لرسول الله - ﷺ - معجزات ظاهرات وأعلام متظاهرات تبلغ ألوفًا، وهى مشهورات، فمنها القرآن، المعجزة الظاهرة، والدلالة الباهرة، ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، الذى أعجز البلغاء فى أفصح الأعصار، وأعياهم أن يأتوا بسورة منه ولو استعانوا بجميع الخلق. قال الله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ
[ ١ / ٣٣ ]
اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، فتحداهم - ﷺ - بذلك مع كثرتهم وفصاحتهم وشدة عداوتهم إلى يومنا هذا.
أما المعجزات غيره، فلا يمكن حصرها أبدًا؛ لأنها كثيرة جدًا، ومتجددة متزايدة، ولكن أذكر منها أمثلة كانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الماء والطعام، وتسبيح الطعام، وحنين الجذع، وتسليم الحجر، وتكليم الزراع المسمومة، ومشى الشجرة إليه، واجتماع الشجرتين المتباعدتين ورجوعهما إلى مكانهما، ودرور الشاة الحائل، ورده عين قتادة بن النعمان بعد أن ندرت وصارت فى يده إلى مكانها، فلم تكن تُعرف بعد ذلك، وتفله فى عينى على وكان أرمد فبرىء من ساعته، ومسحه رجل عبد الله بن عتيك فبرأت فى الحال، وإخباره بمصارع المشركين يوم بدر، هذا مصرع فلان، فلم يعدوا مصارعهم، وإخباره بقتلة أُبى بن خلف، وإخباره بأن طائفة من أمته يغزون البحر، وأن أم حرام منهم فكان كذلك، وبأنه يفتح على أمته ما زوى له من مشارق الأرض ومغاربها، وبأن كنوز كسرى تنفقها أمته فى سبيل الله ﷿، وبأنه يخاف على أمته ما يفتح عليهم من زهرة الدنيا، وبأن خزائن فارس والروم تفتح لنا، وبأن سراقة بن مالك يسور بسوارى كسرى.
وبأن الحسن بن على يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، وبأن سعد بن أبى وقاص يعيش حتى ينتفع به أقوام ويضر به آخرون، وبأن النجاشى مات يومكم هذا وهو بالحبشة، وبأن الأسود العنسى قُتل ليلتكم هذه وهو باليمن، وبأن المسلمين يقاتلون الترك صغار الأعين عراض الوجوه ذلف الأنوف، وبأن اليمن تفتح عليكم والشام والعراق، وبأن المسلمين يجندون ثلاثة أجناد جندًا بالشام، وجندًا باليمن، وجندًا بالعراق، وبأنهم يفتحون مصر أرضًا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرًا فإن لهم ذمة ورحمًا.
وبأن أويسًا القرنى يقدم عليكم فى إمداد أهل اليمن، كان به برص فبرىء منه إلا قدر درهم، فقدم كذلك على عمر، وبأن طائفة
[ ١ / ٣٤ ]
من أمته على الحق، وبأن الناس يكثرون، وبأن الأنصار يقلون، وبأن الأنصار يلقون بعده أثرة، وبأن الناس لا يزالون يسألون حتى يقولوا: هذا خلق الله الخلق الحديث، وبأن رويفع بن ثابت تطول به الحياة، وبأن عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية، وبأن هذه الأمة ستفترق، وبأنه سيكون بينهم قتال، وبأنه ستخرج نار من أرض الحجاز، وأشباه هذا، فوقعت كلها كما ذكر - ﷺ - واضحة جلية.
وقال لثابت بن قيس: "تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا"، فعاش حميدًا، واستشهد باليمامة. وقال لعثمان: "تصيبه بلوى شديدة". وقال فى رجل من المسلمين: "يقاتل قتالًا شديدًا، وأنه من أهل النار"، فَقَتل نفسه. وجاءه وابصة بن معبد يسأله عن البر والإثم، فقال: "جئت تسأل عن البر والإثم" (١) . وقال لعلى والزبير والمقداد: "اذهبوا إلى روضة خاخ" (٢) بأن هناك ظعينة معها كتاب، فوجدوها فأنكرته، ثم أخرجته من عقاصها.
