الإمام العلّامة المفتي الحافظ الخطيب، أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى، ابن سيِّد الناس، اليَعمَري الأندلسي الإشبيلي، الظاهري الأثَري، عالم مدينة تونس، وعالم المغرب.
ولد سنة سبع وتسعين وخمس مئة.
وسمع "صحيح البخاري" من أبي محمد عبد الرحمن الزُّهري صاحب شُريح، وتلا بحرف نافع على أبي نصر بن عظيمة فيما قيل، وسمع أيضًا من أبي الصبر أيوب بن عبد الله الفهري وطبقته، وأجاز له من أهل الشام والعراق في حداثته جماعة، من أكبرهم القاضي جمال الدين عبد الصمد بن الحَرَستاني، ولم تبلغنا أخبارُه كما ينبغي، ولو شاء حفيده العلَّامة أبو الفتح بمصر لعلَّق في ذلك كراريس، وممَّن أجاز له ثابت بن مشرَّف.
ورأيت له كتابًا في جواز بيع أم الولد يدلُّ على ذكائه وسَعَة علمه، لا يراه مُنصِف إلّا ويخضع له، مع أنَّ المسألة متجاذَبة، والخلاف فيها قديم.
وقد ذكره الحافظ عز الدين الحُسيني في "الوفيات" (^١) فقال: كتب إلينا بالإجازة من تونس، وكان أحدَ حفَّاظ الحديث المشهورين، وفضلائهم المذكورين، وقال: وخُتم به هذا الشأن بالمغرب، توفي بتونس في رجب سنة تسع وخمسين وست مئة. قال: وتوفي أبوه أبو العباس سنة ثمان عشرة وست مئة.
قلت: وكان أبوه هذا محدِّثًا عالمًا صاحب كتب، وصارت كتبه إلى
_________________
(١) (*) تاريخ الإسلام: ١٤/ ٩١٦.
(٢) صلة التكملة: (٨٢٧).
[ ٢٩ / ٣٢ ]
ابنه الحافظ أبي بكر، وكَثُرت كتب أبي بكر، ثم نقلت بعد زمان إلى مصر، أحضروها إلى ولده الفقيه المحدِّث أبي عمرو محمد بن أبي بكر، ورأيت أبا عمرو بمصر، ولم يَتَّفق لي أن أسمع منه، ارتحل من تونس قبل السبعين وست مئة واستوطن مصر، وسمع من أصحاب أبي القاسم البُوصِيري، وأبي الفرج كُلَيب، وتأهَّل وجاءته الأولاد، ومات كهلًا أو جاوز الكهولة، وصارت المكتبة بعدُ إلى أولاده.
قال أبو بكر بن الزُّبير الغرناطي: كان أبو بكر ظاهريًا، أجاز له نحو من أربع مئة شيخ، انتقل إلى حصن القصر ثم إلى طَنْجة وأُقرَّ بجامعها، وأمَّ وخطب، ثم انتقل إلى بِجَاية فخطب بجامعها، ثم طُلِب إلى تونس فدرَّس بها وخطب، إلى أن قال: وكان على طريقة الشيخ أبي العباس النَّباتي، إلّا أن النباتي أشهرُ بالورع والفضل التام، كتب إليَّ بالإجازة. قلت: بلغني أنَّ الإمام أبا محمد بن هارون الكلابي كان يلازم مجلس الخطيب أبي بكر للفقه والنظر، وسمع من لفظه "صحيح البخاري" وتفسير أحاديثه، أملاه من صدره.
أخبرنا عبد الله بن محمّد بن هارون الطائي وأبو بكر محمد بن أحمد، أخبرنا أبو محمد الزُّهري، أخبرنا أبو الحسن شريح بن محمد، أخبرنا ابن منظور، أخبرنا أبو ذرّ عبد بن أحمد الحافظ، أخبرنا أبو محمد بن حَمَّوَيه ومحمّد بن مكِّي وإبراهيم بن أحمد المُستَمْلي، قالوا: أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل (^١)، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ قال: "لا تزال
_________________
(١) هو البخاري، وهو في صحيحه برقم (٧٣١١).
[ ٢٩ / ٣٣ ]
طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين حتى يأتيَهم أمرُ الله وهم ظاهرون".
وقرأ به على الحسين بن أبي نصر وجماعة قالوا: أخبرنا الحسين بن المبارك، وقرأ به على الحسن بن علي، أخبرنا عبد الله بن عمر، قالا: أخبرنا أبو الوقت عبد الأوّل بن عيسى، أخبرنا عبد الرَّحمن بن محمد، أخبرنا ابن حَمَّوَيه، فذكره بعلو درجتين.
ومات معه في سنة سبعٍ: القدوةُ محدِّث خراسان سيف الدين سعيد بن المطهَّر الباخَرْزي، ومسند مصر ضياء الدين محمد بن المُحِب بن النَّعّال الصائن، وصاحب الشام الناصر يوسف ابن الملك العزيز محمد بن غازي، قتل صبرًا بأَذربيجان، ومدرس الجَوْزيَّة شرف الدين الحسن بن عبد الله ابن الحافظ عبد الغني الحَنْبلي كَهْلًا، والمسند أبو العباس أحمد بن حامد بن أحمد بن حمد الأَرْتاحي عن خمس وثمانين سنة، والواعظ الإمام جمال الدين عثمان بن مكِّي بن عثمان السَّعْدي الشارعي بمصر، والمسند ضياء الدين محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن مَغْنِين المَتِّيجي الإسكندراني، والقاضي كمال الدين محمد ابن قاضي القضاة عبد الملك ابن عيسى بن دِرْباس الحَوراني المصري، والمسند ركن الدين مكِّي بن عبد الرزَّاق بن يحيى الزبيدي المَقدِسي ثم الدمشقي، وآخرون.