الشيخ القُدْوة الإمام بركة المسلمين، أبو القاسم محمد بن منصور، الإسكندراني، المالكي القَبّاري الزاهد.
مولده في سنة سبع وثمانين وخمس مئة، نقله قطب الدين اليُونيني.
قال أبو شامة (^١): كان مشهورًا بالزهد والورع، وكان في غَيطٍ له هو فلَّاحه، يخدمه ويأكل من ثمره وزرعه ويتورَّع في تحصيل بذره، حتى
_________________
(١) (*) تاريخ الإسلام: ١٥/ ٦٧.
(٢) ذيل الروضتين: ٢٣١.
[ ٢٩ / ٦١ ]
حُكي: أنه كان إذا رأى ثمرة ساقطة تحت أشجاره لم يأكلها، خوفًا من أن يكون أتى بها طائر. اجتمعتُ به سنة ثمان وعشرين وست مئة، فصادفناه يستقي على حمار يسقي غيطَه من الخليج، فقدَّم لنا ثمرًا.
قال: وحدَّثني القاضي ابن خلِّكان عن المجد بن الخليلي: أنَّ الأثات المخلَّف عن القبّاري ثمنه نحو خمسين درهمًا، بيع بنحو من عشرين ألفًا.
قال الشريف عز الدين (^١): هو أحد المشهورين بكثرة الورع والتحرِّي، والمعروفين بالانقطاع والتخلِّي، وترك الاجتماع بأبناء الدنيا، والإقبال على حالته، وطريقته قَلَّ أن يَقدِرَ أحد من أهل زمانه عليها، لا نعلم أحدًا في وقته وصل إلى ما كان عليه من خشونة العيش، والجِدِّ والعمل والانجماع، والتحرُّز من الرياء والسُّمعة، كان يزوره الملوك فمَن دونهم فلا يكاد يجتمع بأحدٍ منهم، وبالجملة لم يترك بعدَه مثلَه.
قلت: كان قد غَلَبَ على نفسه في إفراط الورع، بحيث إنه يتورع عن أشياء لا يرتابُ فقيهٌ في إباحتها، وهو نوع من الوَسْواس المحمود، وغلبة الحال حاكمةٌ على العلم من بعض الزهاد، فيفعل ذلك ولا يوجبه على غيره، بل ولا على نفسه، ويذكرون قوله ﵇: "دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك" (^٢)، وقوله ﵇ ورأى تمرة على فِراشه: "لولا أني أخشى أن تكون من الصَّدَقة، لأكلتُها" (^٣)، فلولا ارتيابٌ وقع لهذا الشيخ لما بالغ في شيء من ذلك، وقد كان صادقًا في حاله مخلِصًا، كبيرَ القَدْر.
_________________
(١) صلة التكملة: (٩٣٤).
(٢) أخرجه أحمد (١٧٢٣)، والترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٥٧١١) من حديث الحسن بن علي ﵄، وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه البخاري (٢٤٣١)، ومسلم (١٠٧١) من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٢٩ / ٦٢ ]
وللمجتهد أجران إن وافق السنّةَ، وأجرٌ واحد فيما خالفها لأنه حريصٌ جدًّا على اتباعها، مجتهد في فَكَاك رقبته ولا يوجب ذلك على غيره، فالله تعالى لا يسأله: لمَ لا أكلتَ كلَّ مباح؟ بل يسأله: لمَ أكلتَ الحرام؟ ويسأله: لمَ حرَّمتَ على عبادي ما أبحتُ لهم، مع علمك بإباحته؟ ويَعذِره فيما وقع منه بجهل، لا في تمام التورّع بالعلم، وذلك حال الأنبياء وأتباعهم، مع أنَّ لهم فيه شرائع وطرائق، كطريقة عيسى ﵇ في سِياحته وتركه للدنيا، وكطريقة سليمان ﵇ في التوسُّع من الدنيا، وكطريقة إبراهيم الخليل في قِرَى الضيف، وأكملُ الطرائق الطريقة المحمدية الحنَيفية السَّمْحة، من التنوع في الأمر مع التوسّط في الأشياءِ، فقد عزَّ المتَّبِعُ لها، العالمُ بتفاصيلها.
لكن في هذه الأُمة أفراد من السادة لكلٍّ منهم نهج ومألوف وعادة واقتداء، فإذا تفكَّرتَ في أحوال كبراء الصحابة، وجدتَ كلَّ واحد منهم قد برز في حال من الأحوال؛ هذا في الجِدّ، وهذا في فنٍّ من العلم، وهذا في قول الحق المُرّ، وهذا في الزهد والتقلُّل، وهذا في البرّ والبذل في المعروف، وهذا في القيام، وهذا في العبادات والتهجُّد والخشوع، وهذا في الوضوء والنظافة ولزوم الصمت، إلى أمثال ذلك من الدِّين وأمور الخير، فلا تكن فظًّا غليظًا على أهل الخير، مع بِطالتك وكَسَلِك، واحذر بعملك الشُّبهة، نعم لا تجعل اجتهاد العباد والوَرِعين قدوةً وحُجّة، بل زِنِ الأعمال بالكتاب والسنة، وانظر إلى كبير حسنات المؤمن، ولا تعبث بغلطته المغفورة، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا.
