روي عن عبدان أنه قال: ما رأيت بعيني شابًا أبصر من هذا، وأشار بيده إلى محمد بن إسماعيل.
وقال نعيم بن حماد: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة.
وروي عن البخاري أنه قال: قال لي محمد بن سلامٍ: انظر في كتبي، فما وجدت فيها من خطأٍ فاضرب عليه كيلا أرويه، ففعلت ذلك. فكان محمد بن سلامٍ عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل يقول: «رضي الفتى»، وفي الأحاديث الضعيفة: «لم يرض الفتى». فقال له بعض أصحابه: من هذا الفتى؟ فقال: هو الذي ليس مثله، محمد بن إسماعيل.
وقال محمد بن أبي حاتمٍ: سمعت يحيى بن جعفر يقول: لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل لفعلت، فإن موتي يكون موت رجلٍ واحدٍ، وموت محمد بن إسماعيل ذهاب العلم.
وذكر أحمد بن سيارٍ، قال: محمد بن إسماعيل الجعفي طلب
[ ١ / ٢٧ ]
العلم وجالس الناس، ورحل في الحديث، ومهر فيه وأبصر، وكان حسن المعرفة حسن الحفظ، وكان يتفقه.
قال الشيخ الحافظ أبو علي ﵀: أحمد بن سيار يكنى أبا الحسن، مروزي.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: رأيت أبي يطنب في مدحه، ويذكره بالعلم والفقه.
قال أبو بكر: وروى سليم بن مجاهدٍ قال: كنت عند محمد بن سلامٍ فقال: لو جئت قبل لرأيت صبيًا يحفظ سبعين ألف حديثٍ، قال: فخرجت في طلبه حتى لقيته، فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديثٍ؟ قال: نعم وأكثر منه، ولا أجيئك بحديثٍ من الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثًا من حديث الصحابة والتابعين إلا لي في ذلك أصلٌ أحفظه حفظًا عن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.
وعن محمد بن أبي حاتمٍ قال: سمعت حاشد بن عبد الله بن عبد الواحد يقول: رأيت عمرو بن زرارة ومحمد بن رافعٍ عند محمد بن
[ ١ / ٢٨ ]
إسماعيل، وهما يسألان محمد بن إسماعيل عن علل الحديث، فلما قاما قالا لمن حضر المجلس: لا تخدعوا عن أبي عبد الله، فإنه أفقه منا وأعلم وأبصر.
وقال علي بن الحسين بن عاصم البيكندي: قدم علينا محمد ابن إسماعيل فاجتمعنا عنده، ولم يكن يتخلف عنه من المشايخ أحدٌ، فتذاكرنا عنده، فقال رجل من أصحابنا -أراه حامد بن حفصٍ-: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: كأني أنظر إلى سبعين ألف حديثٍ من كتابي! قال: فقال محمد بن إسماعيل: أو تعجب من هذا؟ لعل في هذا الزمان من ينظر إلى مئتي ألف حديثٍ من كتابه. وإنما عنى به نفسه.
وروي عن البخاري أنه قال: أحفظ مائه ألف حديثٍ صحيحٍ، وأحفظ مئتي ألف حديثٍ غير صحيحٍ.
وذكر عمر بن حفصٍ الأشقر قال: لما قدم رجاء بن مرجى الحافظ بخارى يريد الخروج إلى الشاش نزل الرباط، وسار إليه مشايخنا، وسرت فيمن سار إليه، فسألني عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل، فأخبرته بسلامته، وقلت له: لعله يجيئك الساعة. فأملى علينا، وانقضى
[ ١ / ٢٩ ]
المجلس، ولم يجيء أبو عبد الله، فلما كان اليوم الثاني لم يجئه، فلما كان اليوم الثالث قال رجاءٌ: إن أبا عبد الله لم يرنا أهلًا للزيارة، فمروا بنا إليه نقض حقه، فإني على الخروج، وكان كالمترغم عليه. فجئنا بجماعتنا إليه، ودخلنا على أبي عبد الله، وسأل به، فقال له رجاءٌ: يا أبا عبد الله، كنت بالأشواق إليك، وأشتهي أن تذكر شيئًا من الحديث، فإني على الخروج، قال: ما شئت. فألقى عليه رجاءٌ شيئًا من حديث أيوب، وأبو عبد الله يجيبه، إلى أن سكت رجاءٌ عن الإلقاء، فقال لأبي عبد الله: ترى بقي شيءٌ لم نذكره؟ فأخذ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل يلقي، ويقول رجاءٌ: من روى هذا؟ وأبو عبد الله يجيء بإسناده، إلى أن ألقى قريبًا من بضعة عشر حديثًا أو أكثر أعدها، وتغير رجاءٌ تغيرًا شديدًا، وحانت من أبي عبد الله نظرةٌ إلى وجهه، فعرف التغير فيه، فقطع الحديث. فلما خرج رجاءٌ قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل: أردت أن أبلغ به ضعف ما ألقيت، إلا أني خشيت أن يدخله شيءٌ، فأمسكت.
