الشيخ الإمام الفاضل المحدِّث الفقيه، مُسنِد العصر، زين الدين أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن بُكَير، المقدسي الفُندُقي ثم الصالحي الحنبلي، الناسخ.
مولده بفندق الشيوخ من جبل نابلس في سنة خمس وسبعين وخمس مئة.
وروي عن: أبي طاهر السِّلَفي بالإجازة العامَّة، وعن خطيب الموصل أبي الفضل وأبي الفتح ابن شاتيل وأبي السعادات القزّاز وجماعة بالإجازة
_________________
(١) (*) تاريخ الإسلام: ١٥/ ١٥١، الوافي بالوفيات: ٧/ ٢٢.
[ ٢٩ / ١١٧ ]
الخاصَّة، وسمع الكِنْدي والكثير من يحيى الثَّقَفي، وأحمد بن محمد بن المَوَازيني، وابن صَدَقة الحرَّاني، وإسماعيل الجَنْزَوِيّ، وعبد الرحمن بن علي الخِرَقي، ويوسف بن مَعَالى، ومُكرَّم بن هِبة الله، وانفرد بالرواية عن هؤلاء وغيرهم، وارتَحَلَ فلَحِقَ عبدَ المنعم بن كُلَيب وقرأ عليه بنفسه.
وسمع من: عبد الله بن أبي المَجْد، وعلي بن محمد بن يعيش، والمبارك بن المعطوش، وأبي الفرج بن الجَوْزي، وعبد الخالق بن البُندار، وأبي أحمد بن سُكَيْنة، وعبد الله ابن الطَّويلة، ومحمد بن أبي محمد بن المقرون، وعمر بن علي الواعظ، وأبي الفتح المَنْدائي، وأسماء بنت الرَّان، وأبي طاهر الخُشُوعي، وخلق سواهم.
وله "مشيخة" بتخريجه في جزء، وأخرى بتخريج ابن الظَّاهري في خمسة أجزاء، وأخرى في بضعة عشر جزءًا بتخريج ابن الخبَّاز.
حدَّث عنه: الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، والشيخ محيي الدين النَّووي، والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، والشيخ تاج الدين الفَزَاري وأخوه، وابنه الشيخ برهان الدين، والدِّمْياطي، وابن الظاهري، وابن جَعْوان، وأبو الحسين اليُونِيني، وأبو العباس بن فَرْح، والقاضي الحنبلي، والقاضي شرف الدين ابن الحافظ، والقاضي صدر الدين علي البُصرَوي، والقاضي شمس الدين بن مسلَّم، والقاضي نجم الدين بن صَصْرَى، والشيخ تقي الدين بن تيميَّة، والشيخ شمس الدين بن أبي الفتح، والخطيب شمس الدين الخِلَاطي، والقاضي مُنِيف الشافعي، والقاضي نَجْم الدين أحمد الدمشقي، والقاضي شهاب الدين بن حامد، ونور الدين بن بُحتُر، والشيخ محمد بن تمَّام، وعز الدين عبد الرحمن، وابن العز،
[ ٢٩ / ١١٨ ]
والعِماد إبراهيم بن الطَّبّال، وعلاء الدين بن العطَّار، وعدد كبير من الأموات والأحياء.
وكان قد قرأ الختمةَ على الشيخ العماد، وتفقَّه بالشيخ الموفَّق، وكتب الخطَّ المليح، ونسخ للناس ما لا يدخل تحت حَصْر، وكان من أسرع الناس كتابةً، اشتَهَر عنه أنَّه نسخ كتاب "الخِرَقي" في ليلة وبعض يوم، وكان غالب وقته يكتب ثلاثة كراريس في يوم، ولعله كتب أزيدَ من ألف مجلَّد، فإنه بقيَ يكتب نحوًا من خمسين سنة.
وكان تامَّ القامة، مليح الهيئة، حسن الأخلاق، ساكنًا، عاقلًا، لطيفًا، متواضعًا، يَقِظًا، له مشاركة في العلم، وينظم الشِّعر، ويعرف من مروياته، وقيل: إنه قال: كتبت ألف جزء، وقد نسخ "تاريخ دمشق" مرتين.
وولي خطابة كَفْر بَطْنا بضع عشرة سنة، ثم تحوَّل منها سنةَ الخُوَارزمية، روى الكثيرَ، وكان حسن المذاكَرة، عمل خطبًا حسنة خطب بها، وطال عمرُه، وعلا سندُه ورُحِل إليه، وتفرَّد بأشياء، وضَعُفَ بصرُه في أواخر عمرُه، ثم انكفَّ جُمْلةً.
قال النَّجْم بن الخبَّاز: حدَّثني يوم موته الشيخُ ابن أبي عبد الله الصِّقِلي: أنَّ الشيخ محمد بن عبد الله المغربي قال: رأيت البارحةَ كأن الناس في الجامع وإذا ضجَّة، فسألت عنها، فقيل لي: مات الليلةَ مالكُ بن أنس ﵀، فلما أصبحتُ جئت إلى الجامع وأنا مفكِّر، فإذا مُنادٍ ينادي: رحم الله من شهد جنازةَ ابن عبد الدائم. قلت: المعروف بالمنام خطيبُ جامع جرّاح محمد بن صالح الهَسكُوري.
وحدَّثني شيخنا أبو بكر بن أحمد في سنة ثلاثين وسبع مئة قال: رأيت
[ ٢٩ / ١١٩ ]
أبي في الليلة التي تُوفِّي فيها، فأقسمتُ عليه بالله: أخبِرني ما فعل الله بك؟ فقال: غَفَر لي وأدخلني الجنَّة.
تُوفِّي الشيخ زين الدين في سابع رجب سنة ثمان وستين وست مئة، وخلَّف عبدَ الدائم وعليًّا وعمر وأبا بكر وآسية وخديجة، وكلهم رووا الحديث، وآخرهم موتًا أبو بكر، عاش مثلَ أبيه ثلاثًا وتسعين سنة.