إِن الفِتَنَ الَّتِي مَرَّتْ بِهَا الْأمَّةُ - شَرَّفَها اللهُ تَعَالَى - كَانَ لَا بُدَّ لَها وَأَنْ تَهْتَمَّ بِالْإِسْنَادِ وَالسُّؤَالِ عَنْهُ مُبَكِّرًا - وَمَا ذلِكَ إِلَّا لِلذَّبِّ عَنْ هذا الدِّينِ القَويم - وخَاصّةَ في أَعْقَابِ الفِتَنِ الَّتِي ظَهَرَتْ مَعَ بِدَايَةِ خِلَافةِ الْإِمَامِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، وبالْأَخَصِّ مَعَ نِهَايَةِ خَلَافةِ الْإِمَامِ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، حَيْثُ اسْتُشْهِدَا غَدْرًا.
مِمّا أَدَّى إِلَى تَمَزُّقِ الْأمَّةِ وَتَفَرُّقِ رِجَالِها، فَفَشَى الكَذِبُ وظَهَرَ الوَضْعُ فِي حَدِيْثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
فَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: لَمَّا أَحْدَثُوا تِلْكَ الْأَشْيَاءِ بَعْدَ عَلى ﵁، قَالَ رَجُل مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ: قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَيُّ عِلْمٍ أَفْسَدُوا (^١).
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ (^٢).
وَلِذلِكَ أَصْبَحَ طَلَبُ الإِسْنَادِ وَالوُقُوفُ عَلَيْهِ مِنْ الدِّيْنِ وَخَصِيْصَةً فَاضِلَةً مِن خَصَائِصِ هذِهِ الْأُمَّةِ، وَسُنَّةً بَالِغَةً مِنَ السُّنَنِ.
قَال ابنُ سِيرِيْنَ: إِن هذَا الْعِلْمَ دَينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأَخُذُونَ دِينَكُمْ (^٣).
يَقُولُ الإِمَامُ السَّخَاوِيُّ (^٤) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَقَدْ رُوِّيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي
_________________
(١) شرح صحيح مسلم: ١/ ٤٠.
(٢) المصدر السابق: ١/ ٤٤.
(٣) المصدر السابق: ١/ ٤٤.
(٤) فتح المغيث شرح ألفية الحديث: ٣/ ٣.
[ ١ / ١٢ ]
الْعَبَّاسِ (^١) الدَّغُولِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ حَاتِم بْنِ المُظَفَّرِ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ أَكْرَمَ هذِهِ الأُمَّةَ وَشَرَّفَهَا وفَضَّلَها بِالإِسْنَادِ، وَلَيسَ لِأَحَّدٍ مِنَ الأمُمِ كُلِّها قَدِيمِهَا وحَدِيثِهَا إِسْنَادٌ، إنّما هو صُحُفٌ فِي أَيْدِيهِم، وقَدْ خَلَطُوا بِكُتِبِهِم أَخْبَارَهُمْ فَلَيسَ عِنْدَهُمْ تَمْيِيزٌ بَينَ مَا نَزَلَ مِنْ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ وبَيْنَ مَا أَلْحَقُوه بِكُتبِهم مِنَ الأخبَارِ الَّتِي أَخَذُوهَا عَنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ.
وَهذِهِ الأُمَّةُ إنما تَنُصُّ الحَدِيثَ عَنِ الثِّقَةِ المَعْرُوفِ فِي زَمَانِهِ المَشْهُورِ بِالصِّدْقِ والْأَمَانَةِ عَنْ مِثْلِهِ حَتَّى تَنَاهَى أَخْبَارَهُمْ، ثمَّ يَبْحَثُونَ أَشَدَّ البَحْثِ حتَّى يَعْرِفُوا الْأَحْفَظَ فَالأَحْفَظَ، والْأَضْبَطَ فَالْأَضْبَطَ، والأَطْوَلَ مُجَالَسَةً لِمَنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ كَانَ أَقَلَّ مُجَالسَةً، ثم يَكْتُبُونَ الحَدِيثَ مِنْ عِشْرِينَ وَجْهًا أَوْ أَكْثَرَ حتَّى يُهَذِّبُوهُ مِنَ الغَلَطِ والزَّلَلِ، ويَضْبِطُونَ حُرُوفَه ويَعُدُّوهُ عدًّا.
