٤٣٥ - عمر بن حبيب القاضى (١):
مذكور فى المهذب فى أواخر صدقة الفطر. هو عمر بن حبيب القاضى البصرى العدوى، من عدى بن عبد مناة بن أد بن طابخة، ولى قضاء البصرة، وولى قضاء الشرقية للمأمون.
روى عن هشام بن عروة، ويحيى الأنصارى، وابن عون، وخالد الحذاء، وسليمان التيمى، وداود ابن أبى هند، وابن جريج، وشعبة، وابن عيينة، وغيرهم. روى عنه محمد ابن عبيد المنادى، وزكريا بن الحارث، وأبو قلابة الرقاشى، ومحمد بن يونس، وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل: قدم علينا عمر بن حبيب، فلم نكتب عنه حرفًا، وكان مستخفًا به جدًا. وقال يحيى بن معين: هو ضعيف، كان يكذب. وقال أبو زكريا: كان ابن علية يثنى على عمر بن حبيب، وليس كما قال، بل عمر بن حبيب ليس بشىء. وقال البخارى فى تاريخه: يتكلمون فيه.
وقال يعقوب بن سفيان: هو ضعيف، لا يُكتب حديثه. وقال أبو زرعة: ليس بالقوى. وقال النسائى: هو ضعيف. وقال زكريا الساجى: كان يهم عن الثقات، وكان من أصحاب عبد الله بن الحسن، فأظنهم تركوه لموضع الرأس، وكان صدوقًا، ولم يكن من فرسان الحديث. وقال أحمد بن عبد الله: ليس هو بشىء. وقال ابن عدى: وهو مع ضعفه يُكتب حديثه.
توفى سنة سبع ومائتين. وروينا له فى تاريخ بغداد حكاية بديعة مختصرها أنه حضر مجلس هارون الرشيد، فتكلم الحاضرون فى مسألة، فاحتج بعضهم بحديث عن أبى هريرة، فأنكره الأكثرون وطعنوا فى أبى هريرة، فانتصر له عمر بن حبيب، وقال: أبو هريرة ثقة صحيح النقل، فغضبوا عليه وهموا بقتله، ولم يبق إلا قتله،
_________________
(١) التاريخ الكبير للبخارى (٦/١٩٨٧)، والجرح والتعديل (٦/٥٥٣)، وسير أعلام النبلاء (٩/٤٩٠)، وميزان الاعتدال (٣/٦٠٦٧)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٧/٤٣١، ٤٣٣) . تقريب التهذيب (٤٨٧٤)، وقال: "ضعيف من التاسعة مات سنة ست أو سبع ومائتين ق". .
[ ٢ / ٢ ]
وجاءه رسول الخليفة، فقال: أجب أمير المؤمنين وتحنط وتكفن، فقال: اللهم إنك تعلم إنى دفعت عن صاحب نبيك - ﷺ -، وأجللت نبيك - ﷺ - أن يُطعن فى أحد من أصحابه، فسلمنى منه.
فدخل على الخليفة وفى يده السيف وقدامه النطع، فقال: يا عمر بن حبيب، ما تلقانى أحد من الرد والدفع لقولى بمثل ما لقيتنى، فقال: يا أمير المؤمنين، الذى كنت تقول فيه إزراء برسول الله - ﷺ - وبما جاء به، وإذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة والأحكام مردودة، فقال: أحييتنى يا عمر بن حبيب أحياك الله، كررها ثلاث مرات، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
٤٣٦ - عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، ﵁ (١):
تكرر ذكره فى كل هذه الكتب. هو أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح، بالمثناة تحت، ابن عبد الله بن قرط بن رزاح، برا مفتوحة ثم زاى ثم ألف ثم حاء مهملة، ابن عدى بن كعب بن لؤى بن غالب القرشى العدوى المدنى، أمير المؤمنين، ﵁.
أمه حنتمة، بفتح الحاء المهملة ثم نون ساطنة ثم مثناة فوق مفتوحة، بنت هاشم، ويقال: هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب، قالوا: فمن قال: بنت هشام، كانت أخت أبى جهل، ومن قال: بنت هاشم، كانت بنت عمه. قال ابن عبد البر: الصحيح بنت هاشم، ومن قال: بنت هشام، فقد أخطأ. وقال الزبير بن بكار: بنت هاشم، كما قال ابن عبد البر. وقال ابن مندة وابن نعيم: هى بنت هشام أخت أبى جهل، ونقله أبو نعيم، عن محمد بن إسحاق.
ولد عمر بن الخطاب، ﵁، بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان من أشراف قريش. قالوا: وإليه كانت السفارة فى الجاهلية، فكانت قريش إذا وقعت الحرب بينهم أو بينهم وبين غيرهم، بعثوه سفيرًا، أى رسولًا، ولما بعث رسول الله - ﷺ - كان عمر شديدًا عليه وعلى المسلمين، ثم لطف الله تعالى به، فأسلم قديمًا، فأسلم بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة، وقيل: بعد تسعة وثلاثون رجلًا وثلاث وعشرين امرأة، وقيل: بعد خمسة وأربعين رجلًا
_________________
(١) انظر: الإصابة (٢/ت ٥٧٣٦)، وأسد الغابة (٤/٥٣)، والاستيعاب (٢/٤٥٨)، والتاريخ الكبير (٦/ت ١٩٥٢)، وتهذيب الكمال (٢١/٣١٦)، وتهذيب التهذيب (٧/٤٣٨)، وطبقات ابن سعد (٣/٣٢٤)، ومناقب عمر لابن الجوزى، ومصادر ترجمة أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب، ﵁، لا تعد ولا تحصى، ومناقبه أجل من أن يستوعبها كتاب.
[ ٢ / ٣ ]
وإحدى عشرة امرأة.
وعن سعيد بن المسيب، قال: أسلم عمر بعد أربعين رجلًا وعشرة نسوة، فما هو إلا أن أسلم فظهر الإسلام بمكة. وقال الزبير بن بكار: أسلم عمر بعد دخول رسول الله - ﷺ - دار الأرقم بعد أربعين رجلًا أو نيف وأربعين من رجال ونساء، وكان النبى - ﷺ - قال: “اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: عمر بن الخطاب، أو عمرو بن هشام” (١)، يعنى أبا جهل.
وخبر إسلامه مشهور، وأن سببه أن أخته فاطمة بنت الخطاب، ﵂، كانت زوجة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أحد العشرة، وكانت أسلمت هى وزوجها، فسمع عمر بذلك فقصدهما ليعاقبهما، فقرأ عليه القرآن، فأوقع الله تعالى فى قلبه الإسلام فأسلم، ثم جاء إلى النبى - ﷺ - وأصحابه وهم مختفون فى دار الصفاء، فأظهر إسلامه، فكبَّر المسلمون فرحًا بإسلامه، ثم خرج إلى مجامع قريش، فنادى بإسلامه، وضربه جماعة منهم وضاربهم، فأجاره خاله فكفوا عنه، ثم لم تطب نفس عمر حين رأى المسلمين يُضربون وهو لا يُضرب فى الله، فردَّ جواره، فكان يضاربهم ويضاربونه إلى أن أظهر الله تعالى الإسلام.
وعن ابن مسعود، قال: كان إسلام عمر فتحًا، وكانت هجرته نصرًا، وكانت إمامته رحمة، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلى فى البيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتلهم حتى تركونا فصلينا.
وعن حذيفة، قال: لما أسلم عمر كان الإسلام كالرجل المقبل، لا يزداد إلا قربًا، فلما قُتل عمر كان الإسلام كالرجل المدبر، لا يزداد إلا بُعدًا.
قال محمد بن سعد: كان إسلام عمر، ﵁، فى السنة السادسة من النبوة. واتفقوا على تسميته بالفاروق، ورووا عن النبى - ﷺ - أنه قال: “إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وهو الفاروق، فَرَّق الله به بين الحق والباطل”. وعن عائشة، قالت: سمى رسول الله - ﷺ - عمر الفاروق.
واتفقوا على أنه أوَّل مَن سُمِّىَ أمير المؤمنين، وإنما كان يقال لأبى بكر، ﵁، خليفة رسول الله - ﷺ -. وعمر، ﵁، أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد أصهار رسول الله - ﷺ -، وأحد كبار علماء الصحابة وزهادهم.
