بخارى.
أخبرنا أبو سعيدٍ محمد بن حسنوية بن إبراهيم الأبيوردي قال: أنا أبو سعيدٍ محمد بن عبد الله بن حمدون، قال: سمعت أبا حامدٍ الشرقي يقول: سمعت محمد بن يحيى يقول: القرآن كلام الله غير مخلوقٍ من جميع جهاته وحيث يتصرف، فمن لزم استغنى عن اللفظ وغيره من الكلام في القرآن، ومن زعم أن القرآن مخلوقٌ فقد كفر، وخرج عن الإيمان، وبانت منه امرأته، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وجعل ماله فيئًا بين المسلمين، ولم يدفن في مقابر المسلمين. ومن وقف وقال: لا أقول
[ ١ / ٣٦ ]
«مخلوق» ولا «غير مخلوق» فقد ضاهى الكفر. ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهذا مبتدعٌ، لا يجالس ولا يكلم، ومن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه.
أخبرني الحسن بن محمد الأشقر، أنا محمد بن أبي بكر، نا أبو صالحٍ خلف بن محمد بن إسماعيل قال: سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر بن إبراهيم النيسابوري المعروف بالخفاف ببخارى يقول: كنا يومًا عند أبي إسحاق القيسي ومعنا محمد بن نصرٍ المروزي، فجرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري، فقال محمد بن نصرٍ: سمعته يقول: من زعم أني قلت: «لفظي بالقرآن مخلوقٌ» فهو كاذبٌ، فإني لم أقله. فقلت له: يا أبا عبد الله! قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه، فقال: ليس إلا ما أقول وأحكي لك عنه.
قال أبو عمرو الخفاف: فأتيت محمد بن إسماعيل، فناظرته في شيء من الحديث حتى طابت نفسه، فقلت له: يا أبا عبد الله أههنا أحدٌ يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة، فقال: يا أبا عمرو! احفظ ما أقول
[ ١ / ٣٧ ]
لك: من زعم من أهل نيسابور وقومس والري وهمذان وحلوان وبغداذ والكوفة والمدينة ومكة والبصرة أني قلت: «لفظي بالقرآن مخلوق» فهو كذابٌ، فإني لم أقل هذه المقالة، إلا أني قلت: «أفعال العباد مخلوقةٌ».
أخبرني أبو الوليد الدربندي قال: أنا محمد بن أحمد بن سليمان، قال: نا أبو نصر أحمد بن سهل بن حمدوية، قال: نا أبو العباس الفضل بن بسامٍ، قال: سمعت إبراهيم بن محمد يقول: أنا توليت دفن محمد بن إسماعيل، لما أن مات بخرتنك أردت حمله إلى مدينة سمرقند لأدفنه بها، فلم يتركني صاحبٌ لنا، فدفناه بها، فلما فرغنا ورجعت إلى المنزل الذي كنت فيه قال لي صاحب القصر: سألته أمسٍ، فقلت: يا أبا عبد الله، ما تقول في القرآن؟ فقال: القرآن كلام الله غير مخلوقٍ، قال: فقلت له: إن الناس يزعمون أنك تقول: ليس في المصاحف قرآنٌ ولا في صدور الناس، فقال: أستغفر الله أن تشهد علي بشيء لم تسمعه مني، قال: أقول كما قال الله تعالى: ﴿والطور. وكتابٍ مسطور﴾، أقول: في المصحف قرآنٌ، وفي صدور الناس قرآن، فمن قال غير هذا يستتاب، فإن تاب وإلا فسبيله سبيل الكفر.