فَهذَا مِنْ أَفْضَلِ نِعَم اللهِ عَلَى هذِهِ الْأُمَّةِ فَلْيُوزع اللهُ شُكْرَ هذِهِ النِّعْمَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَازِيُّ (^٢): لم يكُنْ في أُمَّةِ من الْأُمَّمِ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ آدمَ أُمَّةٌ (^٣) يَحْفَظُونَ آثارَ الرُّسُلِ إلَّا فِي هذِهِ الأُمَّةِ.
وقَالَ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بن أَحْمَدَ (^٤): بَلَغَني أنّ الله خصَّ هذِهِ الأُمَّةَ بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ لم يُعْطِها مَنْ قَبْلَها: الإِسنادُ، [والأنسابُ، والإعرابُ] (^٥).
وَعِنْدَ الْحَاكِمِ فِي تَرْجَمَةِ عَبدِ اللهِ بْنِ طَاهِرِ مِنْ تَارِيْخِهِ (^٦) بِسَنَدِهِ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ
_________________
(١) هو الإمام المحدث أبو العباس محمد بن عبد الرحمن بن سابور الدغولي المتوفى سنة ٣٢٥ هـ، انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ٣/ ٨٢٣.
(٢) وهو الإمام الحافظ أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي الرازي المتوفى سنة ٢٧٥ هـ، انظر ترجمته في تهذيب الكمال: ٢٤/ ٣٨١.
(٣) في شرح المواهب اللدنية: أمناء، ٥/ ٣٩٤.
(٤) هو الحافظ الإمام القدوة أبو بكر محمد بن أحمد بن راشد بن معدان الثقفي الأصبهاني المتوفى سنة ٣٠٩ هـ، انظر ترجمته في: تاريخ بغداد: ١/ ٣٠٢، وسير أعلام النبلاء: ١٤/ ٤٠٤، ومختصر تاريخ دمشق: ٢١/ ٢٧٠، وتاريخ أصبهان: ٢/ ٢٤٣. ولم أجد قوله هذا في هذه الكتب، ووجدتها فقط في كتاب شرح المواهب اللدنية: ٥/ ٣٩٥، وقال: أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن منصور البغدادي المترفى سنة ٤٨٩ هـ، ووَهَّمَ هذا شيخُنَا الحافظ عبدُ الفتاح أبو غدة - أطال الله تعالى لنا عمره - في حاشية كتابه: الإسناد من الدين وقال: والذي ظهر لي - أي: فضيلة الشيخ أبو غده - أنه هو: أبو بكر محمد بن أحمد بن راشد بن معدان الثقفي مولاهم الأصبهاني.
(٥) بياض في الأصل، والتصويب من شرح المواهب اللدنية: ٥/ ٣٩٥.
(٦) تاريخ نيسابور.
[ ١ / ١٣ ]
الحَنْظَلِيِّ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاهِرِ إِذَا سَأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ فذكَرْتُه لَهُ بِلَا إِسْنَاد، سَأَلَنِي عَنْ إِسْنَادِهِ، وَيَقُولُ: رُوَايَةُ الحَدِيْثِ بِلا إِسْنَادِ مِنْ عَمَلِ الزَّمْنَى، فَإِنَّ إسْنَادَ الحدِيثِ كَرامَة مِنَ اللهِ ﷿ لأمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَلِذَا قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ (^١): الإسْنَادُ مِنَ الدِّينِ [و] لَوْلَا الإِسْنَادُ لقالَ مَنْ شَاءَ: مَا شَاءَ (^٢).
