الشيخ الإمام العلّامة الفقيه المجتهد، حُجّة الإسلام، شيخ الإسلام، عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن، السُّلَمي الدمشقي الشافعي، صاحب التصانيف.
وُلد سنة سبع وسبعين وخمس مئة، أو في التي بعدها.
وسمع حضورًا من: أحمد بن حمزة بن المَوَازيني، وبركات بن إبراهيم
_________________
(١) (*) تاريخ الإسلام: ١٤/ ٩٣٥، الوافي بالوفيات: ١٩/ ١٩٧. (**) تاريخ الإسلام: ١٤/ ٩٣٣، الوافي بالوفيات: ١٨/ ٣١٨.
[ ٢٩ / ٣٧ ]
الخُشُوعي، وسمع من: عبد اللطيف بن أبي سعد، والقاسم بن عساكر، وعمر بن طَبَرزَد، وحَنبَل بن عبد الله، وأبي القاسم الحَرَستاني، وطائفة من المشايخ، ولم يكثر من السَّماع.
حدَّث عنه: الدِّمْياطي، وابن دقيق العيد، وأبو الحسين اليُونِيني، وشهاب الدين بن فَرْح، والقاضي جمال الدين محمّد بن سُومَر المالكي، وعَلَم الدين الدُّويداري، وخطيب حلب أبو عبد الله بن بَهْرام، والمصريون.
وبرع في العربية والأصول، وبلغ رتبة الاجتهاد، وتخرَّج به الأصحاب، وانتهت إليه معرفة المذهب، مع الذكاء المفرط، وسَعَة المعرفة، وفقه النفس، والعبادة والنُّسك، والقول بالحق المُرّ، وقد ولي خطابة دمشق بعد الجمال الدَّولَعي.
قال الشريف عز الدين في "الوفيات" (^١): حدَّث ودرَّس وأفتى وصنَّف، وولي الحكمَ بمصر مدة، والخطابةَ بجامعها العتيق، وكان عَلَمَ عصره في العلم، جامعًا لفنونٍ متعددة، عارفًا بالأصول والفروع والعربية، مضافًا إلى ما جُبِلَ عليه من ترك التكلُّف والصَّلابة في الدِّين، وشهرتُه تُغْني عن الإطناب في وصفه.
قلت: ولي الخطابةَ، فلمّا تملَّك دمشقَ الملكُ الصالح إسماعيل وأعطى الفرنج الشّقيف وصفد، تألَّم الشيخ ونال من الصّالح، وترك الدعاء له في الخطبة عمدًا، فعزله واعتقله ثم أطلقه، فخرج هو وابن الحاجب إلى مصر، فتلقَّاه السلطان عم الملك وبالغ في احترامه إلى الغاية.
واتفق موتُ قاضي القاهرة شرف الدين ابن عين الدولة، فولي بعده
_________________
(١) صلة التكملة: (٨٤٧).
[ ٢٩ / ٣٨ ]
قاضي القضاة بدر الدين السِّنجاري، وولي قضاء مصر نفسها والوجه القِبلي الشيخ عز الدين، مع خطابة جامع مصر، فاتفق أن بعض غلمان الصاحب معين الدين ابن الشيخ بني بنيانًا على سطح مسجد بمصر، وجعل فيه طبلَخاناه الصاحب فأنكر الشيخ عز الدين ذلك، ومضى بجماعته وهدم البناء، وعلم أنَّ السلطان والصاحب حَنَقا من ذلك، فأشهد على نفسه بإسقاط عدالة مُعين الدين وعَزْل نفسه عن القضاء، فعَظُمَ ذلك على السلطان، فكتب له بعزله عن الخطابة وإلّا شنّع على المنبر، كما فعل بدمشق، فعزله، فأقام في بيته يُشغل الناس.
وكانت عنده من الأمير حسام الدين بن أبي علي شهادةٌ تتعلق بالسلطان، فجاءه لأدائها، فبرز يقول للسلطان: هذا ما أقبلُ شهادته، فتأخَّرت القضية، ثم أُثبتت على السنجاري. وله أفعال من هذا الجنس محمودة.
وقد رحل إلى بغداد، فأقام بها أشهرًا، وذلك في سنة سبع وتسعين.
ونقلت من خط عبد الملك بن عساكر: أنَّ الشيخ عز الدين لما وليَ خطابة دمشق فرح به المسلمون، إذ لم يصعد هذا المنبر من مدة مديدة مثلُه في علمه وفهمه، وكان لا يخاف في الله لومةَ لائم لقوة نفسه، وشدة تقواه، فأمات من البِدَع ما أمكنه، فغيَّر ما ابتدعه الخطباءُ وهو لبسِ الطَّيلسان للخطبة، والضرب بالسيف ثلاث مرات، وإذا قعد لم يؤذن إلّا واحد، وترك الثناء ولزم الدعاء، وكانوا يقيمون للمغرب عند فراغ الأذان، فأمرهم بالتمهُّل في سائر المساجد، وكانوا دُبُر الصلاة يقولون: إنَّ الله وملائكته يصلُّون، فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له،
[ ٢٩ / ٣٩ ]
الحديث، ولمَّا بعث إليه الملك الظاهر يقول: عيِّن مناصبك لمن تريد من أولادك، فقال: ما فيهم من يَصلُح، وهذه المدرسة الصالحية تصلح للقاضي تاج الدين، ففُوِّضت إليه بعده.
قال قطب الدين بن اليُونيني (^١): كان ﵀ مع شدته فيه حسنُ محاضرة بالنوادر والأشعار، وكان يَحضُر السَّماع، ويرقص ويتواجد.
مات في عاشر جمادى الأولى سنة ستين وست مئة، وشهد جنازته الملك الظاهر والخلق، وقال أبو شامة: شيَّعه الخاصُّ والعامُّ، ونزل السلطان، قال: وعمل التعزية في جامع العُقيبة.
قلت: كان مقتصدًا في لباسه، تاركًا للتكبُّر، مقدمًا في العلم والعمل، ومن نظر في تصانيفه عرف قدره.
حدَّثني أبو الحسن بن العطَّار عن جدي: أن والد الشيخ عز الدين كان نجارًا، وكان يؤم بمسجد الرَّحبة، ويؤدب الصبيان، وقال لي أبو الحسَن: إنَّ الصالح تلقّاه وبالغ في إكرامه، وبنى له في الصالحية.
قلت: حضر يومَ بيعة المستنصر أحمد فكان أوّلَ من بايعه، وتلاه الملكُ الظاهر، وقد ألَّف "القواعد الكبرى" (^٢)، وفيها نفائس وبدائع.
_________________
(١) ذيل مرآة الزمان: ٢/ ١٧٥.
(٢) المسمَّى "قواعد الأحكام في مصالح الأنام"، وقد قال في هذا الكتاب ٢/ ١٨٦ فيما يخصُّ الرقص عند السَّماع: وأما الرقص والتصفيق فخِفَّة ورُعونة مشبهة لرعونة الإناث، لا يفعلها إلا راعن أو متصنِّع كذاب، وكيف يتأتى الرقصُ المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبُّه وذهب قلبُه، وقد قال ﵇: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، ولم يكن أحد من هؤلاء الذين يُقتدى بهم يفعل شيئًا من ذلك. وإنما استحوَذَ الشيطانُ على قوم يظنون أن طربهم عند السماع إنما هو متعلِّق بالله ﷿، =
[ ٢٩ / ٤٠ ]