الصاحب العلّامة المفتي رئيس الشام كمال الدين أبو القاسم عمر ابن القاضي أبي الحسن أَحمد ابن القاضي الكبير الخطيب أبي الفضل هِبَة الله بن محمد بن هبة الله ابن قاضي حلب أبي الحسن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جَرَادة عامر بن ربيعة بن خُويلد بن عوف بن عامر بن عُقَيل، الفقيه، الهَوَازِنِي العُقيلي الحلبي الحنفي الكاتب المؤرِّخ، المعروف بابن العَدِيم.
ولد سنة ثمان وثمانين وخمس مئة.
وسمع من: أبيه، وعمه أبي غانم، وأبي حفص بن طَبَرزَد، والافتخار عبد المطلب، والتاج الكِنْدي، وابن الحَرَستاني، وأبي عبد الله بن البَنّاء، والشمس العطَّار، وثابت بن مشرِّف، وبهرام الأتابكي، وابن البُنّ، وابن صَصْرى، وأبي محمّد ابن الأستاذ، والشهاب ابن راجح، والشيخ العماد فخر الدين بن تيميّة، وأبي علي الأَوَقي، ومحمد بن عمر العُثماني، وخلِق كثير من حلب ودمشق والقدس والحجاز والعراق ومصر، وأجاز له المؤيَّد الطُّوسي، وزينب، وعبد المعزّ الهروي، وعدّة.
وكان من رجال الدهر علمًا ونُبلًا وذكاءً، ورأيًا ومنظرًا وبهاءً، وسؤدِدًا وفقهًا، وكتابةً وإنشاءً، درَّس وأفتى وصنَّف، وتَرسَّل عن الملوك، وبحُسن
_________________
(١) = ولقد مانُوا فيما قالوا، وكذبوا فيما ادَّعَوْا. انتهى، قلنا: فلعلَّ ما نقله عنه اليونيني من أنه كان يرقص ويتواجد عند السماع، إنما كان ذلك في أول أمره ثم أقلع عنه، وهذا هو اللائق بحاله وسَعَة علمه ﵀. (*) تاريخ الإسلام: ١٤/ ٩٣٧، الوافي بالوفيات: ٢٢/ ٢٥٩.
[ ٢٩ / ٤١ ]
خطِّه يُضرَب المثل، وإليه يشير الصاحب فتح الدين بن القيسراني فيما أنشدَناه:
بوجه معذِّبي آياتُ حُسنٍ … فقل ما شئتَ فيه ولا تُحاشي
ونسخةُ حُسنِه قُرئت فصحَّت … وها خطُّ الكمال على الحواشِي
حدَّث عنه: ولده القاضي الصاحب مجد الدين عبد الرحمن، والدمياطي، وعلم الدين الدُّويداري، والكمال بن النحّاس، وبدر الدين التاذِفي، وجماعة.
ذكره الدِّمْياطي فبالغ في تقريظه، وأسهب وأغرب، قال: ولي القضاءَ بحلب خمسةٌ من آبائه، وله الخط البديع، والحظ الرفيع، والتصانيف الرائعة، منها "تاريخ حلب"، أدركته المنيَّةُ قبل إكمال تبييضه، وكان بارًا فيَّ حفيًّا محسنًا إليّ، يُؤْثرني على أقراني، وصحبته بضع عشرة سنة مقامًا وسفرًا، ورافقته كَرَّتين من بغداد إلى دمشق، وأخذت عنه في البلاد من علمه ونَظْمه، وأخذ عني بسامُرّاء، وكان غزير العلم، خطير القَدْر، لا يُرَى مثله، وقد عدَّلني تعديلًا ما عدَّله أحدًا، وذلك أن قاضي دمشق التَمَسني منه ليعدِّلَني، فامتنع بسببِ ما جرى من القاضي، فطَفِقَ الرسول يتضرَّع إليه ويسأله حتى أَذن، فغدوتُ معه، فأخرج لي القاضي ملبوسًا فاخرًا، فلبسته وأشهدَني عليه ورجعتُ راكبًا على بغلته إلى منزلي.
وقال الشريف عز الدين (^١): كان ﵀ جامعًا لفنون من العلم، معظَّمًا عند الخاصّة والعامّة، وله الوَجَاهة التامة عند الملوك، جمع تاريخًا لحلب كبيرًا أحسن فيه، ومات وبعضه مسوَّدة، ولو كمل لكان
_________________
(١) صلة التكملة: (٨٥٠).
[ ٢٩ / ٤٢ ]
أكثر من أربعين مجلدًا، سمعت منه واستفدت به.
قلت: من نظر في التاريخ المذكور، علم حالةَ هذا الرجل ورُتْبته في العلم، وقد ناب بدمشق في السلطنة عن الناصر وعلَّم عنه، وارتاد إلى مصر، وقد حكى في "تاريخه": أنه دخل مع والده على صاحب حلب الملك الظاهر غازي، وأنه هو الذي حسَّن له جمع تاريخ حلب.
قلت: توفي بظاهر القاهرة في عشرين من جمادى الأولى سنة ستين وست مئة، ودفن بسفح المقطَّم.
وفيها مات العز الضرير الفيلسوف، والتاج عبد الوهّاب ابن زين الأمناء، ونقيب الأشراف، والضياء عيسى بن سليمان بن رمضان القَرَافي، ومحمد بن سليمان الصِّقِلي الدلَّال، وأبو بكر محمد بن فُتوح بن خلوف الإسكندراني، وأبو بكر بن علي بن مكارم المصري.