ذكر عن أحمد بن منصور بن محمد الشيرازي قال: حدثني محمد بن يعقوب الأخرم، قال: سمعت أصحابنا يقولون: لما قدم محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور استقبله أربعة آلاف رجلٍ ركبانٌ على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا، وسوى الرجالة، فحضر الكل مجلسه، إلى أن أظهر ما أظهر من قوله، فبلغ ذلك محمد بن يحيى الذهلي، فقال محمد بن يحيى الذهلي: من حضر مجلسي فلا يحضر مجلس هذا، فإنه قد أظهر خلاف السنة، قال: فجفي، فلم يقربه أحدٌ إلا مسلم ابن الحجاج وأحمد بن سلمة، فلما كان في اليوم الثاني حضرا عند محمد بن يحيى، فقال محمد بن يحيى: أحظر على من قال: «لفظي بالقرآن» أن يقرب مجلسي. قال: فقام مسلم بن الحجاج فخرج، وتبعه أحمد بن سلمة، فقال محمد بن يحيى: لا يساكني هذا الرجل في البلد. فخشي البخاري أن يلحقه منه مكروهٌ، فخرج.
[ ١ / ٤١ ]
فسمعت القاسم بن القاسم يقول: سمعت إبراهيم وراق أحمد بن سيار يقول: لما قدم البخاري مرو استقبله أحمد بن سيارٍ فيمن استقبله، فقال له أحمد بن سيارٍ: يا أبا عبد الله، نحن لا نخالفك فيما تقول، ولكن العامة لا تحتمل ذا منك، فقال: إني أخشى النار أسأل عن شيء أعلمه حقًا أن أقول غيره. فانصرف عنه أحمد بن سيار.
قال: وسمعت بعض أصحابنا يقول: لما قدم بخارى نصبت له القباب على فرسخٍ من البلد، واستقبله عامة أهل البلد، حتى لم يبق مذكورٌ إلا وقد استقبله، ونثر عليه الدنانير والدراهم والسكر الكثير، قال: فبقي أيامًا، قال: فكتب بعد ذلك محمد بن يحيى إلى خالد بن أحمد -وكان أمير بخارى- فقال: إن هذا الرجل قد أظهر خلاف السنة فقرأ كتابه على أهل بخارى، فقالوا: لا نفارقه، فأمره الأمير بالخروج عن البلد، فخرج.
قال أحمد بن منصور: فحكى لي بعض أصحابنا عن إبراهيم بن معقلٍ قال: رأيت محمد بن إسماعيل في اليوم الذي أخرج فيه من بخارى،
[ ١ / ٤٢ ]
قال: فتقدمت إليه، فقلت: يا أبا عبد الله، كيف ترى هذا اليوم من ذلك اليوم الذي نثر عليك فيه ما نثر؟ فقال: لا أبالي إذا سلم ديني.
قال: فخرج إلى بيكند، فصار الناس معه حزبين: حزب معه، وحزبٌ عليه، إلى أن كتب إليه أهل سمرقند، فسألوه أن يقدم عليهم، فقدم إلى أن وصل بعض قرى سمرقند، فوقع بين أهل سمرقند فتنةٌ من سببه، قومٌ يريدون إدخاله البلد، وقومٌ لا يريدون ذلك، إلى أن اتفقوا على أن يدخل إليهم، فاتصل به الخبر وما وقع بينهم بسببه. فخرج يريد أن يركب، فلما استوى على دابته قال: «اللهم خر لي» ثلاثًا، فسقط ميتًا، فاتصل بأهل سمرقند، فأتوا بأجمعهم، فصلوا عليه، ويزار بها قبره إلى اليوم، ﵀.
قال أبو علي ﵀ أخبرني أبو الحسن طاهر بن مفوز ابن عبد الله بن مفوز المعافري صاحبنا ﵀، قال: أخبرني أبو الفتح وأبو الليث نصر بن الحسن التنكتي المقيم بسمرقند -قدم
[ ١ / ٤٣ ]
عليهم بلنسية عام أربعةٍ وستين وأربعمةٍ- قال: قحط المطر عندنا بسمرقند في بعض الأعوام، قال: فاستسقى الناس مرارًا فلم يسقوا، قال: فأتى رجلٌ من الصالحين معروفٌ بالصلاح مشهورٌ به إلى قاضي سمرقند، فقال له: إني قد رأيت رأيًا أعرضه عليك، قال: وما هو؟ قال: أرى أن تخرج ويخرج الناس معك إلى قبر الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ وقبره بخرتنك، ونستسقي عنده، فعسى الله أن يسقينا، قال: فقال القاضي: نعما رأيت. فخرج القاضي وخرج الناس معه، واستسقى القاضي بالناس، وبكى الناس عند القبر، وتشفعوا بصاحبه، فأرسل الله ﵎ السماء بماءٍ عظيم غزيرٍ أقام الناس من أجله بخرتنك سبعة أيامٍ أو نحوها، لا يستطيع أحد الوصول إلى سمرقند من كثرة المطر وغزارته، وبين خرتنك وسمرقند ثلاثة أميالٍ أو نحوها.
[ ١ / ٤٤ ]