رُوى له عن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) حديث ابن عباس: أخرجه الترمذى (٥/٦١٨، رقم ٣٦٨٣) وقال: غريب. والطبرانى (١١/٢٥٥، رقم ١١٦٥٧)، وابن عساكر (٤٤/٢٤) . حديث ابن مسعود: أخرجه الطبرانى (١٠/١٥٩، رقم ١٠٣١٤)، والحاكم (٣/٨٩، رقم ٤٤٨٦) . قال الهيثمى (٩/٦١): رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط بنحوه باختصار، ورجال الكبير رجال الصحيح غير مجالد بن سعيد، وقد وثق. حديث ابن عمر: أخرجه أحمد (٢/٩٥، رقم ٥٦٩٦)، وعبد بن حميد (ص ٢٤٥، رقم ٧٥٩)، والترمذى (٥/٦١٧، رقم ٣٦٨١)، وقال: حسن صحيح غريب. وابن سعد (٣/٢٦٧)، وأبو نعيم فى الحلية (٥/٣٦١) . حديث أنس عن خباب: أخرجه البزار (٦/٥٧، رقم ٢١١٩) . حديث ابن عباس: أخرجه الحاكم (٣/٨٩، رقم ٤٤٨٤) وقال: صحيح الإسناد. حديث ثوبان: أخرجه الطبرانى (٢/٩٧، رقم ١٤٢٨) . قال الهيثمى (٩/٦٢): فيه يزيد بن ربيعة الرحبى، وهو متروك. وقال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به، وبقية رجاله ثقات. حديث على بن أبى طالب: أخرجه ابن عساكر (٤٤/٢٧) . حديث الزبير: أخرجه ابن عساكر (٤٤/٢٧) . أخرجه ابن ماجه (١/٣٩، رقم ١٠٥)، وابن عدى (٦/٣١٠)، والحاكم (٣/٨٩، رقم ٤٤٨٥)، وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقى (٦/٣٧٠، رقم ١٢٨٨١) . وأخرجه أيضًا: ابن حبان (١٥/٣٠٦، رقم ٦٨٨٢) .
[ ٢ / ٤ ]
خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثًا، اتفق البخارى ومسلم منها على ستة وعشرين حديثًا، وانفرد البخارى بأربعة وثلاثين، ومسلم بأحد وعشرين.
روى عنه عثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبى وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وأبو ذر، وعمرو بن عبسة، وابنه عبد الله بن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأنس، وأبو موسى الأشعرى، وجابر بن عبد الله، وعمرو بن العاص، وأبو لبابة بن عبد المنذر، والبراء بن عازب، وأبو سعيد الخدرى، وأبو هريرة، وابن السعدى، وعقبة بن عامر، والنعمان بن بشير، وعدى بن حاتم، ويعلى بن أمية، وسفيان بن وهب، وعبد الله بن سرجس، والفلتان بن عاصم، وخالد بن عرفطة، والأشعث بن قيس، وأبو أمامة الباهلى، وعبد الله بن أنيس، وبريدة الأسلمى، وفضالة بن عبيد، وشداد بن أوس، وسعيد بن العاص، وكعب بن عجرة، والمسور بن مخرمة، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن الأرقم، وجابر بن سمرة، وحبيب ابن مسلمة، وعبد الرحمن بن أبزى، وعمرو بن حريث، وطارق بن شهاب، ومعمر بن عبد الله، والمسيب بن حزن، وسفيان بن عبد الله، وأبو الطفيل، وعائشة، وحفصة، ﵃، وكلهم صحابة.
وروى عنه من التابعين خلائق، منهم ابنه عاصم، ومالك بن أوس، وعلقمة بن وقاص، وأبو عثمان النهدى، وأسلم مولاهم، وقيس بن أبى حازم، وخلق سواهم. وأجمعوا على كثرة علمه، ووفور فهمه، وزهده، وتواضعه، ورفقه بالمسلمين، وإنصافه، ووقوفه مع الحق، وتعظيمه آثار رسول الله - ﷺ -، وشدة متابعته له، واهتمامه بمصالح المسلمين، وإكرامهم أهل الفضل والخير، ومحاسنه أكثر من أن تستقصى.
قال ابن مسعود حين توفى عمر: ذهب بتسعة أعشار العلم. وأقوال السلف فى علمه مشهورة.
وهاجر إلى المدينة حين أراد النبى - ﷺ - الهجرة، فتقدم قدامه فى جماعة. قال البراء بن عازب: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير، ثم ابن أم مكتوم، ثم عمر ابن الخطاب فى عشرين راكبًا، فقلنا: ما فعل رسول الله - ﷺ -؟ قال: هو على أثرى، ثم قدم رسول الله - ﷺ - وأبو بكر، ﵁.
وعن على، ﵁، قال: ما علمت أحدًا هاجر إلا مختفيًا
[ ٢ / ٥ ]
إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما همَّ بالهجرة تقلَّد سيفه، وتنكب فرسه، وانتضى فى يده أسهمًا، وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها، فطاف سبعًا، ثم صلى ركعتين عند المقام، ثم أتى حلقهم واحدة واحدة، فقال: شاهت الوجوه، مَن أراد أن تثكله أمه، ويؤتم ولده، وترمل زوجته فليلقنى وراء هذا الوادى، فما تبعه منهم أحد.
قال ابن إسحاق: هاجر عمر وزيد ابنا الخطاب، وسعيد بن زيد، وعمرو وعبد الله ابنا سراقة، وخنيث بن حذافة، وواقد بن عبد الله، وخولى وهلال ابنا أبى خولى، وعياش بن أبى ربيعة، وخالد، وإياس وعاقل بنو الكبير، فنزلوا على رفاعة بن المنذر فى بنى عمرو بن عوف.
وشهد عمر، ﵁، مع رسول الله - ﷺ - بدرًا، وأُحُدًا، والخندق، وبيعة الرضوان، وخيبر، والفتح، وحنينًا، والطائف، وتبوك، وسائر المشاهد، وكان شديدًا على الكفار والمنافقين، وهو الذى أشار بقتل أسارى بدر، ونزل القرآن على وفق قوله فى ذلك، وكان عمر ممن ثبت مع رسول الله - ﷺ - يوم أُحُد.
وأما زهده وتواضعه، فمن المشهورات التى استوى الناس فى العلم بها. قال طلحة ابن عبد الله: كان عمر أزهدنا فى الدنيا، وأرغبنا فى الآخرة. وقال سعد بن أبى وقاص: قد علمت بأى شىء فضلنا عمر، كان أزهدنا فى الدنيا.
وروينا أن عمر دخل على ابنته حفصة، فقدمت إليه مرقًا باردًا وصبت عليه زيتًا، فقال: إدامان فى إناء واحد، لا آكله حتى ألقى الله ﷿. وعن أنس، قال: لقد رأيت فى قميص عمر أربع رقاع بين كتفيه. وعن أبى عثمان، قال: رأيت عمر يرمى الجمرة وعليه إزار مرقوع بقطعة جراب. وعن غيره أن قميص عمر كان فيه أربع عشرة رقعة أحدها من أدم.
وأما فضائل عمر الثابتة عن رسول الله - ﷺ - فى الصحيح، فأكثر من أن تحصر، منها عن سعيد بن زيد أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ﵃، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: “أبو بكر فى الجنة، وعمر فى الجنة، وعثمان فى الجنة، وعلى فى الجنة، وطلحة فى الجنة، والزبير فى الجنة، وسعد بن مالك، هو ابن أبى وقاص، فى الجنة، وعبد الرحمن
[ ٢ / ٦ ]
بن عوف فى الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح فى الجنة”، وسكت عن العاشر، قالوا: من العاشر؟ قال: سعيد بن زيد، يعنى نفسه. رواه أبو داود، والترمذى، والنسائى، وغيرهم. قال الترمذى: حديث حسن صحيح.
وعن أبى موسى الأشعرى فى حديثه الطويل المشهور، قال: قال رسول الله - ﷺ -: “افتح له، يعنى لعمر، وبشره بالجنة”. رواه البخارى ومسلم.
وعن أبى سعيد الخدرى، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: “بينا أنا نائم، رأيت الناس يعرضون علىَّ وعليهم قمص، فمنها ما تبلغ الثدى، ومنها ما دون ذلك، وعرض علىَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره” (١)، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: “الدين”. رواه البخارى ومسلم.
وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: “بينا أنا نائم، أتيت بقدح لبن، فشربت منه حتى أنى لأرى الرى يخرج من أظفارى، ثم أعطبت فضلى عمر بن الخطاب” (٢)، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: “العلم”. رواه البخارى ومسلم.
وعن سعد بن أبى وقاص فى حديثه الطويل، أن رسول الله - ﷺ - قال لعمر: “يا ابن الخطاب، والذى نفسى بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك” (٣) . رواه البخارى ومسلم.
وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: “بينا أنا نائم، رأيتنى فى الجنة، وإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر، فذكرت غيرتك” (٤)، فبكى عمر، وقال: أعليك أغار يا رسول الله. رواه البخارى ومسلم.
وعن أبى هريرة أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: “لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يكن فى أمتى أحد فإنه عمر”، رواه البخارى، ورواه مسلم من رواية عائشة، وفى روايتهما: قال ابن وهب: محدثون، أى ملهمون. وقال ابن عيينة: معناه مفهمون.
