ابْتَدَأَ الطَلبُ عِندَ إِمَامِنَا سَنَةَ (٨٧٥ هـ)، وَهُوَ فِي الثَانيةِ عَشْرَةٍ مِنْ عُمْرِهِ حَيثُ سَافَرَ إِلَى مَكةَ وهُوَ صَغيرُ السِنِ، وسَمِعَ على بَعضِ مَشَايخَهَا، ثُمَّ سَافَرَ إِلَى مِصرَ وأَخَذَ فِقهَ الحَديثِ، وسَمِعَ الحَديثَ مِنْ بَعضِ المَشايخِ وحَفظَ فِيهَا الكَثِيرَ مِنْ الكُتبِ، ثُمَّ عَادَ إِلى مَكةَ حَيثُ قَرأَ القُرآنَ تَجويدًا على بَعضِ الفُقَهاءِ، ثُمَّ رَحَلَ فِي سِنِ العِشْرِينَ إِلَى قَوصٍ وغَيرِهَا مِنْ بِلادِ الصَعِيدِ المصري، وسَمِعَ شَيئًا مِنَ التَوحِيدِ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى الإِسكَندَرِيةِ وسَمِعَ الحَديثَ عَنْ آخرِ مَنْ يَروِي الحَدِيثَ بِالسَّمَاعِ المَتصِلِ، وسَمِعَ العَديدَ مِنَ الأَشْيَاءِ مِنْ مَشَايخ تِلكَ المَدِينةِ، وبَعدَ ذلِكَ سَافَرَ ابْنُ حَجَرٍ إِلى اليَمَنِ، وعِنْدَ عَوْدتِهِ مِنْ حُجَةِ الإِسلامِ إِلَى بَلَدِهِ، وأَخَذَ الكَثيرَ مِنْ العِلمِ فِي مِصرَ عِندَ عَوْدتِهِ مِنْ أَبرزِ مَشَايِخِهَا، وسَافَرَ
[ ١ / ٥٠ ]
إِلَى الجيزةِ فِي مِصْرَ والقَرافةِ وجَزيرةِ الفيلِ وأَنبابةَ لِتَحصيلِ العِلمِ. هذِهِ كَانَتْ رِحْلاتُ الإِمَامِ فِي مِصْرَ، أَمَّا رِحْلاتُهُ إِلَى خَارِجِ مِصرَ لِطَلَبِ العِلْمِ فَكَانَتْ كَثيرةً. سَافَرَ إِلَى اليَمنِ وَعَرَجَ عَلَى الحِجَازِ فِي طَرِيقهِ حَيثُ سَمِعَ الحَدِيثَ عَنْ بَعضِ المَشَايخِ في الطُورِ ثُمَّ انْتَقَلَ مَعْ بَعضِ الأَئِمَةِ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ تَوَجهُوا إِلَى يُنْبعِ، وسَمِعَ الحَديثَ عَنْ مَشَايخِهَا، وأَخيرًا تَوجهَ إِلَى اليَمَنِ، وفِي اليَمنِ حَصَلَ عَلَى الكَثِيرِ مِمَا أَخَذَهُ عَنْ أَعْيَانِ عُلماءِ زُبيدٍ وعدنَ ووَدايَ الخَصيبِ، ولَمّا سَمِعَ صَاحبُ اليَمنِ المَلكُ الأَشرفُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَباسٍ بِقدومِ ابْنِ حَجَرِ خَطبَهُ للإِجتِمَاعِ بِهِ فِي زُبَيْدٍ فَفَعَلَ ذلِكَ واحتَفَى بِهِ المَلِكُ، ثُمَّ غَادَرَ الإِمَامُ اليَمَنَ إِلَى مَكَّةَ حَيثُ حَجَّ حُجَةَ الإِسلامِ، وسَافَرَ الإِمَامُ مَرةً أُخْرَى إِلَى اليَمَنِ وانصَدَعَ المَرْكِبُ فِي الطَرِيقِ وغَرقَ كَثيرٌ مِنْ أَمْتعةِ وكُتبِ وأَموالِ الإِمامِ، ثُمَّ غَادرَ اليَمنَ إِلَى بَلدِهِ فَحَجَّ وعَادَ إِلَى جَدّةَ وسَمِعَ الحَديثَ عَنْ مَشَايِخِهَا وعَادَ إِلَى بَلدِهِ. وقَدْ رَحَلَ الإِمَامُ إِلَى الحِجَازِ أَكثرَ مِنْ مَرةٍ للحجِّ والاشتغالِ بالعِلْمِ، وأَخَذَ الكَثيرَ مِنَ العِلمِ مِنْ مَشَايخِهَا ومُحَدثِيهَا، وزَارَ مكةَ ومِنًى والمَدينةَ المُنورةِ، والتَقَى الكَثيرَ مِنْ أَعلامِ العِلمِ فِي هذِهِ المُدنِ، ثُمَّ سَافَرَ الإِمَامِ إِلَى الديارِ الشَامِيةِ حَيثُ زَارَ غَزةَ ونَابلسَ والرملةَ وبَيتَ المَقدسِ والخَليلَ ودِمشقَ وصَالحِيَتَهَا وحَلَبَ وحِمْصَ وحَمَاةَ والكَثيرَ مِنْ القُرى الصَغِيرةِ وسَمِعَ بالبِلادِ التِي دَخلَهَا مَا لا يُوصفُ ولا يُدخلُ تَحتَ الحَصرِ، وهكذَا فَقَدْ اكْتسبَ الإِمَامُ مِنْ رِحْلاتِهِ عُلومًا مُختلفةَ وأَحاديثَ مُتواترةً ومَعرفةَ بِآراءِ العُلمَاءِ.