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ (^٣): مَثَلُ الَّذِي يَطلُبُ أَمْرَ دِينِهِ بِلَا إِسْنَادِ، كَمَثَلِ الَّذِي يَرْتَقِي السَّطْحَ بِلَا سُلَّمِ.
وفي رِوَايةٍ عَنْهُ كما في مُقَدِّمةٍ مسلمٍ (^٤): بَيْنَنَا وبَيْنَ القَوْمِ القَوَائِمُ - يَعْنِي: الإِسْنَادُ (^٥) -.
وقَالَ أَيضًا لِمَنْ سَأَلَهُ (^٦) عَنْ حَدِيثٍ (^٧): عَنِ الحجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ كَمَا فِي الْمُقَدِمَةِ (^٨) أَيضًا: إنَّ بَيْنَ الحجَّاجِ وبينَ النَّبيِّ مَفَاوِزَ (^٩) تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاق المَطِيِّ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ: مَثَلُ الَّذي يَطْلُبُ الحَدِيثَ بلا إِسْنَادٍ كَمَثَلِ حَاطِبِ لَيْلٍ (^١٠).
وَعَنْ الثَّوْرِيِّ (^١١) قَالَ: الإِسْنَادُ سِلَاحُ المُؤْمِنِ، فإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلاحٌ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُقَاتِلُ (^١٢)؟
_________________
(١) هو الإمام الثقة المحدث أبو عبد الرحمن عبد الله بن مبارك بن واضح الحنظلي المتوفى سنة ١٨١ هـ، انظر ترجمته في: المعارف لابن قتيبة: ٥١١، والولاة والقضاة: ٣٦٨، والعبر: ١/ ٢٣٢، ٢٣٦، ٢٧٠، وطبقات الصوفية: ٧، ٤٤.
(٢) راجع تاريخ بغداد: ٦/ ١٦٦، ومقدمة صحيح مسلم: ٤٦، ٤٧.
(٣) انظر أيضًا: شرح المواهب اللدنية: ٥/ ٣٩٣.
(٤) مقدمة صحيح مسلم: ١/ ٤٨.
(٥) والمراد من هذا الكلام: أي: إن جاء بإسنادٍ صحيحٍ قبلنا حديثه وإلا تركناه، فجعل الحديث كالحيوان، لا يقوم بغير إسناد، كما لا يقوم الحيوان بغير قوائم.
(٦) والسائل هو: أبو إسحاق إبرهيم بن عيسى الطَّلَقَانيُّ.
(٧) والحديث الذي سئل عنه هو: "إن من البِرِّ بعد البِرِّ، أَن تُصَلِّي لِأَبَوْيْكَ مَعَ صَلَاتِكَ وتَصُومَ لهما مَعَ صَوْمِكَ".
(٨) مقدمة صحيح مسلم: ١/ ٤٩.
(٩) المفاوز: جمع مفازة، وهي الأرض القفر البعيدة عن العمارة وعن الماء، التي يخاف الهلاك فيها.
(١٠) شرح المواهب اللدنية: ٥/ ٣٩٣.
(١١) هو الإمام المحدث أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي المتوفى سنة ١٦١ هـ، انظر ترجمته في طبقات خليفة: ١٦٨، وسير أعلام النبلاء: ٧/ ٢٢٩، وتهذيب التهذيب: ١١/ ١٥٥.
(١٢) المجروحين: ١/ ٢٧.
[ ١ / ١٤ ]
وقَالَ بَقِيَّةُ (^١): ذَاكَرْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ بِأَحَادِيثَ فَقَالَ: مَا أَجْودها لَوْ كَانَ لَهَا أَجْنِحَةٌ - يَعْنِي: الأسَانِيدَ (^٢) -.
