﷽
قال الفقيه الحافظ أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الغساني ﵀:
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على محمدٍ خاتم النبيين، وعلى أهله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وسلم تسليمًا.
أما بعد، يرحمك الله، فإنك سألتني أن أجمع لك ما اشتبه عليك مما يأتلف خطه ويختلف لفظه من أسماء الرواة وكناهم وأنسابهم، من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، ممن ذكر في الكتابين الصحيحين في السنن المسندة عن رسول الله ﷺ، تصنيف أبي عبد الله
[ ١ / ٣ ]
محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ثم القشيري -رحمهما الله-، وأقيد ما التبس عليك في هذه الأسماء والكنى والأنساب بتقييدٍ يحفظه من الإشكال في الخط، ويخرجه عن الإهمال بالشكل والنقط؛ وأن أميز بين من تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم أو كناهم مع تقارب أعصارهم ممن خرج عنه فيهما، وأن أذكر الأوهام التي في الأسانيد، التي العهدة في أكثرها على نقلة الكتابين، وأبين وجه الصواب في ذلك. وذكرت أن البخاري ربما حدث عن شيوخ في «الجامع الصحيح»، ولم ينسبهم، فأحببت أن تقف على أسمائهم منسوبين معرفين.
فأجبتك إلى ذلك كله، مستعينًا بالله ﷿ على بيان ما رغبت فيه، رجاء ثوابه، ولما أخذه الله تعالى على العلماء: ﴿لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾، ولما روي عنه ﷺ أنه قال: «من سئل عن علمٍ فكتمه ألجم يوم القيامة بلجامٍ من نارٍ»، ولقوله ﷺ: «ينقطع
[ ١ / ٤ ]
عمل المرء بعده إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له».
ثم إني شفعت إسعاف ما رغبت فيه بأن ذكرت لك في آخر الكتاب من شهر بلقبٍ وعرف به، ممن روي عنه في الكتابين الصحيحين، ليكون ذلك زائدًا في فائدة الكتاب. جعلنا الله ممن ينطق بالصواب ويعمل به، ونفعنا بما علمنا برحمته.
[ ١ / ٥ ]
حدثنا أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري ﵀، قال: نا خلف بن القاسم الحافظ، قال: نا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد البجلي الدمشقي، قال: نا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: نا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: سمعت عفان بن مسلمٍ يقول: سمعت حماد بن سلمة يقول لأصحاب الحديث: ويحكم غبروا، يعني: قيدوا واضبطوا.
قال أبو زرعة: ورأيت عفان بن مسلمٍ يحض أصحاب الحديث على الضبط والتقييد ليصححوا إذا أخذوا عنه.
قال أبو زرعة: ورأيت أبا مسهرٍ يكره للرجل أن يحدث إلا أن يكون عالمًا بما يحدث، ضابطًا له.
ويروى عن وكيع بن الجراح أنه كان يقول لأصحاب الحديث: احفظوا عيسى الحناط وسالمًا الخياط ومسلمًا الخباط.
[ ١ / ٦ ]
قال أحمد بن حنبل ﵀ كان عفان بن مسلم وبهز بن أسدٍ وحبان بن هلالٍ -بفتح الحاء- أصحاب الشكل والنقط، يمدحهم بذلك ويذكر نبلهم.
وروي عن عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي قال: لما حدثني شعبة بحديث بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء السعدي عن الحسن بن علي، كتبت أسفله: «حورٌ عين» لئلا أغلط.
قال أبو علي: اسم أبي الحوراء هذا ربيعة بن شيبان.
وأخبرنا أبو عمر النمري قال: نا خلف بن أحمد بن عبد الرحمن بن هاشم يعرف بابن أبي جعفر الأموي- قال: نا أبو عمر أحمد بن سعيد بن حزمٍ الصدفي، قال: نا أحمد بن خالد، قال: نا مروان بن عبد الملك، قال: نا أبو الطاهر، قال: نا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، قال: سمعت ثابت بن معبدٍ يقول: نور الكتاب العجم.
[ ١ / ٧ ]
وقرأت على أبي عمر النمري: حدثكم أبو محمدٍ عبد الغني بن سعيد الأزدي فيما كتب به إليكم، فأقر به، قال: سمعت أبا عمران موسى بن عيسى الحنيفي، قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي يقول: أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس، لأنه لا يدخله القياس، ولا قبله شيءٌ يدل عليه، ولا بعده شيءٌ يدل عليه.
وذكر أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري: قال أنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعدٍ، قال: نا الحسن بن يحيى الأرزي، قال: سمعت علي بن المديني يقول: أشد التصحيف التصحيف في أسماء الرجال، قال علي: وكان شعبة يخطئ في أسماء الرجال.
[ ١ / ٨ ]
قال أبو علي: وأنا الآن أبتدئ بجمع ما سألت عنه، وتبيينه، ورفع ما فيه من الإشكال بعون الله، وتأليفه بابًا بابًا، وأذكر الأسماء على حروف المعجم، ليكون أسهل على من طلب فيه معنىً أو اسمًا، بعد أن أذكر جملةً كافيةً من أخبارهما وفضائلهما، وشهادة الأئمة من أهل عصرهما لهما بالحفظ والإتقان، والتقدم في المعرفة بالصناعة. ثم أذكر أسانيدي في الكتابين الصحيحين إلى البخاري ومسلمٍ رحمهما الله.
[ ١ / ٩ ]