قال أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب -أيضًا- في «تاريخ بغداذ».
مسلم بن الحجاج بن مسلم، أبو الحسين القشيري النيسابوري، أحد الأئمة من حفاظ الحديث، وهو صاحب «المسند الصحيح». رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر، وسمع يحيى بن يحيى النيسابوري، وقتيبة بن سعيدٍ، وإسحاق بن إبراهيم، وذكر جماعةً سواهم، ثم قال: وقدم بغداذ غير مرةٍ، وحدث بها، فروى عنه من أهلها: يحيى بن محمد بن صاعدٍ، ومحمد بن مخلد. وآخر قدومه بغداذ كان في سنة تسعٍ وخمسين ومئتين.
أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: أنا محمد بن نعيم الضبي، قال: نا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، قال: سمعت أحمد بن سلمة يقول: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم الرازيين يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما.
[ ١ / ٥٣ ]
وأخبرني ابن يعقوب، أنا محمد بن نعيم، قال: سمعت الحسين بن محمد الماسرجسي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: صنفت هذا «المسند الصحيح» من ثلاث مئة ألف حديث مسموعةٍ.
وحدثني أبو القاسم عبد الله بن أحمد السوذرجاني بإصبهان، قال: سمعت محمد بن إسحاق بن مندة يقول: سمعت أبا علي الحسين ابن علي النيسابوري يقول: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث.
وحدثني أبو القاسم السوذرجاني قال: سمعت محمد بن إسحاق بن مندة يقول: سمعت محمد بن يعقوب الأخرم يقول -وذكر كلامًا معناه-: قل ما يفوت البخاري ومسلمًا شيءٌ مما يثبت من الحديث.
قال أبو بكر الخطيب: إنما قفا مسلم بن الحجاج طريق البخاري، ونظر في علمه، وحذا حذوه، ولما ورد البخاري نيسابور في آخر أمره لازمه مسلمٌ، وأدام الاختلاف إليه، وقد حدثني عبيد الله بن أحمد بن
[ ١ / ٥٤ ]
عثمان الصيرفي قال: سمعت أبا الحسن الدارقطني يقول: لولا البخاري لما ذهب مسلمٌ ولا جاء.
قال أبو علي: وأخبرونا عن أبي ذر عبد بن أحمد الهروي قال: سمعت أبا بكرٍ الجوزقي قال: سمعت أبا حامدٍ الشرقي أو غيره -الشك من أبي ذر- قال: رأيت مسلم بن الحجاج بين يدي محمد بن إسماعيل البخاري كالصبي بين يدي معلمه.
قال أبو بكر الخطيب: وكان مسلمٌ يناضل عن البخاري، حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي بسببه، فأخبرني محمد بن علي المقرئ قال: أنا محمد بن عبد الله النيسابوري، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ يقول: لما استوطن محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور، أكثر مسلم بن الحجاج الاختلاف إليه، فلما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ، ونادى عليه، ومنع الناس عن الاختلاف إليه، حتى هجر وخرج عن نيسابور في تلك المحنة = قطعه أكثر الناس غير مسلم بن الحجاج، فإنه لم يتخلف عن زيارته، فأنهي إلى محمد بن يحيى أن مسلم بن الحجاج على مذهبه
[ ١ / ٥٥ ]
قديمًا وحديثًا، وأنه عوتب على ذلك بالعراق والحجاز ولم يرجع عنه فلما كان يوم مجلس محمد بن يحيى قال في آخر مجلسه: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا، فأخذ مسلمٌ الرداء فوق عمامته، وقام على رؤوس الناس، وخرج من مجلسه، وجمع كل ما كان كتب عنه وبعث به على ظهر حمالٍ إلى باب محمد بن يحيى، فاستحكمت بذلك الوحشة، وتخلف عنه وعن زيارته.
وقال محمد بن عبد الله النيسابوري: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب يقول: سمعت أحمد بن سلمة يقول: عقد لأبي الحسين مسلم ابن الحجاج مجلسٌ للمذاكرة، فذكر له حديثٌ لم يعرفه، فانصرف إلى منزله، وأوقد السراج، وقال لمن في الدار: لا يدخلن أحدٌ منكم البيت، فقيل له: أهديت لنا سلةٌ من تمرٌ، قال: قدموها إلي، فقدموها إليه، وكان يطلب الحديث، ويأخذ تمرةً تمرةً فيمضغها، فأصبح وقد فني التمر ووجد الحديث.
قال محمد بن عبد الله: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مات، ﵀.
وقال أيضًا: سمعت محمد بن يعقوب أبا عبد الله الحافظ يقول:
[ ١ / ٥٦ ]
توفي مسلم بن الحجاج عشية يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لخمسٍ بقين لرجب سنة إحدى وستين ومئتين.
قال الخطيب: أخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الواحد المنكدري، نا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ بنيسابور، قال: نا محمد ابن إبراهيم الهاشمي، قال: نا أحمد بن سلمة، قال: سمعت الحسين بن منصورٍ يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي وذكر مسلم بن الحجاج فقال: «مرذا كاين بوذ». قال المنكدري: معناه: أي رجلٍ يكون هذا!
وحدثنا عن غير الخطيب أنه قال -أعني الحاكم-: فرحم الله إسحاق، لقد أصابت فراسته الذكية.
قال الفقيه الحافظ أبو علي: كل ما ذكرنا عن أبي بكر الخطيب من «تاريخ بغداذ» أفادنيه أبو علي حسين بن محمد الصدفي ﵁ وأجاز لنا هذا «التاريخ» الفقيه أبو الوليد الباجي عن أبي بكر الخطيب، وأجازه لنا -أيضًا- المبارك بن سعيد بن محمد البغداذي -قدم علينا قرطبة- قال: نابه أبو بكر أحمد بن علي بن ثابتٍ الحافظ الإمام،
[ ١ / ٥٧ ]
سمعته منه ببغداذ وبالأنبار وبالظعن.
قلت: كل ما ذكرنا عن البخاري ومسلمٍ مما لم نذكر إسناده فقد أسنده أبو بكر الخطيب في أخبارهما من «تاريخ بغداذ»، والحمد لله.
[ ١ / ٥٨ ]