هو السيد الإمام العالم الحافظ القدوة الربَّاني، الصَّالح، العابد، الفقيه، شيخ الإسلام، تقي الدين أبو عبد الله محمّد بن أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي الرِّجال أحمد بن علي، اليُونيني البَعلَبَكِّي الحنبلي.
ذكر نسبه هكذا الشيخ قُطْب الدين في "تاريخه" (^١)، ورفع في ذلك فقال بعد علي: ابن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق ابن الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي ابن رَيْحانة رسول الله ﷺ الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي ﵉.
وحدَّث شيخنا الحافظ الثبت أبو الحسين علي: أن والده الشيخ الفقيه قال له قبل موته بقليل: نحن من ذرّية الحسين، وسَرَدَ له هذا النَّسب، فبينه وبين جعفر الصّادق أحد عشر نفسًا.
مولده في رجب سنة اثنتين وسبعين وخمس مئة بُيونِين.
وكان والده مرخّمًا ببعلبكَّ وبدمشق، فسافر وترك ابنه هذا عند أمه بدمشق بناحية الكُشك، ثم توفي، وكان في جوارهم أولاد أمير، فتردد محمد معهم إلى الجامع وتلقَّن أحزابًا، ثم خرج الصبيان إلى بستان،
_________________
(١) (*) تاريخ الإسلام: ١٤/ ٨٨٩، الوافي بالوفيات: ٢/ ٨٦.
(٢) ذيل مرآة الزمان: ٢/ ٣٨.
[ ٢٩ / ١٨ ]
فأسلمته أمُّه عند نشابي، فصار أُجرته في الشهر خمسة دراهم، ثم ذهب يومًا إلى ذلك المُقْرئ، فقال له: لمَ لا تلازم، فإنك يجيء منك شيء؟ فاعتذر بالصَّنعة، فأخرج له خمسة دنانير وقال: أنا أعطيك كل شهر هكذا، فذهب إلى أمّه وكلَّمها، فخَتَمَ عليه في مدة يسيرة.
وصَحِبَ الشيخَ عبدَ الله اليُونيني، فطلب له مجوِّدًا، فقال له: إن كتب محمّد مثلَك أعطيك مني ثلاث مئة درهم، فبَرَع بالكتابة، وشارَط المجوِّد رجلًا على نسخ كتاب في القصص بثلاث مئة، فكتب من أوله ورقة، وأعطاه محمّدًا فنسخه بخطه، ثم قال المجوِّد: قد برئت ذمةُ الشيخ عبد الله من الثلاث مئة.
ثم حُبِّبَ إليه الحديث، فأقبل على درسه حتى حفظ "الجمع بين الصَّحيحين" للحُمَيدي، وكان يتعفَّف، وربما يتجوَّع.
وقد سمع من التاج الكِنْدي، فكتب الطّبقة، فنظر إليه الكِنْدي فقال: هذا خطُّك، وهذا حظُّك.
قلت: ولبس الخِرقةَ من الشيخ عبد الله البَطَائحي صاحب الشيخ عبد القادر.
وكان الشيخ اليُونيني الكبير يربِّيه يُشفق عليه، وفقَّهه مدة على الشيخ موفق الدين، واشتغل على الحافظ عبد الغني في الحديث، وسمع من أبي طاهر الخُشُوعي وأبي تمّام القَلَانسي وحَنْبَل المكبِّر، وطائفة كثيرة، وقرأ على المشايخ الواردين ببعلبك كالقَزْويني وابن واصل والبهاء عبد الرَّحمن والشيخ الموفَّق وابن أبي الضوء، وروى الكثير، فحدَّث بـ "مسند الإمام أحمد"، وكرَّر على أكثره، وكان من أحفظ أهل زمامه وأذكاهم، يحفظ
[ ٢٩ / ١٩ ]
في الجلسة نحوًا من سبعين حديثًا.