وذكر أبو عيسى الترمذي قال: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منيرٍ، فلما قام من عنده قال: يا أبا عبد الله، جعلك الله زين هذه الأمة. قال أبو عيسى: فاستجيب له فيه.
[ ١ / ٣٠ ]
وقال أبو عيسى الترمذي: لم أر أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت حاشد بن إسماعيل يقول: رأيت إسحاق بن راهويه جالسًا على السرير، ومحمد بن إسماعيل معه، فأنكر عليه محمد بن إسماعيل شيئًا، فرجع إلى قول محمد. وقال إسحاق: يا معشر أصحاب الحديث، انظروا إلى هذا الشاب واكتبوا عنه، فإنه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن لاحتاج إليه الناس، لمعرفته بالحديث وفقهه.
أخبرني الحسن بن محمد الأشقر قال: أنا محمد بن أبي بكر، أنا خلف بن محمد قال: سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر الخفاف يقول: محمد بن إسماعيل أعلم بالحديث من إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وغيرهما بعشرين درجةً.
قال أبو عمرو الخفاف: ومن قال في محمد بن إسماعيل شيئًا فمني عليه ألف لعنةٍ.
قال: وسمعت أبا عمرو الخفاف يقول: لو دخل محمد بن إسماعيل البخاري من هذا الباب لملئت منه رعبًا. يعني أني لا أقدر أن أحدث بين يديه.
[ ١ / ٣١ ]
وقال خلفٌ: سمعت أبا عمرو الخفاف يقول: نا محمد بن إسماعيل التقي النقي العالم الذي لم أر مثله.
وروي عن محمد بن أبي حاتمٍ قال: سمعت علي بن حجرٍ قال: أخرجت خراسان ثلاثةً: أبا زرعة الرازي بالري، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل عندي أبصرهم وأعلمهم وأفقههم.
وروي عن عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي قال: قد رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراقين، فما رأيت فيهم أجمع من أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري.
وروي عن الحسين بن محمد المعروف بعبيد العجل قال: ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل، ومسلم الحافظ لم يكن يبلغ محمد بن إسماعيل، ورأيت أبا زرعة وأبا حاتمٍ يستمعان إلى محمد بن إسماعيل أي شيء يقول، يجلسان إلى جنبه. فذكر له قصة محمد بن يحيى، فقال: ماله ولمحمد بن إسماعيل؟ كان محمد بن إسماعيل أمةً من الأمم، وكان أعلم من محمد بن يحيى بكذا وكذا، وكان محمد بن إسماعيل
[ ١ / ٣٢ ]
دينًا فاضلًا يحسن كل شيء.
حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري، قال: نا عبد الغني بن سعيدٍ، أنا أبو الفضل جعفر بن الفضل، نا محمد بن موسى بن يعقوب ابن المأمون قال: سئل أبو عبد الرحمن -يعني النسائي- عن العلاء وسهيلٍ، فقال: هما خيرٌ من فليح، ومع هذا فما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل. يعني أن البخاري خرج عن فليحٍ، ولم يخرج عن العلاء وسهيلٍ.
قال أبو علي: وروينا عن محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري قال: نا أبو نصر أحمد بن محمد الوراق، قال: سمعت أبا حامدٍ أحمد ابن حمدون القصار يقول: سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى محمد ابن إسماعيل البخاري، فقبل بين عينيه، وقال: دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، حدثك محمد بن سلامٍ قال: نا مخلد بن يزيد الحراني، قال: أنا ابن جريجٍ، عن موسى بن عقبة، عن سهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في كفارة المجلس، فما علته؟ قال محمد بن إسماعيل: هذا حديثٌ مليحٌ، ولا أعلم في الدنيا غير هذا الحديث الواحد في هذا
[ ١ / ٣٣ ]
الباب، إلا أنه معلولٌ، حدثنا به موسى بن إسماعيل، قال: نا وهيبٌ قال: نا سهيلٌ عن عون بن عبد الله قوله. قال محمد بن إسماعيل: وهذا أولى، فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماعٌ من سهيلٍ.
وذكرها أبو بكرٍ، وفي آخرها: فقال له مسلمٌ: لا يبغضك إلا حاسدٌ، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك.