أولًا: تقدم أنّ الحافظ ابن نقطة ذكر أسماء الحفاظ الذين اعتمد على خطوطهم في الضبط، ومع هذا فإنه كثيرًا ما يذكر في آخر الترجمة أنّه نقله من خط فلان الحافظ، وهذا قليلًا ما يوجد في كتب المتقدمين من أرباب هذا الفن، ولكنه مفقود في كتب المتأخرين، راجع ترجمة رقم ٤، ٥٠، ٥٧، ٩٠، ١٣٥، ١٥٧، ١٦٨، ١٨٨ وغير ذلك.
ثانيًا: إن الحافظ ابن نقطة يذكر في الغالب مصدر الترحمة، فهو كثيرًا ما يقول: قال البخاري في تاريخه، ذكره ابن مردويه في تاريخه، وذكره ابن منده في تاريخه، قال ابن شافع في تاريخه، قال الخطيب في تاريخه وصنيعه هذا يسهل للقارء الرجوع إلى تلك المصادر إن وجدت تلك المصادر كما أنه يعطي لنفس القارئ طمأنينة وتوثيقًا.
ثالثًا: إن الحافظ ابن نقطة قد استقى مادة كتابه هذا من مصادر متنوعة كثيرة جدًا حسب اطلاعه الواسع، وكثير من تلك المصادر اليوم
[ ١ / ٥٢ ]
تعتبر مفقودة أو شبه مفقودة، فهو كثير النقل من تاريخ ابن مَنْده وتاريخ النساء لابن منده وتاريخ ابن شافع، ومعجم أُبَيّ النرسي، وذيل تاريخ بغداد للسمعاني وطبقات أهل همذان لشيرويه وتاريخ نيسابور وتاريخ ابن يونس وغير ذلك، وبذلك قد حفظ لنا نصوصًا كثيرة من هذه الكتب القيمة وسوف نعمل فهارس متنوعة في آخر الكتاب إن شاء الله، ومنها فهارس الكتب التى استخدمها واستفاد منها الحافظ ابن نقطة في كتابه هذا وما أكثرها.
رابعًا: إن الحافظ ابن نقطة قد تعرض لنسب كثيرة في كتابه هذا فاتت من السمعاني في كتابه "الأنساب"، مع أن السمعاني وضع كتابه في الأنساب، وكتابه يعتبر مرجعًا في معرفة الأنساب، والذي لا خبرة له في المصادر يعتقد أن السمعاني استوعب النسب أو كاد أن يستوعبها، وليس كذلك وقد وجدت بتصفح عابر في الأنساب في حرف الهمزة أنه قد فات منه ثلاث عشرة نسبة ذكرها الحافظ ابن نقطة في كتابه هذا وهي: الأُبَّدِي، والأبْرادي، والأَبْيَارِي، والأُبِيّ، والأُذْرَمي، والأُرْمِي، والأرحَائي، والأزْرَمِي، والأَسْتَاني، والاشْكِيذبَاني، والأشِيري، والأُمامي، والأُنْدِي. فكتاب الحافظ ابن نقطة هذا بذلك يعتبر من أهم المصادر في معرفة النسب أيضًا.
خامسًا: إن الحافظ ابن نقطة زاد على المؤلفين في هذا الفن أبوابًا وتراجم كثيرة، أمَّا زياداته على المتقدمين عليه فذاك بيّن ظاهر، لأن الأمير ابن ماكولا في كتابه "الإكمال" جمع كتب الأئمة الثلاثة الذين ألّفوا في هذا الفن وهم عبد الغني بن سعيد، والإِمام الدارقطنى، والخطيب البغدادي. وكتاب الحافظ ابن نقطة هذا استدراك وتكملة للإِكمال، فمادته زائدة على المؤلفات التى سبقته. وإنما المهم أنه أتى
[ ١ / ٥٣ ]
بأبواب وتراجم كثيرة فاتت المتأخرين الذين جمعوا في كتبهم مؤلفات المتقدمين كالحافظ الذهبى في المشتبه، وابن ناصر في توضيح المشتبه، والحافظ ابن حجر في التبصير. وهذه بعض الأبواب التي فاتتهم: باب إبرويه وأفروية، وباب بُجْدان، وباب بُدَيْح، وباب بذال ونَزَّال، وباب جَعْدَة وحَفَدَة، وباب جَعُونة وجُعْدُبة، وباب جُمَّع، وباب جُنْدب وخِنْدف، وباب الجوائز والحوافر وغير ذلك.
أمَّا التراجم التى يذكرها الحافظ ابن نقطة تحت الأبواب، فكثيرًا منها يحذفونها أو يذكرون بعضها ويحذفون بعضها وذلك بيِّن بالمقارنة مع هذه الكتب. هذا ما أردت أن أذكر بعض ميزات ومحاسن هذا الكتاب العظيم.
بعض الأوهام التي وقع فيها المؤلف:
لبيان الواقع وحق دراسة الكتاب ينبغي أن أذكر هنا أنه طَغَى قلم المؤلف، فوقع في أوهام نادرة في بعض الأسماء، وقد نبهت على ذلك في الحاشية، وفيما يلي أذكر بعض الأمثلة على ذلك:
١ - ذكر الحافظ ابن نقطة بعد أن ضبط "التُّوني" فقال: أبو جعفر محمد ابن طريف التّوني من أهل تُونة.