وعن ابن عمر، وأبى هريرة أيضًا قالا: قال رسول الله - ﷺ -: “بينا أنا نائم، رأيتنى على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها أبو بكر، فنزع ذنوبًا أو ذنوبين، وفى نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم جاء عمر فاستقى فاستحالت فى يده غربًا، فلم أر عبقريًا من الناس يفرى فرية حتى روى الناس وضربوا بعطن” (٥) . رواهما البخارى ومسلم. قال العلماء: هذه إشارة
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/٨٦، رقم ١١٨٣٢)، والبخارى (١/١٧، رقم ٢٣)، ومسلم (٤/١٨٥٩، رقم ٢٣٩٠)، والترمذى (٤/٥٣٩، رقم ٢٢٨٦)، والنسائى (٨/١١٣، ٥٠١١) . وأخرجه أيضا: أبو يعلى (٢/٤٦٧، ١٢٩٠)، والدارمى (٢/١٧٠، رقم ٢١٥١)، والطبرانى فى الأوسط (٨/٣٣١، رقم ٨٧٨٢)، وابن حبان (١٥/٣١٣، رقم ٦٨٩٠) .
(٢) أخرجه أحمد (٢/١٣٠، رقم ٦١٤٢)، والبخارى (١/٤٣، رقم ٨٢)، ومسلم (٤/١٨٥٩، رقم ٢٣٩١)، والترمذى (٤/٥٣٩، رقم ٢٢٨٤) وقال: حديث صحيح.
(٣) أخرجه البخارى (٣/١٣٤٧، رقم ٣٤٨٠)، ومسلم (٤/١٨٦٣، رقم ٢٣٩٦) . وأخرجه أيضًا: الشاشى (١/١٧٤، رقم ١١٩) .
(٤) حديث أبى هريرة: أخرجه البخارى (٣/١١٨٥، رقم ٣٠٧٠)، ومسلم (٤/١٨٦٢، رقم ٢٣٩٤)، وابن ماجه (١/٤٠، رقم ١٠٧) . وأخرجه أيضا: أحمد (٢/٣٣٩، رقم ٨٤٥١)، والنسائى فى الكبرى (٥/٤١، رقم ٨١٢٩) .
(٥) أخرجه أحمد (٥/٤٥٥، رقم ٢٣٨٥٢) قال الهيثمى (٥/١٨٠): فيه على بن يزيد وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات. والطبرانى كما فى مجمع الزوائد (٩/٧٢) قال الهيثمى: إسناده حسن.
[ ٢ / ٧ ]
إلى خلافة أبى بكر وعمر، وكثرة الفتوح وظهور الإسلام فى زمن عمر.
وعن ابن عمر، وأنس، عن عمر، قال: وافقت ربى فى ثلاث: قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقلت: يا رسول الله، يدخل على نسائك البر والفاجر، فلو أمرتهن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبى - ﷺ - فى الغيرة، فقلت: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، فنزلت كذلك. رواه البخارى ومسلم، وفى رواية: “أسارى بدر”، بدل: “اجتماع النساء”.
وعن ابن مسعود، قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. رواه البخارى. وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: “بينا راع فى غنمه عدا الذئب، فأخذ منها شاة، فطلبها حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب، فقال: مَن لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيرى”، فقال الناس: سبحان الله، فقال النبى - ﷺ -: “فإنى أومن به، وأبو بكر، وعمر، وما هما ثمت”. رواه البخارى، ورواه مسلم بمعناه.
وعن محمد بن على بن أبى طالب، قال: قلت لأبى: أى الناس خير بعد رسول الله - ﷺ -؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم مَن؟ قال: عمر. رواه البخارى.
وعن ابن عباس، قال: إنى لواقف فى قوم يدعون الله تعالى لعمر، وقد وضع على سريره فتكنفه الناس يدعون فيصلون قبل أن يرفع، فلم يرعنى إلا رجل أخذ بمنكبى، فإذا علىّ، فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحدًا أحب إلىَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك لأنى كنت كثيرًا أسمع رسول الله - ﷺ - يقول: “ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر” (١) . رواه البخارى ومسلم.
وعن ابن عمر، قال: كنا نخير بين الناس فى زمن النبى - ﷺ - فنخير أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان. رواه البخارى.
وعن عمرو بن العاص، أن رسول الله - ﷺ - بعثه على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أى الناس أحب إليك؟، قال: “عائشة”، فقلت: مَن أحب الرجال؟ قال: “أبوها”، قلت: ثم مَن؟ قال: “ثم عمر”، فعد رجالًا. رواه البخارى، ومسلم.
وعن أنس أن رسول الله - ﷺ - صعد أُحُدًا، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فقال: “أثبت أُحُد، فإنما عليك نبى،
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/١٨٥٩/٢٣٨٩)، والبخاري في صحيحه (٣/١٣٤٥/٣٤٧٤) .
[ ٢ / ٨ ]
وصديق، وشهيدان” (١) . رواه البخارى.
وعن أبى هريرة أن رسول الله - ﷺ - كان على حراء هو وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وطلحة، والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله - ﷺ -: “اهدأ، فما عليك إلا نبى أو صديق أو شهيد”. رواه مسلم.
وعن ابن عباس، قال: دخل عيينة بن حصن على عمر، فقال: هى يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هَّم أن يوقع به، فقال الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه - ﷺ -: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافا عند كتاب الله تعالى. رواه البخارى.
وعن حفصة، قالت: قال عمر: اللهم ارزقنى شهادة فى سبيلك، واجعل موتى فى بلد رسولك، فقلت: أنى يكون هذا، فقال: يأتينى به الله إذا شاء. رواه البخارى.
وعن ابن عمر، قال: ما رأيت أحدًا قط بعد رسول الله - ﷺ - من حين قبض كان أجد وأجود حتى انتهى من عمر. رواه البخارى.
وعن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: “اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبى جهل، أو بعمر بن الخطاب”، وكان أحبهما إليه عمر. رواه الترمذى، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: “إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه” (٢) . وقال ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال عمر، إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر. رواه الترمذى، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: “لو كان بعدى نبى لكان عمر بن الخطاب” (٣)
) . رواه الترمذى، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن حذيفة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: “اقتدوا بالذين من بعدى، أبى بكر وعمر” (٤) . رواه الترمذى، وقال: حديث حسن غريب.
وعن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ - لأبى بكر وعمر: “هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، إلا النبيين والمرسلين” (٥) . رواه الترمذى، وقال: حديث حسن غريب.
وعن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول الله - ﷺ -: “ما من نبى إلا له وزيران من أهل السماء، ووزيران من أهل الأرض، فأما وزيراى
_________________
(١) حديث أنس: أخرجه البخارى (٣/١٣٤٤، رقم ٣٤٧٢)، وأبو داود (٤/٢١٢، رقم ٤٦٥١)، والترمذى (٥/٦٢٤، رقم ٣٦٩٧) وقال: حسن صحيح. وأخرجه أيضًا: أبو يعلى (٥/٤٦٦ رقم ٣١٩٦) وابن حبان (١٥/٢٨٠ رقم ٦٨٦٥) . حديث سهل بن سعد: أخرجه أحمد (٥/٣٣١، رقم ٢٢٨٦٢)، وعبد بن حميد (ص ١٦٦، رقم ٤٤٩)، وأبو يعلى (١٣/٥٠٩، رقم ٧٥١٨)، قال الهيثمى (٩/٥٥): رجاله رجال الصحيح. وابن حبان (١٤/٤١٥، رقم ٦٤٩٢)، والطبرانى (١/٩١، رقم ١٤٦)، والضياء (١/٤٦٦، رقم ٣٤٠) . حديث عثمان: أخرجه الترمذى (٥/٦٢٥، رقم ٣٦٩٩) وقال: حسن صحيح غريب..
(٢) حديث ابن عمر: أخرجه أحمد (٢/٥٣، رقم ٥١٤٥)، وعبد بن حميد (ص ٢٤٥، رقم ٧٥٨)، والترمذى (٥/٦١٧، رقم ٣٦٨٢) . وأخرجه أيضًا: ابن حبان (١٥/٣١٨، رقم ٦٨٩٥)، والطبرانى فى الأوسط (٣/٣٣٨، رقم ٣٣٣٠)، قال الهيثمى (٩/٦٦): رجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد وثق وفيه ضعف. وتمام (٢/١٩، رقم ١٠١٦)، وابن عساكر (٤٤/١٠٣) . حديث أبى ذر: أخرجه أحمد (٥/١٦٥، رقم ٢١٤٩٥)، وأبو داود (٣/١٣٩، رقم ٢٩٦٢)، والحاكم (٣/٩٣، رقم ٤٥٠١) . وأخرجه أيضًا: الطبرانى فى مسند الشاميين (٢/٣٨٢، رقم ١٥٤٣)، وابن عساكر (٤٤/٩٩) . قال الهيثمى (٩/٦٦): رواه الطبرانى، وفيه أبو بكر بن أبى مريم، وقد اختلط. حديث أبى سعيد: أخرجه تمام (٢/٤١، رقم ١٠٨٦)، وابن عساكر (٤٤/١٠١) .
