لم يكثر الحافظ ابن نقطة في كتابه هذا توهيم من قبله، ولعل السبب في ذلك أنه أفرد كتابًا خاصًا في ذلك وسماها "الملتقط مما في كتب الخطيب وغيره من الوهم والغلط".
وقد تعرض في بعض المواضع لتوهيمهم خاصة الأمير ابن ماكولا منهم، مع إعجابه الشديد به كما هو ظاهر من خطبة كتابه ولكن هذا الإعجاب لم يمنعه من نقده البنَّاء بأسلوب مؤدب، والأسلوب الذى يختاره يختلف، فهو تارة يكتفي يذكر الصواب، ثم يعقب فيقول: وقال الأمير: كذا وهو خطأ، وتارة يدعم دعواه بأدلة وأمثلة كثرة، ولعل السبب في ذلك أنه إذا رأى أن الخطأ واضح يكتفي بالإشارة فقط، أما إذا رأى أن الأمر يحتاج إلى دليل فلا يقصر في ذلك، وفيما فى أذكر بعض الأمثلة من النوعين:
١ - قال الحافظ ابن نقطة في باب "الترابي والبُزَاني .. " في ترحمة أبي الفرج عبد الواحد بن محمد بن عبد الله البُزَاني، وقال في آخرها: ورأيت في كتاب الأمير "أبو الفرج عبد الوهاب" وهو خطأ. انتهى.
وهو كما قال في الإكمال ١/ ٥٣٦. وقد بحثت فتحقق الصواب مع
[ ١ / ٤٧ ]
الحافظ ابن نقطة، فراجعه في التعليقات هناك.
٢ - وترجم في باب "بخيت ونجيب" لمحمد بن أحمد بن علي بن بخيت أبو بكر الجوزِي ثم قال في آخره: وقال الأمير في كتابه في باب بخيت بضم الباء المعجمة بواحدة، بعد جماعة: محمد بن علي بن بخيت- أبو بكر الجوزي، حَدَّث عن علي بن جَمِيل الرَّقِّي، حَدّث عنه أبو محمد بن السقّاء. ثم قال في باب تُجَيْب بضم التاء المعجمة باثنتين من فوقها وبعدها جيم: ومحمد بن أحمد بن تُجيب من شيوخ ابن عدي، هذا آخر كلامه. وفي هذا الباب أوهام:
الأول منها: أنّه فرّق بينهما لجعلهما اثنين وهو واحد.
والثاني: أنه جعله في باب تجيب باثنتين من فوقها وبالجيم، وأسقط "أحمد" من نسبه في الترجمة الأولى و"عليا" في الترجمة الآخرة، وقد حَدّث عنه عبد الله بن عدي الجرجاني في معجم شيوخه وفي غيره، فقال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن علي بن بخيت الجوزي، وهذا هو الصواب، كذلك نقلته من خطأ مؤتمن بن أحمد السّاجى وأبي عامر محمد بن سعدون العبدري.
٣ - قال ابن نقطة في باب "الأسفَذْنِى والأسعدي" في ترجمة رقم (١٦٧): أحمد بن علي بن إسماعيل الرازي الأسفَذْني، حدّث عن إبراهيم بن موسى الفراء روى عنه الطبراني ثم قال: ذكره الأمير في باب "الأسعدي" بالعين والدال المهملتين، وهو وهم، ولا أدري كيف وقع، وقد وقع إلىّ خمس نسخ بمعجم الطبراني الصغير، منها نسخة بخط الشيخ أبي بكر بن الخاضبة الحافظ، وأخرى بخط عبد الوهاب الأنماطي وفي كلها الأسفذني .. انتهى.
وهو كما قال في الإِكمال ١/ ١٥٦، وقد ذكرت في التعليقات هناك أنّ
[ ١ / ٤٨ ]
الصواب مع ابن نقطة وذكرت من وافق ابن نقطة فيما قاله.
٤ - وقال الحافظ ابن نقطة في مشتبه النسبة من حرف الميم: باب "المباركي والنيازكي": أما الأول: بضم الميم وفتح الباء المعجمة بواحدة وفتح الراء أيضًا فقال الأمير أبو نصر في كتابه: أما المباكي بالميم فهو سليمان بن داود المباركي هذا جميع الترجمة وقوله: سليمان بن داود خطأ وإنما هو سليمان بن محمد، وأظن أنه نقله من تاريخ الخطيب، فإن الخطيب قد ذكره في تاريخه على الوهم أيضًا، وقد ذكره على الصواب في ترجمة عبد ربه الحَنّاط أبي شهاب، قال ابن أبي حاتم في كتابه: سليمان بن محمد المباركي أبو داود عن أبي شهاب الحَنّاط، روى عنه أبو زرعة وأسيد بن عاصم الأصبهاني، سئل عنه أبو زرعة فقال: سألت يحيى بن معين عنه فقال: لا بأس به، قيل لأبي زرعة: ما قولك فيه؟ فقال: هو شيخ ثقة، كان يكون ببغداد، وقال أبو أحمد الحام في كتاب الكني: (كما في لوحة ١٥٠ - أ): أبو داود سليمان بن محمد المباركي، سمع عبد ربه بن نافع أبا شهاب الحناط روى عنه أبو بكر أحمد بن منصور الرمادي، كناه وسمّاه لنا أبو بكر عبد الله بن محمد ابن مسلم الاسفرائيني، قلت وقد روى عن المباركي جماعة: فسمّوا أباه محمدًا منهم خلف بن هشام البزاز، وكان من أقرانه وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وموسى بن هارون الحمّال، والحسن بن علي المعمري، وإسحاق ابن موسى الأنصاري، وأبو يعلى أحمد بن على بن المثنى الموصلي في معجمه وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، وقد أوردنا لكل رجل من هؤلاء عنه حديثًا في كتابنا الموسوم "بالملتقط مما في كتب الخطيب وغيره من الأوهام والغلط" وفي هذا القدر ها هنا كفاية.