ويبدو أنه وهم فيه أو هكذا في نسخته في تاريخ نيسابور للحاكم لأنه نقله منه ولعل الصواب في نسبته "البوني" بفتح الباء الموحدة منسوب إلى بَوْن قرية قريبة بهراة، وقد ذكر السمعاني في الأنساب ٢/ ٣٦٣ في "البوني" بفتح الباء الموحدة وسكون الواو أبا عبد الله محمد بن بشر بن بكر البوني الفقيه من بون، يروى عن أبي جعفر محمد بن طريف البَوْني، وقال ياقوت في معجم البلدان ٢/ ٥١٢ "بون" بفتحتين ..
[ ١ / ٥٤ ]
ينسب إليها أبو عبد الله محمد بن بشر بن بكر الفقيه البوني يروي عن أبي جعفر بن طريف البوني وأبي العباس الأصم. فالسمعاني وياقوت وإن لم يذكرا محمد بن طريف تحت نسبة البوني ولكنهما ذكرا محمد بن بشر البوني الذي يروي عن محمد بن جعفر البوني.
وقد نص الحافظ في التبصير وذكر محمد بن جعفر البوني في "البوني" بفتح الباء الموحدة.
٢ - وقال الحافظ ابن نقطة: أما البُرَيدى: بضم الباء (أي الموحدة) وفتح الراء ثم ترجم لسُرْخَاب بن يوسف بن محمد تحت هذه النسبة، وتبعه الذهبي في المشتبه ١/ ٧٠ أيضًا.
وقد ضبطه ابن ماكولا في الإكمال ١/ ٥٤٩ والسمعاني في الأنساب ٢/ ١٩١ بفتح الباء وكسر الراء "البَرِيدي" وقد نبّه الحافظ في التبصير ١/ ١٤٦ وابن ناصر الدين في التوضيح (١/ ل ١٠٥) على وهم ابن نقطة والذهبي، وقالا: وقد ضبطه الأمير ابن ماكولا والخطيب وابن الجوزي بالفتح.
٣ - وقال في حرف الجيم باب "الجُذَامِي والخِذَامي" وقال في الثاني: وأما الثاني بكسر الخاء المعجمة والباقي مثله بعد أن ضبط الأول بضم الجيم وفتح الذال المعجمة فالثاني عنده أيضًا بالذال المعجمة وقد تبعه الذهبي في المشتبه ١/ ١٤٦ والصواب أنه بالدّال المهملة وهذه النسبة إلى جدّه خدام، وبذلك ضبطه السمعاني في الأنساب ٥/ ٥٧ وترجم لهذا الشخص فيه وكذلك الحافظ ابن حجر في التبصير ١/ ٣١١ وقد نبّه ابن ناصر الدين في التوضيح (١/ ل ٢٥٢) على وهم الذهبي هذا ثم قال:
[ ١ / ٥٥ ]
وكأنّ المصنف (الذهبي) تبع ابن نقطة، فإنه عطفه على الجذامى .. انتهى.
والسمعاني أعلم به من ابن نقطة لأنه روى عن كثير من مشايخه الذين رووا عن الخدامى مباشرة، كما هو واضح من كلامه في الأنساب.
٤ - وترجم في باب "البُزُوري والبَزْدُوِي" لأبي حفص عمر بن أبي بكر بن عثمان بن محمد بن أحمد البَزْدُوي السِنّجِي.
هكذا بالسين والجيم بينهما نون في النسخ الثلاثة لتكملة الإكمال، ولا يقال: إنه سهو وخطأ من الناسخ، لأن الحافظ ابن نقطة ضبطه أيضًا في حرف السين فقال: السنجي: بكسر السين المهملة والجيم، بينهما نون ساكنة ثم ذكر هذه الترجمة تحت هذه النسبة انظر "ظ" لوحة ٢٥٠ - ب، ونسخة "م" ٢/ لوحة ٦٣ - أ.
وقد جانبه الصواب هنا والصواب في نسبة أبي حفص هذا السَّبَخِي: بفتح السين المهملة والباء الموحدة المفتوحة وكسر الخاء المعجمة، وهذه النسبة إلى السبخة وهي التراب المالح الذي لا ينبت فيه النبات، وقد يستعمل هذه النسبة في الدباغ فإنه يستعمل السبخة في الجلود للدباغة، قاله السمعاني في الأنساب ٧/ ٥٥. وقال السمعاني بعد قليل: والذي كتبنا عنه ببخارى أبو عبد الله محمد وأبو حفص عمر ابنا أبي بكر بن عثمان السّبخي الصابونيان، وهذه النسبة إلي الدباغة بالسبخة على ما سمعت.