وَقَالَ مَطَرٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ (^٣) قَالَ: إِسْنَادُ الحَدِيْثِ. اهـ.
وَقَالَ عبْدُ اللهِ بْنُ إدريسَ: رُبَّما حَدَّثَ الأَعْمَشُ بِالحَدِيثِ ثُمَّ يَقُولُ: بَقِيَ رَأْسُ المَالِ: "حَدَّثَنِي فُلَانٌ قَالَ: حَدُّثَنَا فُلانٌ عَنْ فُلَان" (^٤).
وَحَدَّثَ بَقِيَّةُ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيْم: أَنَّه كَانَ عِنْدَ إسْحَاقَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ وَعِنْدَهُ الزُّهْرِي، قَالَ: فَجَعَلَ ابْنُ أَبِي فَرْوَةَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فقَالَ لَهُ الزُّهْرِيُّ: قَاتَلَكَ اللهُ يا ابْنَ أَبِي فَرْوَةَ! ما أَجْرأَكَ عَلَى اللهِ لَا تُسْنِدُ حَدِيثَكَ؟ تُحَدِّثُنَا بِأَحَادِيْثَ لَيْسَ لَها خُطُمٌ ولَا أَزِمَّةٌ (^٥).
وقَالَ شُعْبَةُ: كُلُّ حَدِيثٍ لَيْسَ فيه حَدَّثَنا أَوْ أَخْبَرَنَا فَهُوَ خَلٌّ وبَقْلٌ (^٦).
وقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: فَلَوْلَا الإِسْنَادُ وَطَلَبُ هذِهِ الطَّائِفَةِ لَهُ وكَثْرَةُ مُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى حِفْظِهِ لَدُرِسَ مَنَارُ الإِسْلَامِ ولَتَمَكَّنَ أَهْلُ الإِلْحَادِ والْبِدَعِ فِيهِ بِوَضْع الحَدِيْثِ وَقَلْب الأَسَانِيدِ، فَإِنَّ الأخَبَارَ إِذَا تَعَرَّتَ عَنْ وُجُودِ الأَسَانِيْدِ فِيهَا كَانَتْ بُتْرًا (^٧).
وَبِمَا أَنَّ الإِسْنَادَ مِنَ الدِّين، وَأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَسْلَمُ إِلَّا بِهِ قَامَ أَئِمَّةٌ مِنَ الَّذِينَ يُحَافِظُونَ عَلَى الدِّينِ، وَيَقُومُونَ عَلَى نُصْرَتِهِ، وَيَذُبُّونَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الكَذِبَ وَالْوَضعَ، بَتَأْلِيفِ كُتُبٍ خَاصَّةٍ بِرِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا التَّوَالِيفَ، وَبَيَّنُوا أَحْوَالَ هؤُلَاءِ الرِّجَالِ - رِجَالِ السَّنَدِ - لِئَلَّا يُدْخَلَ مُضِلٌّ فِي السُنَنِ شَيْئًا يُضِلُّ بِهِ، وَإِلَيْكَ أَسْمَاءُ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ اهْتَمُّوا بِكُتُبِ الرِّجَالِ السِّتَّةِ.
_________________
(١) وهو: الحافظ أبو مُحْمِد بقية بن الوليد بن صائد بن كعب بن حريز الكلاعي الحمصي المتوفى سنة ١٩٧ هـ، انظر في: طبقات ابن سعد: ٧/ ٤٦٩، وتذكرة الحفاظ: ١/ ٢٨٩، والميزان: ١/ ٣٣١.
(٢) شرح المواهب اللدنية: ٥/ ٣٩٣.
(٣) سورة الأحقاف، الآية: ٤.
(٤) المجروحين: ١/ ٢٧.
(٥) معرفة علوم الحديث: ص ٦.
(٦) المحدث الفاضل: ص ٥١٧.
(٧) معرفة علوم الحديث: ص ٦.
[ ١ / ١٥ ]