وقد رأيت مجلدًا لطيفًا في مناقب القبّاري ﵀، جمعها الشيخِ
[ ٢٩ / ٦٣ ]
ناصر الدين أحمد بن المنيِّر عالم وقته بالثَّغْر، قال: وقد كان الشيخ في مبدئه قد حُبِّب إليه سماعُ العلم وبُغِّض إليه تناولُ غير ميراثه من أبيه، فلا يُذكَر عنه في أمره أنه قَبِلَ من أحد لُقْمة، وكان يَحضُر مجالس العلم على ثِقَل سمعه، ثم يسأل من يعيد له بصوتٍ عال كلام المدرِّس. وكان قلَّ أن يدعو لأحد، فإذا طلب منه قال: ما تحتاج، وربما يقول: لا أشتهي لأحد إلّا خيرًا، وأودُّ لو كان كلُّ الناس على الخير.
قال لي مرةً: يطلب أحدهم مني الدعاءَ بلسانه، ويظهر لي من قرائن أحواله أنَّ قلبه غافل، وأنَّ نفسه قاسية على نفسه، وكيف أرقُّ عليها وكيف أدخلها الرِّقة، قال: حضر عندي كبير في غاية البَذَخ وفاخر الملبوسِ وعلى الباب المراكب الثمينة، وبين يديه المماليك، وهو يتحدث مع رفيقه، ثم سألني الدعاءَ فأجريتُه على العادة، فناقشني فقال: يَصعُب عليه هذا، قلت: ألستَ تعلم أنَّ الدّعاء طلبُ الضعيف من الرَّب الرحيم؟ قال: بلى، قلت: أيُطلَب منه برِقَّة أم بقسوة؟ قال: برِقّة، قلت: ما أجدُها عليك ولا أجدها منك، فبأيِّ أدعو.
وقال لي: أقمتُ زمانًا أصافحُ تمسُّكًا بالحديث، ثم وجدتُ النفس عند المصافحة تتصرّف في الإنسان، فرُبَّ من تبسطُ له الكفَّ بسرعة وآخر تتكلّف له فقلت: العدل خير من المصافحة، فتركتها، ومالكٌ يقول: ليست من عمل الناس، وربما قال: الأمر فيها واسع.
قال: وجاء والي الإسكندرية، وقال: تأذن لي إذنًا عامًّا كلما أردتُ أن أجيء؟ قلت: لا آذنُ لك، لأنكم كالمَرَض. وقال: لو علمتُ أنَّ الملوك لا يأخذهم الغرورُ بإقبالي عليهم لأقبلتُ، ولو علمتُ قابلًا للنَّصيحة لأتيتهِ،
[ ٢٩ / ٦٤ ]
لمّا جاء الكاملُ خطر له أن يجيءَ إليّ وجاءت مقدِّمات وحُجَّاب، وأنا أسلُق فُولًا، فقلت لرجلٍ أن يُحالَ بيني وبينه، فلمّا وصل قال له ناصحٌ: المملكة عظيمة، إن أَذِنَ لك صرفَك كالآحاد، ونصحك بما لا تُطيقه، والمصلحة الاقتصارُ على الباب، فقال: حَصَلَت النيةُ، وانصرف.
قال: قرأتُ على القَبّاري كثيرًا من "رسالة القُشيري"، فقال لي يومًا: ما أحب أن أسمع شيئًا خارجًا عن الكتاب والسُّنة، وكان يرجِّح كلام الفقهاء. إلى أن قال: وكان إذا سئل عن مسألة ذُكر فيها نصُّ مالك له سأَل عن دليلها، ويقف مع الكتاب والسنة. ولقد رأيته يدقِّق على الأذكياء، فإن لم يقدر رجع إلى الاحتياط بالترك أو بالتشديد على النفس، وكان كثيرًا ما يطلب مذهب أحمد، ويقول: كان صاحب حديث، ويذكر أنه سمع "مسنده" بمكة، وما أظنه سمع شيئًا فنسيه، وكان يحفظ "الجمع بين الصحيحين" من زمن الصِّبا. وكان قلَّ أن يتكلَّم إلّا مبتسِمًا، وكان إذا أقبل على مقدّمات الصلاة كأنه مصاب أصابه الألم والجُذَام.
توفي في شعبان سنة اثنتين وستين وست مئة وهو في عَشْر الثمانين، وقد استوفيتُ سيرته في "تاريخ الإسلام".