فالسمعاني أعرف بشيخه، وقد سمعه منه، فالصواب ما قاله السمعاني في نسبة أبي حفص عمر هذا، وقد وافقه ياقوت في معجم البلدان ٣/ ١٨٣ وابن الأثير في اللباب وابن حجر في التبصير، وذكر
[ ١ / ٥٦ ]
الذهبي أخاه محمد في المشتبه ١/ ٣٤٨ في "السُّبَحِي" بضم السين وفتح الباء، ونبه ابن ناصر الدين على وهم الذهبى في التوضيح (٣/ ل ١١١) ونبّه على وهم ابن نقطة أيضًا فقال: ولم يجوّده ابن نقطة فيما قاله بالمهملة المكسورة ثم نون ساكنة ثم جيم مكسورة.
٥ - وقال الحافظ ابن نقطة في باب "حسان وخُشَّان وحبيبان" وأما الثاني بضم الخاء المعجمة وتشديد الشين المعجمة فهو أبو يعقوب يوسف بن محمد بن خشان … وقال: نقلته من "مشتبه الأسماء" تصنيف أبي الغنائم النرسى الملقب بأبيّ .. وذكره الخافظ ابن حجر في التبصير كما ذكره ابن نقطة هنا.
واعترض ابن ناصر الدين في التوضيح (١ / ل ٤٠٤) فقال: وَهِم (يعنى ابن نقطة) على أبىّ النرسي فإنه قاله في كتابه "مختلفي الأسماء" الذي أشار إليه ابن نقطة "ابن خشّار" بالراء في آخره لا بالنون، فقال فيما وجدته بخط الحافظ السلفي وقرأه على أبيّ النرسي، حدثنا محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي ثنا أبو خازم أحمد بن محمد بن علي الطريقى ثنا أبو يعقوب يوسف بن محمد بن خشار المقرئ الورّاق الزنجاني ثنا أبو سهل .. إلخ.
قضايا تتطلب البحث:
وقد صادفتنى قضايا تتطلب مزيدًا من البحث، فقد تفرد الحافظ ابن نقطة في بعض ما قاله، وخالفه الآخرون، إلّا أني لم أجد مرجحًا لأحد الفريقين، فذكرت الاختلاف في الحاشية.
مثال ذلك: قال الحافظ ابن نقطة في باب "جريرة وجزيرة …
[ ١ / ٥٧ ]
وحوثرة" وأما حوثرة: بالحاء المهملة المفتوحة والواو الساكنة بعدها ثاء معجمة بثلاث وراء. ثم ذكر أربعة تراجم من هذا الباب منها: مسعود بن حوثرة أبو سعيد القرشي الموصلي، حدَّث عن عفيف بن سالم وغيره، حدَّث عنه أبو عبد الرحمن النسائي في سننه، وقال: هو صالح لا بأس به.
وله ترجمة في المعجم المشتمل ص ٢٩٠ والكمال ٣/ لوحة ١٣٧ - ب نسخة دار الكتب المصرية وتهذيب الكمال ٣/ ١٣٢٢ والكاشف ٣/ ١٣٧ والتهذيب ١٠/ ١١٦ والتقريب ٢/ ٢٤٣ والخلاصة ص ٣٧٤، إلا أنه في المراجع المذكورة كلها مسعود بن جويرية بدل مسعود بن حوثرة ولكن المراجع من تهذيب الكمال إلى الخلاصة كلها متأخرة، وتنقل بعضها من بعض وفي المعجم المشتمل علّقت المحققة سكينة بأن في نسخة "أ، ت" حوثرة ولكنها مع ذلك أثبتت في الأصل "جويرية" والتمست العذر بأن المصادر التي ترجمته مع تاريخ الموصل ص ٢٨٨ أطبقت على "جويرية".
قلت: إن المصادر التى أشارت إليها المحققة متأخرة ما عدا تاريخ الموصل وفي الصفحة التى أحالت إليها المحققة من تاريخ الموصل جاء ذكره في أثناء سند حديث، وليست هي موضع ترجمته ولا توجد له ترجمة في المطبوع من تاريخ الموصل، وقد قال محقق تاريخ الموصل في المقدمة: صححتُ الأسماءَ التى وردت في مصادر أخرى وتركت الأسماء التى لم أجدها في غير تاريخ الموصل كما هى، وهذا دليل على أنّ ما جاء في سند الحديث في تاريخ الموصل "جويرية" قد يكون ممّن عَبِثَت به يد المحقق.
وقد وصفت المحققة النسختين "أ، ت" بأنهما في غاية الصحة والدقة والكمال أمَّا النسخة الثالثة ناقصة من بعد حرف السين والرابعة كاملة من أولها
[ ١ / ٥٨ ]
وآخرها ولكنها وصفت هذه النسخة فقالت: وفي هذه النسخة غير قليل من السقط والتصحيف والتحريف، يقل عدد المترجمين فيها (٢١) ترجمة عما في نسختي دار الأوقاف والتيمورية (وهما نسختا أ، ت) فبعد هذا العرض السريع يمكن أن أقول أن الصواب في المعجم المشتمل لابن عساكر مسعود بن حوثرة كما جاء عند الحافظ ابن نقطة وفي ثقات ابن حبان ٩/ ١٩١ مسعود بن جويرية أيضًا ولكنه بصري وهذا موصلي فهو غير هذا.
[ ١ / ٥٩ ]