وقال لأبى هريرة حين سرق الشيطان التمر: "إنه سيعود" فعاد. وقال لأزواجه: "أطولكن يدًا أسرعكن لحاقًا بى" (٣) فكان كذلك. وقال لعبد الله بن سلام: "أنت على الإسلام حتى تموت". ودعا - ﷺ - لأنس بأن يكثر ماله وولده ويطول عمره، فكان كذلك، عاش فوق مائة سنة، ولم يكن أحد من الأنصار أكثر مالًا منه، ودفن من أولاده الذكور لصلبه مائة وعشرين ابنًا قبل قدوم الحجاج سوى غيرهم، وهذا مصرح به فى صحيح البخارى وغيره.
ودعا - ﷺ - أن يعز الله الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبى جهل، فأعزه الله بعمر، ﵁. ودعا على سراقة بن مالك فارتطمت به فرسه فى جلد من الأرض، وساخت قوائمها فيها، فناداه بالأمان وسأله الدعاء له. ودعا لعلى أن يذهب الله عنه الحر والبرد، فلم يكن يجد حرًا ولا بردًا. ودعا لحذيفة ليلة بعثه يأتى بخبر الأحزاب ألا يجد بردًا، فلم يجده حتى رجع. ودعا لابن عباس أن يفقهه الله فى الدين، فكان كذلك. ودعا على عتبة بن أبى لهب أن
_________________
(١) أخرجه الطبرانى (٢٢/١٤٧، رقم ٤٠٢)، وابن عساكر (٦٢/٣٤٠) . قال الهيثمى (١/١٧٥): رواه أحمد والبزار وفيه أبو عبد الله السلمى وقال فى البزار الأسدى عن وابصة وعنه معاوية بن صالح ولم أجد من ترجمه.
(٢) حديث علي: أخرجه أحمد (١/٧٩، رقم ٦٠٠)، والبخاري (٣/١٠٩٥، رقم ٢٨٤٥)، ومسلم (٤/١٩٤١، رقم ٢٤٩٤)، وأبو داود (٣/٤٧، رقم ٢٦٥٠)، والترمذي (٥/٤٠٩، رقم ٣٣٠٥) . وأخرجه أيضا: الحميدي (١/٢٧، رقم ٤٩)، وابن حبان (١٤/٤٢٤، رقم ٦٤٩٩) .
(٣) أخرجه مسلم (٤/١٩٠٧، رقم ٢٤٥٢) واللفظ له، والنسائى (٥/٦٦، رقم ٢٥٤١)، وابن حبان (١٥/٥٠، رقم ٦٦٦٥) . وأخرجه أيضًا: البخارى (٢/٥١٥، رقم ١٣٥٤)، والحاكم (٤/٢٦، رقم ٦٧٧٦) قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
[ ١ / ٣٥ ]
يسلط الله عليه كلبًا من كلابه، فقتله الأسد بالزرقاء. ودعا بنزول المطر حين سألوه ذلك لقحوط المطر ولم يكن فى السماء قزعة، فثار سحاب أمثال الجبال، ومطروا إلى الجمعة الأخرى، حتى سألوه أن يدعو برفعه، فدعا فارتفع وخرجوا يمشون فى الشمس.
ودعا لأبى طلحة ولامرأته أم سليم أن يباك الله لهما فى ليلتهما، فكان كذلك، فحملت فولدت عبد الله، فكان من أولاده تسعة كلهم علماء. ودعا لأم أبى هريرة، ﵁، بالهداية، فذهب أبو هريرة فوجدها تغتسل وقد أسلمت. ودعا لأم قيس بنت محصن أخت عكاشة بطول العمر، فلا نعلم امرأة عمَّرت ما عمرت، رواه النسائى فى أبواب غسل الميت. ورمى الكفار يوم حنين بقبضة من تراب، وقال: "شاهت الوجوه" (١)
) فهزمهم الله تعالى، وامتلأت أعينهم ترابًا. وخرج على مائة من قريش ينتظرونه ليفعلوا به مكروهًا، فوضع التراب على رءوسهم ومضى ولم يروه.