(٣) حديث عقبة بن عامر: أخرجه أحمد (٤/١٥٤، رقم ١٧٤٤١)، والترمذى (٥/٦١٩، رقم ٣٦٨٦)، وقال: حسن غريب. والطبرانى (١٧/٢٩٨، رقم ٨٢٢)، والرويانى (١/١٧١، رقم ٢١٤)، والحاكم (٣/٩٢، رقم ٤٤٩٥) وقال: صحيح الإسناد. وأخرجه أيضًا: ابن عدى (٣/٢١٦) . حديث عصمة: أخرجه الطبرانى (١٧/١٨٠، رقم ٤٧٥) . قال الهيثمى (٩/٦٨): فيه الفضل بن المختار وهو ضعيف.
(٤) حديث حذيفة: أخرجه أحمد (٥/٣٨٢، رقم ٢٣٢٩٣)، والترمذى (٥/٦٠٩، رقم ٣٦٦٢)، وابن ماجه (١/٣٧، رقم ٩٧) . وأخرجه أيضًا: البزار (٧/٢٤٨، رقم ٢٨٢٧)، والطبرانى فى الأوسط (٤/١٤٠، رقم ٣٨١٦)، والحاكم (٣/٧٩، رقم ٤٤٥٤)، والبيهقى (٥/٢١٢، رقم ٩٨٣٦) . وابن عساكر (٥/١٤) . حديث أنس: أخرجه ابن عساكر (٤٤/٢٣٣) . حديث ابن مسعود: أخرجه ابن عساكر (٣٠/٢٢٨) . وأخرجه أيضًا: الطبرانى فى الأوسط (٧/١٦٨، رقم ٧١٧٧) .
(٥) حديث على بن أبى طالب: أخرجه أحمد (١/٨٠، رقم ٦٠٢)، والترمذى (٥/٦١١، رقم ٣٦٦٥) وقال: غريب. وابن ماجه (١/٣٦، رقم ٩٥) . وأخرجه أيضًا: ابن أبى شيبة (٦/٣٥٠، رقم ٣١٩٤١)، والبزار (٢/١٣٢، رقم٤٩٠)، وأبو يعلى (١/٤٠٥، رقم ٥٣٣)، والديلمى (١/٤٣٧، رقم ١٧٨١) . حديث أبى جحيفة: أخرجه الطبرانى (٢٢/١٠٤، رقم ٢٥٧) . وأخرجه أيضًا: ابن ماجه (١/٣٨، رقم ١٠٠)، وابن حبان (١٥/٣٣٠، رقم ٦٩٠٤)، والطبرانى فى الأوسط (٤/٢٧٢، رقم ٤١٧٤) . حديث أنس بن مالك: أخرجه ابن عساكر (٧/١١٨)، والضياء من طريق أبى يعلى (٦/٢٤٤، رقم٢٢٦٠) . وأخرجه أيضًا: ابن النجار (١٥/٢٤٦) . حديث أبى سعيد: أخرجه البزار كما فى كشف الأستار (٣/١٦٨، رقم ٢٤٩٢)، والطبرانى فى الأوسط (٤/٣٥٩، رقم ٤٤٣١) . قال الهيثمى (٩/٥٣): فيه على بن عابس، وهو ضعيف.
[ ٢ / ٩ ]
من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراى من أهل الأرض فأبو بكر وعمر” (١) . رواه الترمذى، وقال: حديث حسن.
وعن عمر، ﵁، قال: استأذنت النبى - ﷺ - فى العمرة فأذن لى، وقال: “لا تنسانا يا أخى من دعائك”، فقال كلمة ما يسرنى أن لى بها الدنيا. وفى رواية: قال: “أشركنا يا أخى فى دعائك” (٢) . رواه أبو داود، والترمذى، وقال: حديث حسن.
وعن أبى سعيد، أن رسول الله - ﷺ - قال: “إن أهل الدرجات العلا ليراهم مَن تحتهم كما ترون النجم الطالع فى أفق السماء، وأن أبا بكر وعمر ومنهم وأنعما” (٣) . رواه أبو داود، والترمذى، ومعنى “وأنعما”: زادا فضلًا، وقيل: دخلا فى النعيم.
وفى الموطأ عن يحيى بن سعيد الأنصارى، أن عمر بن الخطاب كان يحمل فى العام الواحد على أربعين ألف بعير، يحمل الرجل إلى الشام على بعير، والرجلين إلى العراق على بعير.
وفى مسند الشافعى بإسناده عن مولى لعثمان، قال: بينا أنا مع عثمان فى مال بالعالية فى يوم صائف، إذ رأى رجلًا يسوق بكرين، وعلى الأرض مثل الفراش فى الحر، فقال: ما على هذا لو أقام بالمدينة حتى تبرد ثم يروح، فدنا الرجل، فقال: انظر، فنظر، فإذا عمر بن الخطاب، فقلت: هذا أمير المؤمنين، فقام عثمان فأخرج رأسه من الباب، فأذاه نفح السموم، فأعاد رأسه حتى حاذاه، فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟ فقال: بكران من إبل الصدقة تخلفا وقد مضى بإبل الصدقة، فأردت أن ألحقهما بالحمى، وخشيت أن يضيعا فيسألنى الله عنهما، فقال: عثمان: يا أمير المؤمنين، هلم إلى الماء والظل ونكفيك، فقال: عد إلى ظلك، فقلت: عندنا مَن يكفيك، فقال: عد إلى ظلك، فمضى، فقال عثمان: مَن أحب أن ينظر إلى القوى الأمين فلينظر إلى هذا، فعاد إلينا فألقى نفسه.
ومن المشهورات من كرامات عمر، ﵁، أنه كان يخطب يوم الجمعة بالمدينة، فقال فى خطبته: يا سارية بن حصن، الجبل الجبل، فالتفت
_________________
(١) أخرجه الترمذى (٥/٦١٦، رقم ٣٦٨٠) وقال: حسن غريب.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه (٥/٥٦٠/٣٥٦٢) . وابن ماجه في سننه (٢/٩٦٦/٢٨٩٤) . وأبي داود في سننه (٢/٨٠/١٤٩٨) . وابن حنبل في مسنده (١/٢٩/١٩٥) . والبيهقي في سننه الكبرى (٥/٢٥١/١٠٠٩٤) . وأبي يعلى في مسنده (٩/٣٧٧/٥٥٠١) .
(٣) حديث أبى سعيد: أخرجه أحمد (٣/٩٨، رقم ١١٩٥٨)، وعبد بن حميد (ص ٢٨٠، رقم ٨٨٧)، والترمذى (٥/٦٠٧، رقم ٣٦٥٨) وقال: حسن. وابن ماجه (١/٣٧، رقم ٩٦)، وأبو يعلى (٢/٣٦٩، رقم ١١٣٠)، وابن حبان (١٦/٤٠٤، رقم ٧٣٩٣) . وأخرجه أيضًا: ابن أبى شيبة (٦/٣٤٨، رقم ٣١٩٢٥)، وابن عساكر (٣٠/١٩٣) . حديث جابر بن سمرة: أخرجه الطبرانى (٢/٢٥٤، رقم ٢٠٦٥)، قال الهيثمى (٩/٥٤): فيه الربيع بن سهل الواسطى ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات. والبغوى (١/٤٦٧، رقم ٣٠٦)، وابن عساكر من طريق البغوى (٣٠/٢٠١) . حديث أبى هريرة: أخرجه ابن عساكر (٣٠/١٩٩) .
[ ٢ / ١٠ ]
الناس بعضهم إلى بعض، فلم يفهموا مراده، فلما قضى صلاته قال له على، ﵁: ما هذا الذى قلته؟ قال: وسمعته؟ قال: نعم، أنا وكل من فى المسجد، فقال: وقع فى خلدى أن المشركين هزموا إخواننا وركبوا أكتافهم، وأنهم يمرون بجبل، فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجدوه وظفروا، وإن جاوزوه هلكوا، فخرج منى هذا الكلام، فجاء البشير بعد شهر، فذكر أنهم سمعوا فى ذلك اليوم وتلك الساعة حين جاوزوا الجبل صوتًا يشبه صوت عمر يقول: يا سارية بن حصن، الجبل الجبل، فعدلنا إليه ففتح الله علينا.
