وذكر في صدره مولده وصفته ومناقبه وعلمه وحفظه وما امتحن به، أخبرنا به الفقيه أبو الوليد سليمان بن خلفٍ الباجي، قال: أنا أبو بكر بن سختويه، وأخبرنا به أيضًا أبو العباس أحمد بن عمر العذري، قال: أنا أبو العباس أحمد بن الحسن بن بندارٍ الرازي -بمكة في المسجد الحرام- قالا: أنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني الحافظ أنه قال في نسب أبي عبد الله البخاري وتاريخ مولده: «هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن يزذبة البخاري الجعفي، ويزذبة
[ ١ / ٤٥ ]
مجوسي مات عليها، والمغيرة أسلم على يدي اليمان البخاري الجعفي والي بخارى، وهو جد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر ابن اليمان المسندي».
ثم قال: ولد محمد بن إسماعيل يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلةً خلت من شوال سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ.
وقال في صفته: سمعت الحسن بن الحسين البزاز يقول: رأيت محمد بن إسماعيل شيخًا نحيف الجسم، ليس بالطويل ولا بالقصير.
ثم قال: سمعت محمد بن يوسف بن بشرٍ الفربري يقول: سمعت النجم بن فضيلٍ -وكان من أهل المعرفة والفضل- يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام، وقد خرج من باب ماستين -قرية ببخارى- وخلفه محمد بن إسماعيل البخاري، فكلما خطا النبي ﷺ خطوةً خطا محمد ابن إسماعيل خطوة النبي ﷺ ووضع قدمه على أثر قدم النبي ﷺ.
قال أبو علي: وقد حدثني بهذا الحديث شيخنا أبو شاكر عبد الواحد بن محمد التجيبي قال: نا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي، قال: نا أبو أحمد الجرجاني، قال: نا محمد بن يوسف، قال: أخبرني
[ ١ / ٤٦ ]
النجم البخاري بخوارزم قال: رأيت النبي ﷺ يمشي، كلما رفع قدمه وضع محمد بن إسماعيل قدمه في ذلك الموضع. قال محمد بن يوسف، ورأيت محمد بن إسماعيل في النوم وهو يجتني لنا تمرًا بكلتا يديه.
وبالإسناد المتقدم إلى أبي أحمد بن عدي قال: وسمعت عبد القدوس بن همام يقول: سمعت عدةً من المشايخ يقولون: دون محمد بن إسماعيل البخاري تراجم «جامعه» بين قبر النبي ﷺ ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمةٍ ركعتين.
قال: وسمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ قدم بغداذ، فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا، وعمدوا إلى مئة حديثٍ، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتنٍ آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفسٍ، لكل رجلٍ منهم عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعةٌ من أصحاب الحديث، من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن البغداذيين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجلٌ من المجلس من العشرة،
[ ١ / ٤٧ ]
فسأله عن حديثٍ من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، ثم سأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه واحدًا بعد واحدٍ حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعضٍ، ويقولون: الرجل فهمٌ، ومن كان منهم غير فهمٍ يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم.
ثم انتدب رجلٌ آخر من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، وسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، وسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحدًا بعد آخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه. ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة، حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه.
فلما عرف البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء، حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متنٍ إلى إسناده، وكل إسنادٍ إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها. فأقر له الناس بالحفظ والعلم، وأذعنوا له بالفضل.
[ ١ / ٤٨ ]
قال: وكان ابن صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل البخاري يقول: الكبش النطاح.
وذكر أبو بكر الخطيب هذه الحكاية عن أبي أحمد بن عدي كما تقدم سواءً.