القان طاغية التتار، هولاكو بن تولي ابن ملك التتار جَنْكِزْخان المَغُلي.
أصله من براري الصين مما يلي السِّند، فهم أعراب تلك النواحي، فطلب منهم ملك الخَطَا طاعته، فقوَّوا نفوسهم وامتنعوا، فقصدهم فحاربوه بعد سنة ست مئة فهزموه، وكان رأسهم القان جَنْكزخان جدّ هولاكو، وكان من دُهاة المغل وأبطالهم، فساق بهم حتى استولى على مملكة الخَطا والصين، واشتد بأسه وخافته الملوك، وطوى الممالك قتلًا وسبيًا، وأباد البلاد، وخرّب المدائن، واستأصل بلاد الترك ومملكة ما وراء النهر وبَلْخ ومَرْو ونيسابور وهَرَاة وخوارزم والعجم، وهزم الجيوش، وكاد أن يملك الدنيا، ولا يعرفون إسلامًا ولا ملة، ولا بهم رحمة، بل لَذَّتهم في سفك الدماء وإفناء بني آدم، وتخريب المعمور، وهم موصوفون بالشجاعة والإقدام على المهالك، وقوة الأبدان، وجَوْدة الرمي، وفَهْمٍ على بَلَادة، وفيهم دهاء ومكر، ولهم فكر وغُول (^١)، فخافتهم الملوك، ودخلت بهم الرعايا، وعمَّت المصائب، وأرعبوا الخلائق، وتملك جنكزخان إلى أن مات في رمضان سنة أربع وعشرين وست مئة، فقام بعده أولاده، فاستمر بهم المُلك.
_________________
(١) (*) تاريخ الإسلام: ١٥/ ١٠٥، الوافي بالوفيات: ٢٧/ ٢٣٣.
(٢) الغُول بالضم: الهَلَكة، وكل ما أهلك الإنسان فهو غُولٌ.
[ ٢٩ / ٧٣ ]
وفي سنة أربع وخمسين وست مئة سيّر القان مونكوقا صاحب الخَطَا أخاه هولاكو في جيش عظيم، وطئوا البلاد، وحاصروا قلعة الألَمُوتِ وأخذوها بأمان، ثم غدروا بصاحبها شمس الشموس الصَّباحي وقتلوه.
وقال القطب اليونيني (^١): كان هولاكو من أعظم ملوكهم، شجاعًا جَلودًا مدبِّرًا ذا همة عالية، وسطوة ومهابة ونهضة تامة، وخبرة بالحروب، ومحبة في العلوم العقلية، من غير أن يعقل شيئًا منها، واجتمع له فضلاء الوقت، وجمع حكماء مملكته وأمرهم أن يرصدوا الكواكب. قلت: غوّاه بذلك الطوسي الفَيلَسوف.
قال: وكان يطلق لهم الأموال والبلاد وهو على قاعدة المغل في عدم التَّقيُّد بدين، لكنَّ زوجته تنصَّرت وكان سعيدًا في حروبه وحصاراته، طوى البلاد، واستولى على الممالك في أيسَر مدّة، وفتح خراسان وفارس وأذربيجان وعراق العجم وعراق العرب والجزيرة والشام، وديار بكر، والروم، وقتل خليفةَ الوقت وأكابر، دولته وقتل الناصر وأخاه الظاهر، وقتل الكامل صاحب مَيّافارقين، ويقال: إنه خطب بنت ملك الكُرْج، فأبت إلّا أن يسلم، فأسلم لافظًا بالشهادتين، نقل ذلك الظَّهير الكازَرُوني في "تاريخه"، وقد وقع بينه وبين ابن عمه القان بركة صاحب مملكة القَفْجاق، فالتقوا، وانهزم هولاكو، فأخذ يجمع العساكر ليلتقيه ثانيًا، فمرِض بعِلَّة الصَّرَع وهي تعتريه كثيرًا، وتعلل ومات في سنة ثلاث وستين وست مئة عن بضع وخمسين سنة، فأخفَوا موته وصبَّروه، ووُضع
_________________
(١) ذيل مرآة الزمان: ٢/ ٣٥٧.
[ ٢٩ / ٧٤ ]
في تابوت وملّكوا ابنه أباقا (^١).
وكان موت هولاكو سابع ربيع الآخر سنة ثلاث وستين، وخلَّف تسعة عشر ذكرًا: أبغا الذي تمّلك، وأشموط، وتمشين، وتكشي، وأجاي، ويستز، وأحمد، ومنكوتمر، وباكودر، وتُغابي دمر، وأرغون.
وقُتِل أبوه تولي في مصافٍّ بينه وبين جلال الدين سنة ثماني عشرة وست مئة.
قلت استولى على قلعة الألَمُوت، ثم على قزوين، وفِرَبْر، ومَلَك الناحية، وإقليم الروم، ثم قصد العراق وهمَذَان، ومرّ بحُلْوان.
وفي تاسع المحرَّم سنة ست وخمسين وست مئة أحاطوا بجانبي بغداد، فخرج إليهم العسكر مع الدُّوَيدار، فالتقوا بقنطرة الحربيَّة يوم تاسوعاء، فانهزموا، وقُتل خلق من التتار، ثم صاحب المغول، وحالوا بين العسكر وبين البلد، ومزقوهم.