وأحوال عمر، ﵁، وفضائله، وسيرته، ورفقه برعيته، وتواضعه، وجميل سيرته، واجتهاده فى الطاعة وفى حقوق المسلمين أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، ومقصود هذا الكتاب الإشارة إلى بعض المقاصد. ولى الخلافة، ﵁، باستخلاف أبى بكر، ﵁، له وكان أبو بكر شاور الصحابة فى استخلافه عمر، فأشار به عبد الرحمن بن عوف، وقال: هو أفضل من رأيك فيه، ثم استشار عثمان ابن عفان، فقال: أنت أخبرنا به، فقال: عِلمى به أن سريرته خير من علانيته، وأن ليس فينا مثله، وشاور معهما سعيد بن زيد، وأسيد بن حضير، وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فقال أسيد: وهو أعلم للخير بعدك، يرضى للرضى، ويسخط للسخط، وسريرته خير من علانيته، ولن يلى هذا الأمر أحد أقوى عليه منه.
ثم دعا أبو بكر عثمان بن عفان، فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبى قحافة فى آخر عهده بالدنيا خارجًا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلًا فيها حين يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إنى مستخلف عليكم بعدى عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنى لم آل الله ورسوله ودينه ونفسى وإياكم خيرًا، فإن عدل فذلك ظنى به وعلمى فيه، وإن بدَّل فلكل امرىء ما اكتسب، والخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون، والسلام عليكم ورحمة الله.
ثم أمره فختم الكتاب، وخرج به إلى الناس، فبايعوا
[ ٢ / ١١ ]
عمر جميعًا ورضوا به، ثم دعا أبو بكر عمر، فأوضاه بما أوصاه، ثم خرج فرفع أبو بكر يديه مدًا، ثم قال: اللهم إنى لم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، فعلمت منهم بما أنت أعلم به، فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم، وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرنى من أمرك ما حضرنى، فأخلفنى فيهم فهم عبادك، ونواصيهم فى يدك، وأصلح لهم ولاتهم، واجعله من خلفائك الراشدين، يتبع هدى نبى الرحمة، وأصلح له رعيته.
وقد قدمنا أنه أول مَن سمى أمير المؤمنين، سمَّاه بذلك عدى بن حاتم، ولبيد بن ربيعة حين وفدا إليه من العراق، وقيل: سمَّاه به المغيرة بن شعبة، وقيل: إن عمر قال للناس: أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فسمى أمير المؤمنين، وكان قبل ذلك يقال له: خليفة خليفة رسول الله - ﷺ -، فعدلوا عن تلك العبارة لطولها، ثم قام فى الخلافة أتم القيام، وجاهد فى الله حق جهاده، فجيَّش الجيوش، وفتح البلدان، ومَصَّر الأمصار، وأعز الإسلام، وأزل الكفر أشد إزلال، ففتح الشام، والعراق، ومصر، والجزيرة، وديار بكر، وأرمينية، وأذربيجان، وإيران، وبلاد الجبال، وبلاد فارس، وخورستان، وغيرهما. واختلفوا فى خراسان، فقيل: فتحها عثمان، وقيل: فتحها عمر، ثم انتفت ففتحها، والصحيح عندهم أن عثمان الذى فتحها.
وكان عمر أول مَن دَوَّن الديوان للمسلمين، ورتب الناس على سابقتهم فى العطاء وفى الأذان والإكرام، فكان أهل بدر أول الناس دخولًا عليه، وكان على بن أبى طالب أولهم، وأثبت أسماءهم فى الديوان على قربهم من رسول الله - ﷺ -، فبدأ ببنى هاشم، وبنى المطلب، ثم الأقرب فالأقرب.
روينا عن عثمان، وعلى، ﵄، قالا فى عمر: هذا هو القوى الأمين. وثبت فى صحيح البخارى وغيره، أن عمر، ﵁، أوَّل مَن جمع الناس لصلاة التراويح، فجمعهم على أُبىّ بن كعب، ﵁، وأجمع المسلمون فى زمنه وبعده على استحبابها. ورووا عن على، ﵁، أنه مر على المساجد فى رمضان وفيها القناديل تزهر، فقال: نَّور الله على عمر قبره كما نور علينا مساجدنا.
وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: خرجنا مع عمر إلى مكة، فما ضرب فسطاطًا ولا خباء حتى رجع، وكان
[ ٢ / ١٢ ]
إذا نزل يلقى له كساء أو نطع على شجرة فيستظل به. وختم الله تعالى لعمر، ﵁، بالشهادة، وكان يسالها، فطعنه العلج عدو الله أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة وهو قائم فى صلاة الصبح حين أحرم بالصلاة، طعنه بسكين مسمومة ذات طرفين، فضربه فى كتفه وخاصرته، وقيل: ضربه ست ضربات، فقال: الحمد لله الذى لم يجعل منيتى بيد رجل يَدَّعى الإسلام، وطعن العلج مع عمر ثلاثة عشر رجلًا توفى منهم سبعة، وعاش الباقون، فطرح مسلم عليه برنسًا، فلما أحس العلج أنه مقتول قتل نفسه.
وشرب عمر، ﵁، لبنًا فخرج من جرحه، فعلم هو والناس أنه لا يعيش، فأشاروا عليه بالوصية، فجعل الخلافة شورى بين عثمان، وعلى، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وقال: لا أعلم أحدًا أحق بها من هؤلاء الذين توفى رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض، وقال: يؤمر المسلمون أحد هؤلاء الستة.
وحسب الدين عليه، فوجده ستة وثمانين ألفًا أو نحوه، فقال لابنه عبد الله: إن وفى مال آل عمر به فأدوه منه، وإلا فسل فى بنى عدى، فإن لم تف أموالهم فسل فى قريش ولا تعدهم إلى غيرهم. ثم بعث ابنه عبد الله إلى عائشة، ﵂، فقال: قل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإنى لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فجاء فسلَّم واستأذن، فدخل فوجدها تبكى، فقال لها، فأذنت وقالت: كنت أدرته لنفسى ولأوثرنه اليوم على نفسى، فلما أقبل عبد الله من عندها قيل لعمر: هذا عبد الله، قال: ارفعونى، فأسنده رجل، فقال: ما لديك؟ فقال: الذى تحب، قد أذنت، قال: الحمد لله، ما كان شىء أهم إلىَّ من ذلك، فإذا أنا قُبضت فاحملونى، ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لى فأدخلونى، وإن ردتنى ردونى إلى مقابر المسلمين، وأوصاهم أن يقتصدوا فى كفنه ولا يغالوا.
وغسله ابنه عبد الله، وحمل على سرير رسول الله - ﷺ -، وصلى عليه فى مسجد رسول الله - ﷺ -، وصلى بهم عليه صهيب، وكبر أربعًا، ونزل فى قبره ابنه عبد الله، وعثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف.
وطُعن عمر، ﵁، يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين، فكانت خلافته عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين يومًا، وقيل: توفى ربع بقين من ذى الحجة، وقيل: لثلاث، وقيل: لليلة، وقيل غير ذلك فى مدة الخلافة وتاريخ الطعن والوفاة.
وتوفى وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح المشهور، ثبت ذلك فى الصحيح عن معاوية بن أبى سفيان، وقاله الجمهور، وقيل: كان له خمس وستون سنة، والصحيح أن سن رسول الله - ﷺ -، وسن أبى بكر، وعمر، وعلى، وعائشة ثلاث وستون.
قالوا: وكان عمر، ﵁، طوالًا جدًا، أصلع، أعسر يسر وهو الذى يعمل بيديه جميعًا، وكان أبيض يعلوه حمرة، وإنما صار فى لونه سمرة فى عام الرمادة؛ لأنه أكثر أكل الزيت، وترك السمن للغلاء الذى وقع بالناس، فامتنع من أكل اللبن والسمن حتى لا يتميز على الضعفة.
وقال زر بن حبيش: كان عمر آدم. قال الواقدى: لا يعرف عندنا أن عمر كان آدم إلا أن يكون رآه عام الرمادة. قال ابن عبد البر: وصفه زر بن حبيش وغيره أنه كان آدم شديد الأدمة. قال: وهو الأكثر عند أهل العلم. وقال ابن قتيبة فى المعارف: قال الكوفيون: كان آدم شديد الأدمة. وقال بعض الحجازيين: كان أبيض أمهق. وقال أنس: كان عمر يخضب بالحناء بحتًا. قالوا: وهو أول من اتخذ الدرة.
قال ابن قتيبة: فتح الله تعالى فى ولايته بيت المقدس، ودمشق، وميسان، ودستميسان،
[ ٢ / ١٣ ]
وإيرزناد، واليرموك، ثم كانت وقعة الجابية، والأهواز وكورها على يد أبى موسى الأشعرى، وجلولاء سنة تسع عشرة، أميرها سعد بن أبى وقاص، وقيسارية وأميرها معاوية، ثم وقعة باب اليوى سنة عشرين، وأميرها عمرو بن العاص، ثم وقعة نهاوند سنة إحدى وعشرين، وأميرها النعمان بن مقرن المزنى، ثم فتح الرجان من الأهواز سنة اثنتين وعشرين، وأميرها المغيرة بن شعبة، وكانت اصطخر الأولى وهمذان سنة ثلاث وعشرين، وأما الرمادة وطاعون عمواس فكان سنة ثمان عشرة.
