الزاهد القُدوة بركة الشام، الشيخ أبو بكر بن قوام بن علي بن قوام بن منصور بن علي البالسي، جدُّ شيخنا الشيخ محمد بن عمر ﵏.
جمع شيخُنا حفيدُه له ترجمة طويلة في كراريس، وكان عابدًا ورعًا قانتًا، وافر النصيب، صاحب مقامات وأحوال.
مولده سنة أربع وثلاثين وخمس مئة، ونشأ ببالِس، وهي بُليدة صغيرة من أعمال حلب.
وكان كثير التواضع دائم البِشْر، وافرَ الدِّين، متّبعًا للسنَّة داعيًا لها، له مراقبة وتقوى ولزوم للآداب، وكان مقصودًا بالزيارة، انتفع بصحبته جماعة.
ومن كلامه في بدايته قال: كانت الأحوال تَطرُقني، وكنت أُخبر بها شيخي، فينهاني عن الكلام فيها، وكان عنده سوط، يقول: متى تكلَّمتَ في شيء من هذا ضربتك، ويقول: لا تلتفت إلى هذه الأحوال. وروى غير واحد عن الشيخ هذا، قال: لو لم يُؤذّن لي في الكلام ما تكلّمت.
قال حفيده: سمعته وأنا ابن ست سنين يقول لزوجته: ولدك قد أخذه قُطّاع الطريق الساعةَ، وهم يريدون قتله وقتل رفاقه، فراعها ذلك، فسمعته يقول: لا بأس عليك، فقد حجبتُهم عن أذاه وأذى رفاقه غير أنَّ مالهم يذهب، وغدًا يَقفُلون، فلما كان من الغد قفلوا، وكنت ممن تلقّاهم، وذلك سنة ثلاث وخمسين.
وحدَّثني الشيخ شمس الدين الخابُوري قال: وقع في نفسي أن أسأل
_________________
(١) (*) تاريخ الإسلام: ١٤/ ٩٠٢، الوافي بالوفيات: ١٠/ ١٥٣.
[ ٢٩ / ٢٦ ]
الشيخ عن الرُّوح، فلما دخلت عليه قال لي: أنت يا أحمد ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى قال اقرأ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]، وهذا شيء لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ، كيف يجوز لنا أن نتكلم فيه، فسألته عن قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وقلت: فقد عُبِدَ عيسى، فقال: تفسيرها ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١]، فقلت: يا سيدي، أنت تكتب ولا تقرأ، فمن أين لك هذا؟ فقال: يا أحمد، وعزَّةِ المعبود، لقد سمعت الجواب فيها كما سمعتُ سؤالك.
وقيل: همَّ الملك الكامل بزيارة الشيخ، ثم بعث إليه بخمسة عشر ألف درهم، فلم يقبلها وقال: ننفقها في الخير.
وحكى الدَّبَاهي: حدَّثني الفَلَك ابن الحَريمي قال: كنت في أمر ببغداد بالشام فزرتُ ببالس الشيخ أبا بكر، فقال: أهلك سلموا إلّا أخاك، وهم في مكان كذا وكذا وقِبالة الدَّرب الذي هم فيه شجر. فقدمت بغداد، فوجدت الأمر كما أخبرني.
وكان الشيخ يُلزِم أصحابه بقيام الليل ويحثّهم على الاكتساب ويقول: أصل العبادة أكل الحلال والعمل في سُنّة. وكان شديدَ الإنكار على أهل البدع، رجع به في بالس كثيرٌ من الرافضة وصحبوه، واستخرج لأهل البلد نهرًا، وكان يسلّم على من رآه، حتى على الصبيان، وجاءت امرأة فقالت: عندي دابة وما لي من يجرّها فقال هاتي حبلًا، وجاء وربط فيها الحبل ثم جرَّها بنفسه إلى باب البلد.
وكان دأبه جبرَ قلوب الضعفاء، ولا يمكِّن أحدًا من تقبيل يده، ويَقبَل
[ ٢٩ / ٢٧ ]
ممن يعلم كَسْبَه.
وأخبرنا الدَّبَاهي قال: حدَّثني الشيخ عبد الله قال: أتيت الشيخ أبا بكر ببالس فهِبتُه وعلمت أنه وليٌّ الله.
توفي في سَلْخ رجب سنة ثمان وخمسين وست مئة، وقال لابنه: اجعلني في تابوت فلا بد أن أُنقَل. قلت: نُقِلَ سنة سبعين اللحدُ لتُربة ابن ابنه.