ابن توشي بن جنكزخان، صاحب دَسْت القَفجاق وصحراء سوداق وخُوَارزم وسراي، وهو ابن عمِّ هولاكو، فهو القان الكبير بركة بن توشي
_________________
(١) (*) تاريخ الإسلام: ١٥/ ١١١، الوافي بالوفيات: ١٠/ ٧٣.
[ ٢٩ / ٩٣ ]
ابن جنكزخان.
تملّك هذا الإقليم في سنة أربع وست مئة، وقهر الترك القَفجاقية، وقتل وسبى، وفي آخر أيامه أسلم هو وجماعة من أمرائه، وبعث رسولًا إلى السلطان الظاهر، ففرح بذلك وجهز إليه رسلًا وتُحفًا في البحر على مملكة الإسطنبول، فسُرَّ بقدومهم وأكرمهم، ثم حارب ابنَ عمه وانتصر.
قال اليونيني (^١): كان بركة يميل إلى المسلمين، وله عساكر عظيمة، ومملكته تفوق مملكة هولاكو من بعض الوجوه، وكان يعظِّم العلماء، ويعتقد في الصَّالحين، ولهم عنده حرمة، ومن أعظم الأسباب في وقوع الحرب بينه وبين هولاكو، كونه قَتَل الخليفة المستعصم ظلمًا، وكان يميل إلى صاحب مصر، ويعظِّم رسله، توجّه نحوه طائفة من أهل الحرم، فبرَّهم ووصلهم، وأسلم كثير من جنده، وعملوا مساجد في الخيم بأئمةِ ومؤذنين.
قال (^٢): وكان شجاعًا جوادًا حازمًا عادلًا حَسَن السِّيرة، وكره الإكثار من سفك الدماء، والإفراط في تخريب البلاد، وعنده حلم ورزانة وصفح، يعني أنه خير من هولاكو.
قال: ومات في عَشر الستين، سنةَ خمس وستين وست مئة، وتملّك بعده مَنْكُوتمر بن طُغَان بن سرطق بن توشي بن جنكزخان، فجهز جيوشه لحرب أبغا، فعمل أبْغَا على نهر كور جسرين من سلاسل عظيمة، وسار إلى جهة مَنكُوتمر، وسار حتى نزل على النهر الأبيض، فعدّى
_________________
(١) ذيل مرآة الزمان: ٢/ ٣٦٤.
(٢) المصدر السابق: ٢/ ٣٦٥.
[ ٢٩ / ٩٤ ]
مَنكُوتمر ونزل من جانبه الشرقي، ونزل أبغَا من جانبه الغربي، وتهيّؤوا للّقاء، فحرك أبغا كُوساته، وقطع النهر على مَنكُوتمر، ثم تحامى عسكر مَنكُوتمر بعد الهزيمة وكرُّوا، فثبت لهم أبغا، ودام القتال إلى الليل، وانتصر أبغا، وهمَّ جيشه بنزوله على نهر كور، ثم شاور أمراءه في عمل سور من خشب على هذا النهر، فأشاروا بذلك، فقاس النهر، وذلك من حدِّ تَفْليس، وجعل في جزء كل مقدَّمِ مئةٍ عشرين ذراعًا، فأسرعوا في عمله، ففَرَغ في أسبوع، وجعل عنده تُرْكًا دائمًا.
ويقال: إنَّ عسكر مملكة بَرَكة - التي هي اليوم لأُزُبَك خان - يكونون أزيد من مئتي ألف فارس، ولا تزال الوحشة بينه وبين أولاد هولاكو، وهم في الغالب يحرِّشون بهؤلاء، وهؤلاء لا يطمعون في دخول مدينة سراوس إلى أولئك، وقد فشى الإسلام وعلا في الفريقين، ولله الحمد، فكان في ظهور التتار تمحيص وشهادة لأمم لا يحصيهم إلّا الله، وقد حُتفوا، وكان في ذلك انتشار الإسلام في قبائل الأتراك والمغول، وأسلم منهم أمم عظيمة وجاء أولادهم مسلمين، ولله أسرار في قضائه وقدره.
وقد ذكرنا مسير بركة إلى باب شيخ خراسان الباخَرْزي وكيف أسلم على يده.