الإمام العلّامة المجتهد الحافظ ذو الفنون، شهاب الدين أبو القاسم، عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان، المَقدسي ثم الدمشقي، الشافعي المُقْرئ المحدِّث النَّحْوي.
_________________
(١) (*) تاريخ الإسلام: ١٥/ ١١٤، الوافي بالوفيات: ١٨/ ٦٧.
[ ٢٩ / ٩٥ ]
ولد سنة تسع وتسعين وخمس مئة.
وتلا بالسَّبع سنة أربع عشرة على الشيخ عَلَم الدين السَّخَاوي، وسمع "الصحيح" من داود بن مُلَاعب والشمس أحمد بن عبد الله العطَّار عن أبي الوقت، وسمع "مسند الشافعي" من الشيخ موفَّق الدين بن قُدامة.
وارتحل إلى الإسكندرية وأخذ بها عن المُقْرئ أبي محمد عيسى بن عبد العزيز بن عيسى، وحُبِّب إليه طلب الحديث بعد أن بَرَعَ في القراءات والعربية والفقه والأصلين، فسمع لأجل أولاده من كريمةَ القرشية وإبراهيم بن الخُشُوعي وطائفة، وصنَّف شرحًا نفيسًا لـ "حرز الأماني"، واختصر "تاريخ دمشق" مرتين، وعمل في التاريخ وفي الفقه وغير ذلك، وألَّف في البسملة مجلدًا وسطًا يقضي له بالأهليّة والبراعة، وكان ملازمًا لطلب العلم وتأليفه، وإلى أن مات.
فيه سكونٌ وانجماعٌ عن الناس، وقناعةٌ، واطِّراحٌ للتكلُّف، ثم وليَ مشيخة الإقراء بالتُّربة الأشرفية، وتدريس مدرسة صغرى، ثم وليَ مشيخة دار الحديث الأشرفية.
ونُشرت فضائله، وكان على حاجبه شامةٌ كبيرة فاشتَهَر بأبي شامة.
أخذ عنه مشايخنا شرف الدين الفَزَاري وبرهان الدين الإسكندري وشهاب الدين حسين الكَفْري وزين الدين أبو بكر المِزِّي وعلي بن يوسف المقرئ وآخرون.
وله كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، و"شرح الحديث المقتفى في مبعث المصطفى"، وكتاب "ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري"، وكتاب "السِّواك"، وكتاب "كشف حال بني عُبيد" أصحاب
[ ٢٩ / ٩٦ ]
مصر، و"مقدمة في النحو"، و"مفردات القرّاء"، و"أصول الأصول"، و"شيوخ البيهقي"، و"شرح القصائد النبوية" للسَّخَاوي، وتصانيف جمّة شَرَعَ فيها ولم يتمَّها.
وغَلَبَ عليه الشَّيب، فذكر أنه بدأ به الشيبُ وله خمس وعشرون سنة، وكان ذا تواضع حكى لي من رآه راكبًا بهيمةً بين مدوّرين.
وله تأليف بديع في رد قواعد السنن إلى الأمر الأول، وكتاب "المرشد الوجيز في مسائل تتعلق بالكتاب العزيز" ونظم كتاب "المفصَّل".
وكان بينه وبين قوم شنآن، فلما كان في جمادى الآخرة من سنة خمس وستين وست مئة أتاه اثنان جبليّان إلى بيته بحِكْر طواحين الأُشنان، فدخلا في هيئة مستفتٍ، فضرباه وأثخناه وكاد أن يَتلَف، وذهبا، فصبر واحتسب، وقال:
قلت لمن قال: أمَا تشتكي … ما قد جَرَى فهو عظيمٌ جليلْ
يقيِّضُ الله تعالى لنا … من يأخذ الحقَّ ويشفي الغليلْ
إذا توكَّلنا عليه كَفَي … فحسبُنا الله ونعمَ الوكيلْ
تُوفِّي إلى رحمة الله في تاسع عشر رمضان من سنة خمس وستين، ودفن بمقبرة باب الفراديس، وهو معدود في أذكياء العلماء.
وفيها مات الخطيب كمال الدين أحمد بن أحمد بن أحمد المَقْدسي عن ستٍّ وثمانين سنة، والقدوة الشيخ إسماعيل بن محمد الكورانيَ، وبركةُ ملك القَفجاق، وناصر الدين حسين بن عزيز الأمير واقف القَيْمُرِيَّة، وقاضي القضاة تاج الدين عبد الوهّاب بن خلف العَلَامي ابن
[ ٢٩ / ٩٧ ]
بنت الأعزِّ كهلًا، وتاج الدين علي بن أحمد بن القَسْطلّاني، ومحمود الدَّشْتي الزاهد، والشمس يوسف بن مكتوم القيسي الحبّال، ومصنّف "الحاوي" نجم الدين القَزْويني.