٥ - وقال في حرف الميم أيضًا في باب "مَتُّوية ومَنَوِيَّة ومَنُّويَة ومَمّوية":
[ ١ / ٤٩ ]
مَنّوية: بتشديد النون وضمها وسكون الواو، فقال الأمير في كتابه: أما منّويه بنون بعد الميم فهو: محمد بن محمد بن منوية أبو عبد الله الواسطي، يروي عن محمد بن أبان ومحمد بن الصباح الجرجرائي، حَدّث عنه أبو سليمان محمد بن الحسين الحَرّاني وأبو بكر الإسماعيلى، وقال عبد الغني هو محمد بن محمود بن منوية، نسبه لنا أبو الطاهر القاضي.
قلت: وقول الأمير: أنه محمد بن محمد خطأ والصواب محمود بن محمد الواسطي حدث عن محمد بن أبان، ووهب بن بقية، وزكريا بن يحيى زحموية ومحمد بن الصباح وأبي الشعثاء علي بن الحسن الواسطي وغيرهم، وقد ذكره الخطيب في تاريخه في من اسمه محمود، فقال فيما أخبرنا أحمد بن الحسن البطي قال أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أخبرنا أحمد بن علي الخطب قال: محمود بن محمد بن منوية أبو عبد الله الواسطي، سمع محمد بن أبان والقاسم بن عيسى وزكريا بن يحيى زحموية ووهب بن بقية الواسطيين ومحمد بن ثعلبة بن سواء وسفيان ووكيع، روى عنه غير واحد من الغرباء، وقدم بغداد، وحدث بها فروي عنه من أهلها: أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ، ومحمد بن أحمد الحكيمي، وعبد الصمد بن علي الطَّسْتِي، وأبو بكر بن الجعابي. ثم قال الخطيب: أخبرنا [إبراهيم بن مخلد حدثنا] (^١) أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكيمي قال: ثنا محمود بن محمد الواسطي، قال: ثنا زكريا بن يحيى، وذكر حديثًا، وبالإِسناد أخبرنا الخطيب قال: أنا أبو نعيم الحافظ قال: سمعت عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان يقول:
_________________
(١) ما بين القوسين مزيد من تاريخ بغداد.
[ ١ / ٥٠ ]
مات محمود بن محمد الواسطي سنة سبع وثلاثمائة.
وبالإِسناد أخبرنا الخطيب قال: أنا محمد بن عبد الواحد، قال: حدثنا محمد بن العباس قال: قُرِئ على ابن المنادى وأنا أسمع قال: وبلغتنا وفاة محمود الواسطي أنها كانت في شهر رمضان من سنة سبع وثلاثمائة، وقد روى عنه الطبراني في معجمه فيمن اسمه محمود فقال: فيما أخبرنا أبو الفخر أسعد بن سعيد بن روح بأصبهان قال: أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله، أخبرنا أبو بكر بن رِيذة، قال: أخبرنا سليمان ابن أحمد الطبراني، قال: ثنا محمود بن محمد الواسطي، قال: حدثنا محمد بن أبان الواسطي، قال: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: " نُصرتُ بالصَّبا وأُهلِكت عاد بالدَّبُور" قال الطبراني: لم يرو عن قتادة إلا أبو عَوَانة، تفرّد به محمد بن أبان.
وأخبرنا عمر بن محمد بن طبرزد ببغداد، وزيد بن الحسن الكندي بدمشق، قالا: أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن محمد النصري، قال: أخبرنا علي بن إبراهيم بن عيسى الباقلاني، قال أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، قال: ثنا محمود بن محمد الواسطي بواسط قال: ثنا أبو سعيد الأشج، قال: قال ثنا تليد بن سليمان، عن أبي الجحاف عن محمد بن عمرو الهاشمي، عن زينب بنت علي، عن فاطمة بنت محمد -ﷺ- وعلى آله قال: نظر النبي -ﷺ- إلى علي ﵁ فقال: هذا في الجنة.
وأما عبد الغني ﵀ فقال: منوية بالنون قبل الواو هو جد لمحمد ابن محمود بن منوية الواسطي، نسبه لنا أبو الطاهر القاضي، قلت: وهذا القول صحيح من عبد الغني، لأن محمود بن محمد له ابنان أحمد ومحمد، وكلاهما قد حدث، كلهم ثقات، أخبرنا عمر بن محمد بن
[ ١ / ٥١ ]
معمر قال: أخبرنا علي بن طراد الزَّينَبِيّ قال: أخبرنا أبو القاسم إسماعيل ابن مَسْعدة الإِسماعيلي قال: أخبرنا حمزة بن يوسف السَّهمي قال: سألت الدارقطي عن أبي عبد الله محمود بن محمد الواسطي فقال: ثقة، وكتبت عن ابنه أبي الحسن محمود بن محمود وكان ثقة، وله ابن آخر أكبر من محمد، يسمى أحمد، وقد حدَّث أيصًا وهو ثقة، فدل على أن قول الأمير محمد بن محمد خطأ، وقول عبد الغني محمد بن محمود بن مَنّوية صحيح، إلا أنّ القاضي أبا الطاهر قصّر في نسبه، فنسبه إلى جده. انتهى.