ثم نزلت التتار وراء الجانب الغربي، وعملوا أسوارًا على دجلة، تمنعهم من أهل الجانب الشرقي، ورموا بالنُّشَّاب، فوقع سهم صغير بدار الخلافة، فانزعج المستعصم، ونزل هولاكو تجاه السور في رابع عشر محرم، فشرعوا في حفر خندق عليهم وبناء سور، وقعد الناس على سور البلد في السلاح، ثم دار بهم رَشْقٌ، فلا ينفع نُشّابهم ونُشّاب العدو يُنكي. ثم بَرَزَ الوزير في عدد فمنع الناس من الرمي، وقال: الحال يصلح. فبقي نحو ثلاثة أيام ودخل، ثم رجع يوم سادس عشر وخرج عبد الرّحمن ابن الخليفة، ثم إنَّ الوزير أخرج الخليفة يوم ثامن عشر من المحرَّم والدُّوَيدار
_________________
(١) ويقال في اسمه أيضًا: أبغا.
[ ٢٩ / ٧٥ ]
وسليمان شاه ثم الأمراء وأحمد ابن الخليفة في ثاني صفر وبُذِلَ السَّيف في البلد في خامس صفر، ودام طوفان الدماء، وقُتل الخليفة يوم رابع عشر صفر، ودفن وعَفَى أثره، وقتل ابنه أحمد وله خمس وعشرون سنة، وابنه عبد الرَّحمن وله ثلاث وعشرون سنة، وسَلِمَ في الأسر ابنه مبارك وبناته فاطمة وخديجة، ومن ثَمَّ بقي يعمل السيف تسعة وثلاثين يومًا.
وللشمس الكوفي:
يا صاحبِي ما احتمالي بعدَ بُعدِهمُ … أشِرْ عليَّ فإنَّ الرأي مشتركُ
عزَّ اللقاءُ وضاقت دونه حِيَلي … فالقلب في أمره حيرانٌ مرتبكُ
أرُومُ صبرًا وقلبي لا يطاوعني … وكيف ينهض مَن قد خانه الوَرِكُ
يا نكبةً مانجا من صَرْفها أحد … من الورى فاستوى المملوك والملِكُ
تمكَّنَت بعد عزٍّ من أحبّتنا … أيدي الأعادي فما أبقَوا ولا تَرَكوا
رَبْعُ الهداية أمسى بعد أُنسهم … معطَّلًا ودم الإسلام منسفكُ
والشِّرك معتبَرٌ والمُلك منكسرٌ … والحق مستتِرٌ والسّتر منهتكُ
أين الذين على كل الورى حَكَموا … أين الذين وَلُوا أين الأُلَى هلكوا
أجابني الطَّلَل ورَبْعُهم الخالي … نعم هاهنا كانوا وقد هلكوا
لا تحسبوا الدمعَ ما في الخدود جرى … وإنما هي رُوح الصّمت تنسبكُ
وسَلِم أهل الكوفة، فإن أعيانهم توصّلوا إلى القان على لسان الحداد التاجر، فسَلِموا، وسلمت البصرة لعدم تمكّن المغل من العبور إليهم، لمكان المد والجزر، وخربت (^١) نصارى القرى من القتل، فكان من
_________________
(١) هنا كلام غير مفهوم في النسخة المعتمدة في طبعة دار الفكر.
[ ٢٩ / ٧٦ ]
قال للتتار: هواركون، رفعوا عنه السيف، وسَلِمَ من انضمَّ إليهم، وامتلأت بغداد من المُرّاق، وبقي الأطفال يتقلبون في الوحل إلى أن يموتوا، وجرى من الأهوال ما لا يعبَّر عنه، وأعلن الجائليق بضرب الناقوس، وسكر بدار الدُّوَيدار، فللَّه الأمر.
قال أبو شامة: قدم نحو المئتين من التتار إلى المسلمين، وذكروا أنَّ هولاكو كسره ابن عمه بَرَكة، فهرب عسكر هولاكو وشُتِّتوا، وأخبروا أنَّ ملك التتار الأكبر منكوخان توفي، وقام بعده أخوه غزي بكو، وكان أخوهما الأكبر قبلاي فاقتتلا، وهزموا عسكره، فلما سمع هولاكو عزَّ عليه وكره تملك غزي بكو، فسار والتقى بركة.
وأخبرني من أثق به: أنه اجتمع ببعض غلمان من كان في أسر التتار بحضرة صاحب حمص الأشرف، فقال: إنه حضر كسرة بركة لهولاكو، فقتل ابنه، فحشد هولاكو فالتقى بركة بناحية شروان، فقُتل من الفريقين خَلْقٌ عظيم، وانكسر هولاكو، وبقي السيف يعمل في جنده أيامًا، فهرب إلى قلعة أذربيجان، وقطع الطريق إليها، وبقي كالمحبوس فيها.
قلت: وأما قتلته فإنه استعجل أمره.
وتملّك وامتدت أيامه ثلاثين سنة، وداره خان بالق أُم الخَطا (^١)، وهو كالخليفة يحكم على ملوك التتار.