حدَّث عنه: أولاده أبو الحسين الحافظ، وأبو الخير موسى صاحبِ "التاريخ" (^١)، وآمنة، وأمة الرحيم، وأبو عبد الله بن أبي الفتح النَّحْوي، وموسى بن عبد العزيز، والدِّمْياطي، وابن الظاهري، والطبري، وابن الخَبَّاز، والشيخ إبراهيم بن حاتم، والشيخ أبو الحسن بن حصن، ومحيي الدين يحيى بن المَقْدسي، وذبيان الدلَّال، ومحمد وإبراهيم ابنا بركات، ومحمّد بن المحبّ، وأبو عبد الله بن الزرَّاد، وعبد الرحيم بن الحبّال، وعلي بن المظفَّر الأديب، وعدّة.
قال ابن الحاجب في "معجمه": اشتغل الشيخ الفقيه بالفقه والحديث إلى أن صار إمامًا حافظًا، وصار مقدَّم الطائفة، لم يَرَ في زمانه مثلَ نفسه في كماله وبراعته، جمع بين علمي الشريعة والحقيقة، وكان حميد المساعي والآثار، حسن الخَلْق والخُلُق، نفَّاعًا للخلق، مطَّرحًا للتكلُّف، من جملة محفوظاته "الجمع بين الصحيحين"، وحَدَّثني أنه حفظ "صحيح مسلم" جميعه، وكرَّر عليه في أربعة أشهر، قال: وكان يكرر على أكثر "مسند أحمد" من حفظه، وأنه كان يحفظ في المرة الواحدة ما يزيد على سبعين حديثًا.
قال الشيخ قُطْب الدين: كان الوالد يصلي بالشيخ عبد الله، وحفظ "الجمع" و"صحيح مسلم" وأكثر "المسند"، وحفظ سورة الأنعام في يوم، وحفظ ثلاث مقامات من الحريرية إلى نصف نهار الظهر، وتزوج بستّ
_________________
(١) وهو قطب الدين اليونيني، ويكنى أيضًا أبا الفتح، وتاريخه هو المعروف بـ "ذيل مرآة الزمان".
[ ٢٩ / ٢٠ ]
زوجات، وخلّف خمسة أولاد عليًّا وخديجة وآمنة، وأمهم تركمانية، وموسى - يعني نفسه - وأَمَة الرحيم، وأمهما زين العرب بنت نصر الله. ثم قال: والنسب الذي ذكرناه، رواه عنه ولده أبو الحسين علي، فقال: أظهره لي أبي قبل وفاته، لأعلم أنَّ الصَّدقة لا تحلُّ لنا.
وكان الملك الأشرف يحترمه ويعظِّمه، وكذلك أخوه الصالح، ولما قدم الملك الكامل دمشق طلب من عند الملك الأشرف أن يجمع بينه وبين الشيخ الفقيه ليراه، فأُقدم من بعلبكّ، فلما رآه عَظُمَ في عينه، وأرسلَ إليه مالًا فلم يقبله، ولما تملَّك الملك الصالح نَجْم الدين أيوب البلاد، قالوا له عنه: إنه يميل إلى عمك إسماعيل، فبقي عنده منه شيء، فلما اجتمع به بالغ في إكرامه ولم يشتغل عنه بغيره، فلما فارقه أخذ في الثناء عليه، فقيل له: إلّا أنّه يحب عمك الصالح إسماعيل، فقال: حاشى ذاك الوجه المليح. وقد قدم في أواخر عمره دمشقَ في سنة خمس وخمسين السلطان الملك الناصر إلى زيارته بزاوية الفرنثي وتأدَّب معه، وعظَّمه واستعرض حوائجه، وكان ﵀ يكره الاجتماع بالملوك ولا يؤثره، ولا يقبل إلا هديّة من مأكول، ويجود.
قلت: قد خدمه مدةً شيخُنا علي بن زين الدين أحمد بن عبد الدائم، فقال: كان الشيخ الفقيه له أوراد لو جاء ملك من الملوك ما أخَّرها عن وقتها، وما كان يرى إظهار الكرامات، ويقول: كما أوجب الله على الأنبياء إظهارَ المعجزات، أوجب على الأولياء إخفاءَ الكرامات.