قال: وحج عمر، ﵁، بالناس عشر سنين متوالية. قال: وأولاد عمر: عبد الله، وحفصة، أمهما زينب بنت مظعون، وعبيد الله أمه مليكة بنت جرول الخزاعية، وعاصم أمه جميلة بنت عاصم بن ثابت حمى النحل، وفاطمة وزيد أمهما أم كلثوم بنت على بن أبى طالب من فاطمة، ﵃، ومجبر واسمه عبد الرحمن، وأبو شمحة واسمه أيضًا عبد الرحمن، وفاطمة، وبنات أخر.
وأما موالى عمر، فمنهم أسلم، وهانىء، وأبو أمية جد المبارك بن فضالة بن أبى أمية، ومهجع مولى عمر، استشهد يوم بدر، ومالك الدار، وذكوان وهو الذى سار من مكة إلى المدينة فى يوم وليلة. وأحوال عمر غير منحصرة، وقد أشرنا إلى أطرافها، ﵁ وأرضاه.
٤٣٧ - عمر بن أبى ربيعة الشاعر:
مذكور فى المهذب فى أول كتاب السير، هو منسوب إلى جده، وهو أبو حفص عمر ابن عبد الله بن أبى ربيعة، واسم أبى ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم. كان أبوه عبد الله بن أبى ربيعة، وعمه عياش، بالشين المعجمة، صحابيين، وكان عبد الله من أشراف قريش فى الجاهلية، ومن أحسن الناس وجهًا، وهو الذى بعثته قريش مع عمرو بن العاص إلى النجاشى، وولاه رسول الله - ﷺ - الجَنَد، بفتح الجيم والنون، بلدًا باليمن ومخاليفها، فلم يزل عليها حتى قُتل عمر بن الخطاب، ﵁، ثم ولاه عثمان، فلما حصر عثمان جاء ينصره فوقع عن راحلته فتوفى بقرب مكة. كنية عبد الله أبو عبد الرحمن. وأما ابنه عمر صاحب الترجمة، فهو الشاعر المشهور، وهو القائل:
عمرك الله كيف يلتقيان
[ ٢ / ١٥ ]
أيها المنكح الثريا سهيلا
قالوا: الثريا هذه هى الثريا بنت عبد الله بن الحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية الأموية المكية، وسهيل هو سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهرى.
٤٣٨ - عمر بن سعد:
مذكور فى المهذب فى باب التعزير، هكذا هو فى نسخ المهذب: عمر بن سعد، وهو تصحيف فى الاسمين جميعًا، وصوابه: عمير بن سعيد، بزيادة الياء فى الاسمين، وسنوضحه فى النوع الثامن فى الأوهام إن شاء الله تعالى، وهو عمير بن سعيد أبو يحيى الكوفى التابعى.
روى عن على، وسعد بن أبى وقاص، وابن مسعود، وعمار، وأبى موسى، ﵃. روى عنه السبيعى، والأعمش، وأبو حَصين، بفتح الحاء، ومسعر، وغيرهم. واتفقوا على توثيقه وجلالته. قال الحكم: حسبك به. روى له البخارى ومسلم. توفى سنة خمس عشرة ومائة.
٤٣٩ - عمر بن أبى سلمة الصحابى (١):
ابن أم سلمة، تكرر ذكره فى المهذب، وهو المذكور فى المهذب فى باب ستر العورة، وإنما نبهت على هذا الموضع؛ لأنه تصحف فيه. هو أبو حفص عمر بن أبى سلمة، واسم أبى سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشى المخزومى الصحابى ابن الصحابيين ربيب رسول الله - ﷺ -. ولد بأرض الحبشة مع أبويه وهما مهاجران فى أواخر السنة الثانية من هجرة رسول الله - ﷺ -. رُوى له عن رسول الله - ﷺ - اثنا عشر حديثًا، روى البخارى ومسلم منها حديثين. روى عنه ابن المسيب، وعروة، ووهب بن كيسان، وغيرهم. توفى سنة ثلاث وثمانين.
٤٤٠ - عمر بن شبة - بشين معجمة مفتوحة ثم موحدة مشددة - ابن عبيدة - بفتح العين - ابن زيد بن رابطة النميرى البصرى النحوى (٢):
أبو زيد، سكن بغداد. روى عن يحيى القطان، وغندر، وعلى بن عاصم، ويزيد بن هارون، وخلق سواهم.
_________________
(١) انظر: الإصابة (٢/٥١٩)، والتاريخ الكبير (٩/١٣٩)، والثقات لابن حبان (٣/٢٦٣)، والجرح والتعديل (٦/١١٧)، والاستيعاب (٢/٤٧٤، ٤٧٥)، وتاريخ بغداد (١/١٩٤)، وأسد الغابة (٤/٧٩)، والبداية والنهاية (٨/٣٢٣)، والوافى بالوفيات (٢٢/٥٠١)، وسير أعلام النبلاء (٣/٤٠٦ - ٤٠٨) برقم (٦٣)، والعقد الثمين (٦/٣٠٧)، وتهذيب التهذيب (٧/٤٥٥، ٤٥٦) ..
(٢) الجرح والتعديل (٦/٦٢٤)، وسير أعلام النبلاء (١٢/٣٦٩)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٧/٤٦٠، ٤٦١) . تقريب التهذيب (٤٩١٨)، وقال: “ابن شبة بفتح المعجمة وتشديد الموحدة النميري بالنون مصغر صدوق له تصانيف من كبار الحادية عشرة مات سنة اثنتين وستين وقد جاوز التسعين ق”..
[ ٢ / ١٦ ]
روى عنه ابن ماجة، وأبو العباس الثقفى، وأبو نعيم، وعبد الملك بن محمد الجرجانى، وابن أبى الدنيا، وأبو شعيب الحرانى، وأبو القسم البغوى، ويحيى بن محمد بن صاعد، والقاضى المحاملى، وآخرون.
قال ابن أبى حاتم: كتبت عنه مع أبى، وهو صدوق صاحب عربية وأدب. قال الخطيب البغدادى: كان ثقة، عالمًا بالسير وأيام الناس، وله مصنفات كثيرة. قال: واسم أبيه زيد، وشبة لقب له. توفى عمر بسر من رأى فى جمادى الآخرة سنة ثنتين وستين ومائتين وعمره سبع وثمانون سنة إلا أربعة أيام.
٤٤١ - عمر بن صالح:
مذكور فى المختصر فى أول صدفة النخل والعنب [] (١) .
٤٤٢ - عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد والإمام العادل (٢):
تكرر فى المختصر والمهذب. هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم ابن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس القرشى الأموى التابعى بإحسان. سمع أنس بن مالك، والسائب بن يزيد، ويوسف بن عبد الله بن سلام. واستوهب من سهل بن سعد قدحًا شرب فيه رسول الله - ﷺ - فوهبه له. وروى عن خولة بنت حكيم، وسمع جماعات من التابعين، منهم سعيد بن المسيب، وعروة، وأبو بكر بن عبد الرحمن، والربيع بن سبرة، وعبد الله بن إبراهيم، وعامر بن سعد، والزهرى. روى عنه خلائق من التابعين منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ومحمد بن المنكدر، والزهرى، ويحيى الأنصارى، وحميد الطويل، وآخرون.
وأجمعوا على جلالته، وفضله، ووفور علمه، وصلاحه، وزهده، وورعه، وعدله، وشفقته على المسلمين، وحُسن سيرته فيهم، وبذل وسعه فى الاجتهاد فى طاعة الله، وحرصه على اتباع آثار رسول الله - ﷺ -، والاقتداء بسنته وسنة الخلفاء الراشدين، وهو أحد الخلفاء الراشدين، ومناقبه أكثر من أن تحصر.
وقد جمع ابن عبد الحكم فى مناقب عمر بن عبد العزيز مجلدًا مشتملًا على جميل سيرته وحُسن طريقته، وفيه من النفائس ما لا يستغنى عن معرفته والتأدب به. وذكر ابن سعد وغيره من
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بياض فى الأصل.
