كان - ﷺ - أجود الناس، وكان أجود ما يكون فى رمضان، وكان أحسن الناس خَلقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم حجًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله، وأشدهم لله خشية، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتقم لها، وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله ﷿، فحينئذ يغضب ولا يقوم لغضبه شىء حتى ينتصر للحق، وإذا غضب أعرض وأشاح، وكان خُلقه القرآن، وكان أكثر الناس تواضعًا، يقضى حاجة أهله، ويخفض جناحه للضعفة، وما سُئل شيئًا قط فقال: لا، وكان أحلم الناس، وكان أشد الناس حياء من العذراء فى خدرها، والقريب والبعيد والقوى والضعيف عنده
[ ١ / ٣١ ]
فى الحق سواء.
وما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه، ولا يأكل متكئًا ولا على خوان، ويأكل ما تيسر، ولا يمتنع من مباح ما، وكان يحب الحلواء والعسل، ويعجبه الدباء، وهو اليقطين، وقال: "نعم الإدام الخل" (١)، و"فضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (٢)
)، وكان أحب الشاة إليه الذراع. وقال أبو هريرة، ﵁: خرج رسول الله - ﷺ - من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، يعنى للعدم، وكان يأتى الشهر والشهران لا يوقد فى بيت من بيوته نار.
وكان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، ويكافىء على الهدية. ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويعود المريض، ويجيب من دعاه من غنى أو فقير، أو دنى أو شريف، ولا يحتقر أحدًا، وكان يقعد تارة القرفصاء، وتارة متربعًا، واتكأ فى أوقات، وفى كثير من الأوقات أو فى أكثرها محتبيًا بيديه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس فى الشراب بالإناء ثلاثًا خارج الإناء. ويتكلم بجوامع الكلم، ويعيد الكلمة ثلاثًا لتفهم، وكلامه بَيِّن يفهمه من سمعه، ولا يتكلم فى غير حاجة، ولا يقعد ولا يقوم إلا على ذكر الله تعالى، وركب الفرس والبعير والحمار والبغلة، وأردف معه خلفه على ناقة وعلى حمار، ولا يدع أحدًا يمشى خلفه.
وعصب على بطنه الحجر من الجوع، وكان يبيت هو وأهله الليالى طاويين، وفراشه من أدم حشوه ليف، وكان متقللًا من أمتعة الدنيا كلها، وقد أعطاه الله تعالى مفاتيح خزائن الأرض كلها فأبى أن يأخذها واختار الآخرة عليها، وكان كثير الذكر، دائم الفكر، جل ضحكه التبسم، وضحك فى أوقات حتى بدت نواجذه وهى الأنياب، ويحب الطيب، ويكره الريح الكريهة، ويمزح ولا يقول إلا حقًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان كما وصفه الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] .
وكانت معاتبته تعريضًا: "ما بال قوم يشترطون شروطًا ليست فى كتاب الله تعالى" (٣) . ونحو ذلك، ويأمر بالرفق ويحث عليه، وينهى عن العنف، ويحث على العفو والصفح ومكارم الأخلاق، ويحب التيمن فى طهوره وترجله
_________________
(١) أورده السيوطى فى الكبير وعزاه لأبى عوانة، والحكيم عن أنس. الطيالسى، وأحمد، والدارمى، ومسلم، والنسائى، وأبى داود، والترمذى، وابن ماجه عن جابر. تمام، وابن عساكر عن عمر بن عبد العزيز عن أمه أم عاصم عن أبيها عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه. أبى عوانة، والطبرانى عن ابن عباس. مسلم، والترمذى، وابن ماجه عن عائشة. الطبرانى عن السائب بن يزيد) .
(٢) حديث أنس: أخرجه أحمد (٣/١٥٦، رقم ١٢٦١٩)، والبخارى (٣/١٣٧٥، رقم ٣٥٥٩)، ومسلم (٤/١٨٩٥، رقم ٢٤٤٦)، والترمذى (٥/٧٠٦، رقم ٣٨٨٧) وقال: حسن. والنسائى (٧/٦٨، رقم ٣٩٤٨)، وابن ماجه (٢/١٠٩٢، رقم ٣٢٨١)، والدارمى (٢/١٤٤، رقم ٢٠٦٩)، وابن حبان (١٦/٥٠، رقم ٧١١٣) . وأخرجه أيضًا: ابن أبى شيبة (٦/٣٩٠، رقم ٣٢٢٨١)، والطبرانى فى الأوسط (٢/٣٦٩، رقم ٢٢٥٦) . حديث أبى موسى: أخرجه النسائى (٧/٦٨، رقم ٣٩٤٧) . حديث عائشة: أخرجه أحمد (٦/١٥٩، رقم ٢٥٢٩٩) والنسائى (٧/٦٨، رقم ٣٩٤٨) وأخرجه أيضًا: إسحاق بن راهويه (٢/٤٨٦، رقم ١٠٦٨)، وابن حبان (١٦/٥٢، رقم ٧١١٥) . حديث سعد: أخرجه أبو نعيم فى الحلية (٩/٢٥) . وأخرجه أيضًا: الطبرانى فى الأوسط (٢/٢٧٨، رقم ١٩٧٨) . قال الهيثمى (٩/٢٤٣): رجاله رجال الصحيح. حديث معاوية بن قرة عن أبيه: أخرجه الحاكم (٣/٦٧٧، رقم ٦٤٨٣)، والطبرانى (١٩/٢٨، رقم ٦٠) . قال الهيثمى فى مجمع الزوائد (٩/٢٤٣): إسناده حسن. حديث عبد الرحمن بن عوف: أخرجه الطبرانى (٢٣/٤٢، رقم ١٠٨) . قال الهيثمى (٩/٢٤٣: رجاله رجال الصحيح إلا أن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٧/٢٤٨، رقم ١٣٠٠٦)، والبخارى (٢/٩٨١، رقم ٢٥٨٤)، ومسلم (٢/١١٤٢، رقم ١٥٠٤)، وأبو داود (٤/٢١، رقم ٣٩٢٩)، والترمذى (٤/٤٣٦، رقم ٢١٢٤)، وقال: حسن صحيح. والنسائى (٧/٣٠٥، رقم ٤٦٥٥)، وابن ماجه (٢/٨٤٢، رقم ٢٥٢١) .
[ ١ / ٣٢ ]
وتنعله وفى شأنه كله، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى. وإذا نام واضطجع اضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة.
وكان مجلسه مجلس حلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا يؤذين فيه الحرم، أى لا يذكر فيه النساء، يتعاطفون فيه بالتقوى، ويتواضعون، ويوقر الكبار، ويرحم الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويحفظون الغريب، ويخرجون أدلة على الخير. وكان يتألف أصحابه، ويكرم كريم كل قوم ويوليه أمرهم، ويتفقد أصحابه، ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا يجزى بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد فى سبيل الله، وما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا.
ودلائل كل ما ذكرته فى الصحيح مشهورة، وقد جمع الله ﷾ له - ﷺ - كمال الأخلاق، ومحاسن الشيم، وآتاه علم الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز، وهو أمىّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا مُعلم له من البشر، وآتاه ما لم يؤت أحدًا من العالمين، واختاره على جميع الأولين والآخرين، صلوات الله عليه وسلامه دائمين إلى يوم الدين. ثبت فى الصحيح عن أنس بن مالك، ﵁، قال: ما مستت ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله - ﷺ -، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول اللهﷺ -، ولقد خدمت رسول الله - ﷺ - عشر سنين، فما قال لى قط أف، ولا قال لشىء فعلته: لم فعلته، ولا لشىء لم أفعله: ألا فعلت كذا.