قال: وذكروا عنده الكرامات، فقال: ما لكم؟ أيش الكرامات، كنت عند الشيخ عبد الله وأنا صغير، فكان عنده بغادِدَة يعملون مجاهَدات،
[ ٢٩ / ٢١ ]
فكنت أرى من يخرج من باب دمشق، وأرى الدنيا قدامي مثل الوردة، فكنت أقول للشيخ: يا سيدي، يجيء إلى عندك أناس من دمشق ومعهم كذا وكذا، وناس من حمص ومن مصر، فإذا جاء ما أقوله، يقولون: يا سيدي، نحن نعمل مجاهدات وما نرى هذا، وهذا يرى! فيقول: هذا ما هو بالمجاهدات هذا موهبة من الله.
وذكر خطيب زَمْلكا ابنُ العز عمر في مناقب الشيخ: أخبرني إسرائيل بن إبراهيم العارف قال: طلب الشيخ الفقيه من عثمان شيخ دير ناعس قضيّة، قال: فقضيت الحاجة، فقال الشيخ الفقيه له: أحسنت يا شيخ عثمان، قال: فقال فقير لعثمان: يا سيدي، أنت ما عندك مثل الشيخ الفقيه، هلّا قام هو في هذا بنفسه، فقال: الخليفةُ إذا أراد أمرًا، يأمر بعضِ من عنده يقوم فيه.
قال الإمام فخر الدين عبد الرحمن بن يوسف الحنبلي: حدَّثني الشيخ عثمان قال: كان في خاطري ثلاث مسائل أريد أن أسأل الشيخ الفقيه عنها، فأجابني عنها قبل أن أسأله.
وقال شمس الدين حسين بن المَوّاق: كان الشيخ الفقيه حسنَ المحاورة ما كنت أشتهي أن أفارقه من فصاحته.
وذكر إبراهيم ابن الشيخ عثمان بدير ناعس عن أبيه قال: قُطِب الشيخ الفقيه ثمان عشرة سنة.
وقال الإمام تقي الدين بن الواسطي: رأيت للشيخ الفقيه رؤيا تدل على أنه أُعطيَ ولاية.
قال: وسمعت قاضي القضاة ابن الصائغ يقول: سأل الملك الأشرف
[ ٢٩ / ٢٢ ]
الشيخ الفقيه بأن يريه كرامةً، قال: أيش هذا، فلما أراد الخروج بادر الأشرف فقدم مَدَاسه، فقال الشيخ: هذا الذي كنت تطلب قد رأيتَه، أنت الملك الأشرف ابن الملك العادل، وأنا ابن واحد من يُونين، تقدّم مداسي.
حدثني شيخنا أبو الحسين: أنَّ أباه توضأ بقلعة دمشق على البِركة، فلما فرغ رأيت الملك الأشرف نقض لفّةً من عمامته لأبي يستنشف بها.
قال ابن الحاجب: كان الشيخ مليح الشيبة، حسن الشكل والصورة، زاهدًا وقورًا، ظريف الشمائل، مليح الحركات، حميد المساعي، بَشُوش الوجه، له الصِّيت المشهور، والإفضال على المنتابين، وكان من المقبولين المعظَّمين عند الملوك.
قلت: سمعت شيخنا أبا الحسين يقول: قدم الملك الأشرف بعلبكَّ فجاء إلى دار، والدي، فنزل ودقَّ، الباب فقيل: من ذا؟ فقال: المملوك موسى.
توفي الشيخ الفقيه في تاسع عشر رمضان سنة ثمان وخمسين وست مئة ببعلبكّ، ودفن عند الباب بجانب عبد الله اليونيني، وقبره ظاهر يُزار.
قرأت "الأحكام الكبرى" للحافظ عبد الغني على أبي الحسين الحافظ بسماعه من أبيه، بسماعه من المؤلِّف، وقرأت القراءات العشرَ على أبي الحسين بها بسماعه من جماعة سمعوها من السِّلَفي، وبسماعه من والده بإجازته الصحيحة والعامَّة من السِّلفي.
وأما ما ذكره من أنه علويٌّ شريفٌ، فشيء لم أعرفه ولا تحقَّقتُه، والله أعلم.
[ ٢٩ / ٢٣ ]