(٢) انظر: الجرح والتعديل (٦/١٢٢)، وسير أعلام النبلاء (٥/١١٤ - ١٤٨) برقم (١٤٨)، وطبقات ابن سعد (٥/٣٣٠ - ٤٠٨)، والتاريخ الكبير (٦/١٧٤، ١٧٥)، وتاريخ ابن معين (٢/٤٣٢)، وتاريخ اليعقوبى (٢/٣٠١، ٣٠٢)، والأغانى (٩/٢٥٤ - ٢٦٨)، وصفة الصفوة (٢/١١٣ - ١٢٧)، ونهاية الأرب (٢١/٣٥٥ - ٣٦٥)، وتذكرة الحفاظ (١/١١٨ - ١٢١)، وفوات الوفيات (٣/١٣٣ - ١٣٥)، والبداية والنهاية (٩/١٩٢ - ٢١٩)، ومرآة الجنان (١/٢٠٨ - ٢١١)، والعقد الثمين (٦/٣٣١)، وغاية النهاية (١/٥٩٣)، وتاريخ الخميس (٢/٣٥٤، ٣٥٥)، والنجوم الزاهرة (١/٢٤٦)، والتاريخ الكبير (٧/٤٧٥ - ٤٧٨)، وتقريب التهذيب (٢/٥٩، ٦٠) .
[ ٢ / ١٧ ]
المتقدمين أيضًا له أشياء نفيسة، وأجمعوا أن أمه أم عاصم حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، واسمها ليلى، سكنت دمشق.
ولى الخلافة بعد ابن عمه سليمان بن عبد الملك، وبويع عمر بن عبد العزيز بالخلافة حين مات سليمان بن عبد الملك، ومات سليمان لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعين، وكانت خلافة عمر سنتين وخمسة أشهر نحو خلافة أبى بكر الصديق، ﵄، فملأ الأرض قسطًا وعدلًا، وسن السنن الحسنة، وأمات الطرائق السيئة، وصلى أنس بن مالك خلفه قبل خلافته، ثم قال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من هذا الفتى. وقال أيوب السختيانى: لا أعلم أحدًا ممن أدركنا كان آخذًا عن نبى الله - ﷺ - منه.
وقال سفيان الثورى: الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وعمر بن عبد العزيز. وقال مالك بن دينار: لما ولى عمر بن عبد العزيز، قالت رعاء الشاة فى رءوس الجبال: من هذا الخليفة الصالح الذى قام على الناس؟ فقيل لهم: وما علمكم بذلك؟ قالوا: إنه إذا قام خليفة صالح كفت الذئاب والأسد عن شاءينا. وقال رجاء بن حيوة: كان عمر بن عبد العزيز قبل خلافته من أعطر الناس وألبسهم، فلما استخلف قَوَّموا ثيابه باثنى عشر درهمًا.
وقال حميد بن زنجويه: قال أحمد بن حنبل: يروى فى الحديث أن الله تعالى يبعث على رأس كل مائة عام من يصحح لهذه الأمة دينها، فنظرنا فى المائة الأولى، فإذا هو عمر بن عبد العزيز. وهذا الحديث الذى ذكره أحمد رواه أبو داود فى سننه من رواية أبى هريرة، عن رسول الله - ﷺ -، وحمله العلماء فى المائة الأولى على عمر، والثانية على الشافعى، والثالثة على أبى العباس بن سريج. وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: عندى أنه يحمل على أبى الحسن الأشعرى، والمشهور أنه ابن سريج. رواه الحاكم أبو عبد الله، وأنشدوا فيه شعرًا. وفى الرابعة قيل: أبو سهل الصعلوكى، وقيل: القاضى ابن الباقلانى، وقيل: أبو حامد الإسفراينى، وفى الخامسة الإمام أبو حامد الغزالى، ﵀، والله أعلم.
توفى عمر
[ ٢ / ١٨ ]
وهو بدير سمعان قرية قريبة من حمص، وقبره هناك مشهور يُزار ويتبرك به، كان نازلًا هناك فمرض ومات. ولد عمر بمصر سنة إحدى وستين، وتوفى يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة وعمره تسع وثلاثون سنة وستة أشهر. وكان عمر أشج، يقال له: أشج بنى أمية، ضربته دابة فى وجهه، وكان عمر بن الخطاب، ﵁، يقول: من ولدى رجل بوجهه شجة يملأ الأرض عدلًا.
قال ابن قتيبة: كان لعمر بن عبد العزيز أربعة عشر ابنًا، منهم عبد الملك الولد الصالح ابن الصالح، كان من أعبد الناس، توفى فى خلافة أبيه وهو ابن سبع عشرة سنة وستة أشهر، وكان أحد المشيرين على عمر بمصالح الرعية، والمعينين له على الاهتمام بمصالح الناس، وكان وزيرًا صالحًا، وبطانة خير، ﵀، وكان أبر أهل عصره بوالده أو من أبرهم، وله مناقب مشهورة.
قال البخارى فى تاريخه: أصل عمر بن عبد العزيز مدنى. وفى الطبقات لمحمد بن سعد: قالوا: ولد عمر بن عبد العزيز سنة ثلاث وستين. وبإسناده أن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: ليت شعرى من ذى الشين من ولدى الذى يملؤها عدلًا كما ملئت جورًا، وأراد بالشين الشجة التى كانت فى وجهه.
وبإسناده المتفق على صحته عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، قال: إنا كنا نتحدث أن هذا الأمر لا ينقضى حتى بلى هذه الأمة رجل من ولد عمر يسير فيها بسيرة عمر، بوجهه شامة. قال: فكنا نقول: هو بلال بن عبد الله بن عمر، وكانت بوجهه شامة، حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز.
وبإسناده عن ابن شوذب، قال: لما أراد عبد العزيز بن مروان أن يتزوج أن عمر بن عبد العزيز، قال لقيمه: اجمع لى أربع مائة دينار من طيب مالى، فإنى أريد أن أتزوج أهل بيت لهم صلاح، فتزوج أم عمر.
وبإسناده عن حجاج الصواف قال: أمرنى عمر بن عبد العزيز وهو وال على
[ ٢ / ١٩ ]
المدينة أن أشترى له ثيابًا، فاشتريت له ثيابًا، فكان ثوب بأربع مائة، فقطعه قميصًا، ثم لمسه بيده، فقال: ما أخشنه وأغلظه، ثم أمر بشراء ثوب له وهو خليفة، فاشتروه بأربعة عشر درهمًا، فلمسه فقال: سبحان الله ما ألينه وأرقه.
وبإسناده أن سليمان بن عبد الملك عهد بالخلافة لعمر بن العزيز، فلما توفى سليمان وانصرف عمر من قبره، إذا دواب سليمان قد عرضت له، فأشار إلى بغيلة شهيباء فأتى بها، فركبها وانصرف، وإذا فرش فقال: لقد عجلتم، ثم تناول وسادة أرمنية فطرحها بينه وبين الأرض، ثم قال: أما والله لولا أنى فى حوائج المسلمين ما جلست عليك.
وعن عبد الحميد بن سهيل، قال: رأيت عمر بن عبد العزيز بدأنا بأهل بيته، فرد ما كان بأيديهم من المظالم، ثم فعل ذلك بالناس بعد، فقال عمر بن الوليد: جئتم برجل من ولد عمر بن الخطاب فوليتموه عليكم ففعل هذا بكم.
وعن أبى الزناد، قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز بالعراق فى رد المظالم إلى أهلها، فرددناها حتى أنفدنا ما فى بيت مال العراق، وحتى حمل إلينا عمر المال من الشام. قال أبو الزنا: وكان عمر يرد المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة، وكان يكتفى بأيسر ذلك إذا عرف وجهًا من مظلمة الرجل ردها عليه، ولم يكلفه تحقيق البينة، لما كان يعرفه من غشم الولاة قبله.
وعن إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: ما كان يقدم على أبى بكر بن محمد كتاب من عمر إلا فيه ردّ مظلمة، أو إحياء سنة، أو إطفاء بدعة، أو قسم، أو تقدير عطاء، أو خير حتى خرج من الدنيا.
وعن أبى بكر بن محمد، قال: كتب إلىَّ عمر أن أستبرأ الدواوين، فأنظر إلى كل جور جلده من قبلى من حق مسلم أو معاهد فأرده إليه، فإن كان أهل المظلمة ماتوا فادفعه إلى ورثتهم.
وعن أبى موسى بن عبيدة، قال: سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبى بكر بن محمد: وإياك والجلوس فى بيتك، أخرج إلى الناس أس بينهم فى المجلس والمنظر، ولا يكن أحد من الناس آثر عندك من أحد، ولا تقولن هؤلاء من أهل بيت أمير المؤمنين، فإن أهل بيت أمير المؤمنين وغيرهم عندى اليوم سواء، بل أنا أحرى أن أظن
[ ٢ / ٢٠ ]
بأهل بيت أمير المؤمنين أنهم يقهرون من نازعهم، وإذا أشكل عليك شىء فاكتب إلىَّ فيه.
وعن حازم بن أبى حازم، قال: قال عمر فى كلام له: فلو كان بكل بدعة يميتها الله على يدى وبكل سنة ينعشها على يدى بضعة من لحمى حتى يأتى آخر ذلك على نفسى كان فى الله يسيرًا.
وعن حماد بن أبى سليمان، قال: قام عمر بن عبد العزيز فى جامع دمشق، فقال بأعلى صوته: لا طاعة لنا فى معصية الله.
وعن عبد الله بن واقد، قال: آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز، حمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس، والله لولا أن أنعش سُنَّة أو أشير بحث ما أحببت أن أعيش فواقًا. الفواق: ما بين الحلبتين.
وعن سالم بن عبد الله، وخارجة بن زيد، قالا: إنا لنرجوا لسليمان بن عبد الملك فى استخلافه عمر بن عبد العزيز. وبإسناده أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف باع كل ما كان يملكه من الفضول من عبد، ولباس، وعطر، وكل ما يستغنى عنه، فبلغ ثلاثة وعشرين ألف دينار، فجعله فى السبيل.
وبإسناده عن خادم عمر بن عبد العزيز أنه لم يمتلأ من طعام من يوم ولى حتى مات، وأنه وضع المكث عن كل أرض، وأنه أمر بعمل الخانات بطريق خراسان، وأنه كتب إلى أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان يأتيه: أن افرض للناس، يعنى العطاء، إلا لتاجر، وأنه كتب إلى الناس: أن ارفعوا إلىَّ كل منفوس يفرض له، يعنى المولود، فإنما هو مالكم نرده عليكم، وأن أبا بكر بن محمد كان يعمل بالليل كعمله بالنهار لاستحثاث عمر إياه.
وعن محمد بن قيس، قال: رأيت عمر بن عبد العزيز إذا صلى العشاء دعى بشمعة فيكتب فى أمر المسلمين وفى رد المظالم، فإذا أصبح جلس فى رد المظالم، وأمر بالصدقات أن تقسم لأهلها، فلقد رأيت من يتصدق عليه له فى العام القابل إبل فيها صدقة.
وعن مهاجر بن يزيد قال: بعثنا عمر بن عبد العزيز فقسمنا الصدقة، فلقد رأيتنا وإنا لنأخذ الزكاة فى العام القابل ممن يتصدق عليه فى العام الماضى، ولقد كنت أراه يغسل ثيابه فما يخرج إلينا، ما له غيرها، وما أحدث بناء، ولقد رأيت عتبة له خربت فاكلم فى إصلاحها، ثم قال: يا مزاحم، هل لك فى تركها
[ ٢ / ٢١ ]
فنخرج من الدنيا ولم نحدث شيئًا. قال: وحرم الطلاء فى كل أرض. الطلاء نوع من الأنبذة كان أهل العراق يستبيحونه.
وعن عاصم بن كليب، قال: فدى عمر بن عبد العزيز رجلًا من العدو ردَّه بمائة ألف درهم. وبإسناده أن سيف عمر كان محلى بفضة فنزعها وحلاه بحديد. وبإسناد ضعيف أنه كان له ثلاثة عشر مؤذنًا. وبإسناد ضعيف أنه يمسح وجهه إذا توضأ، وكان يتوضأ من مس الذكر، ومن أكل ما مست النار حتى من السكر، ويقنع رأسه إذا دخل الخلاء، ويقول: الشفق البياض بعد الحمرة. وبإسناده أن عمر بن عبد العزيز عزل كاتبًا له كتب: بم، ولم يجعل السين. وأنه كان يأمر الناس إذا أخذ المؤذن فى الإقامة أن يستقبلوا القبلة.
وعن ميمون بن مهران، قال: كان عمر بن عبد العزيز معلم العلماء. وعن روح بن عبادة، قال: أخرج مسك من الخزائن، فلما وضع بين يدى عمر أمسك بأنفه مخافة أن يجد رائحته، فقيل له فى ذلك، فقال: وهل يبتغى من هذا إلا ريحه.
وعن نعيم بن عبد الله، قال: قال عمر: إنى لأدع كثيرًا من الكلام مخافة المباهات. وبإسناده أن عمر كتب فى المحبوسين: لا يقيد أحد بقيد يمنع من تمام الصلاة. وأنه قال: لا ينبغى أن يكون قاضيًا إلا مَن هو عفيف حليم عالم بما كان قبله، يستشير ذوى الرأى، لا يخاف ملامة الناس.
وأن محمد بن كعب القرظى دخل على عمر، وكان عمر قبل الخلافة حسن الجسم، فجعل ينظر إليه لا يطرف، فقال: ما لك؟ قال: يا أمير المؤمنين، عهدى بك حُسن الجسم، وأراك قد اصفر لونك، ونحل جسمك، وذهب شعرك، فقال: كيف لو رأيتنى فى قبرى بعد ثلاث، وقد ابتدرت الحدقتان على وجنتى، وسال منخراى وفمى صديدًا ودودًا لكنت أشد لى نكرة.
وبإسناده أن عمر خطب، فقال: يا أيها الناس اتقوا الله، فإن تقوى الله خلفًا من كل شىء، وليس لتقوى الله خلف. وأنه قال: معول المؤمنين الصبر. وبإسناده الصحيح أن رجلًا سأل عمر عن شىء من الأهواء، فقال: الزم دين الصبى والأعرابى واله عما سوى ذلك.
وبإسناده الصحيح عن عمر بن ميمون، قال: كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة. وبإسناده أن رجلًا
[ ٢ / ٢٢ ]
نال من عمر، فقيل له: ما يمنعك منه؟ فقال: إن المتقى ملجم. وأن عمر كتب إلى الأمراء: لا تركبوا فى الغزو إلا أضعف دابة فى الجيش سيرًا. وأنه قال: إقامة الحدود عندى كإقامة الصلاة. وأنه كتب إلى عامله باليمن: أما بعد، فإنى أكتب إليك أن ترد على المسلمين مظالمهم فتراجعنى، ولا تعلم بعد المسافة بينى وبينك، ولا تعرف حدث الموت حتى لو كتبت إليك برد شاة رجل كتبت أردها عفراء أم سوداء، فرد على المسلمين مظالمهم ولا تراجعنى.
وأن رجلًا قال له: أبقاك الله، فقال: هذا قد فرغ منه، ادع لى بالصلاح. وأنه كان ينهى بناته أن ينمن مستلقيات، وقال: لا يزال الشيطان مطلًا على إحداكن إذا استلقت يطمع فيها. وأنه سُئل عن الجمل وصفين، وما كان فيهما، فقال: تلك دماء كف الله يدى عنها، فأنا أكره أن أغمس لسانى فيها.
وأن رجلًا قال لعمر: لو تفرغت لنا، فقال: وأين الفراغ؟ ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله. وأنه قيل له أن يتحفظ فى طعامه وشرابه من السم، وفى خروجه بحرس كعادت من قبله، فقال: وأين هم، فلما أكثر عليه، قال: اللهم إن كنت تعلم أن أخاف يومًا دون يوم القيامة فلا تؤمن خوفى.
وعن مجاهد، قال: أتينا عمر بن عبد العزيز ونحن نرى أنه سيحتاج إلينا، فما خرجنا من عنده حتى احتجنا إليه. وبإسناده أن عمر كان إذا سمر فى أمر العامة أسرج من بيت المال، وإذا سمر فى أمر نفسه أسرج من مال نفسه، فبينما هو ذات ليلة إذ نعس السراج، فقام فأصلحه، فقيل: إنا نكفيك، قال: أنا عمر حين قمت، وأنا عمر حين جلست.
وأنه قال: ما كذبت منذ علمت أن الكذب شين. وأنه احتبس غلامًا له يحتطب له، فقال له الغلام: الناس كلهم بخير غيرى وغيرك، قال: اذهب فأنت حر. وأنه قال: والله لوددت لو عدلت يومًا واحدًا، وأن الله تعالى قبضنى.
وعن ميمون بن مهران، قال: أقمت عند عمر ستة أشهر، ما رأيته غير ردائه إلا أنه كان يغلسه بنفسه من الجمعة إلى الجمعة. وعن سعيد بن سويد، أن عمر صلى بهم الجمعة وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه، فلما فرغ جلس وجلسنا معه، قال: فقال له رجل من القوم: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعطاك، فلو لبست وصنعت، فنكس مليًا حتى
[ ٢ / ٢٣ ]
عرفنا أن ذلك قد سائه، ثم رفع رأسه، ثم قال: إن أفضل القصد عند الجدة، وأفضل العفو عند القدرة.
وأحوال عمر بن عبد العزيز وفضائله غير منحصرة، وفيما أشرنا إليه كفاية. وكان مرضه الذى توفى فيه عشرين يومًا، وقيل له: مَن توصى بأهلك؟ فقال: أن ولى فيهم الله الذى نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين. وأوصى أن يُدفن معه شىء كان عنده من شعر النبى - ﷺ - وأظفار من أظفاره، وقال: إذا مت فاجعلوه فى كفنى، ففعلوا ذلك.
وعن يوسف بن ماهك، قال: بينما نحن نحثو التراب على قبر عمر بن عبد العزيز، سقط علينا رق من السماء مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار.
* * *