إِنَّ مَشرُوعِيَّةَ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ ﷿، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ.
وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى النُّصْحِ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ" قُلْنَا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "للهِ ولِرَسُولِهِ ولِكِتَابِهِ، ولِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ" (^١).
أَمَّا مَشرُوعِيَّتُهُ فِي كِتَاب اللهِ، فَحَيثُ أَنَّهُ ﷿ أَوْجَبَ عَلَيْنَا الكَشْفَ والتَّبْيينَ عِنْدَ زَجْرِ الْفَاسِقِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (^٢).
وَأَمَا مَشْرُوعِيَّتَهُ فِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، فَحَيْثُ أَنَّهُ قَالَ ﷺ في الْجَرْحِ: "بِئْسَ ابْنُ العَشِيْرَةِ" (^٣)، و"بِئْسَ الخَطِيْبُ أَنْتَ" (^٤).
وأَنَّهُ قَالَ ﷺ في التعْدِيلِ: "إِنَّ عَمْرًا بْنَ العَّاصِ مِنْ صَالِحِي قُرَيشٍ" (^٥)، و"إِنَّ عَبْدَ اللهِ رَجُلٌ صَالِحٌ" (^٦).
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في كتاب: السير، باب: طاعة الأئمة (الحديث: ٧٥٧٤)، وأخرجه أبو عوانة (الحديث: ١/ ٣٧)، وأخرجه الطبراني في معجمه (الحديث: ١٢٦١)، وأخرجه الحميدي (الحديث: ٨٣٧).
(٢) سورة: الحجرات، الآية: ٦.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: لم يكن النّبيّ فاحشًا ولا متفحشًا (الحديث: ٣١٣٢)، وأخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في حسن العشرة (الحديث: ٤٧٩١)، وأخرجه مالك في كتاب: حسن الحلق، باب: ما جاء في حسن الخلق (الحديث: ١٧٢٠).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب: الجمعة، باب: رفع الصوت في الخطبة (الحديث: ٢٠٠٧) وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: الرجل يخطب على قوس (الحديث: ١٠٩٩)، وأخرجه النسائي في كتاب: النكاح، باب: ما يكره من الخطبة (الحديث: ٣٢٧٩).
(٥) أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب، باب: مناقب عمرو بن العاصي (الحديث: ٣٨٤٥).
(٦) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل عبد الله بن عمر بن الخطاب (الحديث: ٣٧٤٠)، وأخرجه ابن حبان في كتاب: إخباره ﷺ عن مناقب الصحابة، باب: ذكر السبب الذي من أجله قال ﷺ هذا القول (الحديث: ٧٠٧١)، وذكره ابن الأثير في "أسد الغابة": ٣/ ٣٤١.
[ ١ / ٣٣ ]
إِلَى غَيرِ ذلِكَ مِنَ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، الَّتِي تَدُّلُ دَلالةً وَاضِحَةً عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ.
ومَعْ هذَا فَقَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهِ، بَل عَدُّوهُ مِنَ الْوَاجِبَاتِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
فَإِن قُلْتَ: إِنَّ مَشرُوعِيَّةَ التَّعْدَيلِ فِي مَحَلِّهَا فَوَاضِحٌ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْجَرْح فَكَيْفَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَجمَعَ بَينَ الْمَشرُوعِيَّةِ وَبَينَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (^١)؟!.
قُلْتُ: المَشْرُوعِيَّةُ لَا تُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾؛ لِأَنَّ الغِيْبَةَ مِنْهَا مَا هُوَ مُحَرَّمٌ ومِنْهَا مَا هُوَ مُبَاحٌ، فَالْمُبَاحُ مِنَ الْغَيْبَةِ مَا كَانَ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ لَا يُمْكِنُ الوُصُولُ إِلَيهِ إِلَّا بِهَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ العِزُّ بْنُ عَبدِ السَّلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: الْقَدْحُ فِي الرُّوَاةِ وَاجِبٌ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ إثبَاتِ الشَّرْعِ به لِمَا عَلَى النَّاسِ فِي ذلِكَ مِنَ الضَّرَرِ فِي التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيْلِ وغَيْرِهِمَا مِنْ الأَحْكَامِ، وَكَذلِكَ كُلُّ خَيْرٍ يُجَوِّزُ الشَّرْعُ الاعْتِمَادَ عَلَيْهِ والرُّجُوعَ إِلَيْهِ … جرْحُ الشُّهُودِ عِنْدَ الحُكَّامِ فِيهِ مَفْسَدَةٌ وهَتْكُ أَستَارِهِمْ لكِنَّهُ وَاجِبٌ لِأَن الْمَصْلَحَةَ في حِفْظِ الْحُقُوقِ مِنْ الدِّمَاءِ والأَمْوَالِ، والأَعْرَاضِ والأَبْضَاعِ، والْأَنْسَابِ وسَائِرِ الْحُقُوقِ أَعَمُّ أَعْظَمُ (^٢).
ثُمَّ يُقَرِّرُ الْإِمَامُ القَرَافِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ إِبَاحَةَ الْجَرْحِ والتَّعْدِيلِ فِي الشُّهُودِ أَمَامِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ: يَجُوزُ وَضْعُ الْكُتُبِ فِي جَرْحِ المَجْرُوحِ مِنْهُمْ، والْإِخْبَارُ بِذلِكَ لِطَلَبَةِ العِلْمِ الحَامِلِينَ لِذلِكَ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ، وَهذَا البَابُ أَوْسَعُ مِنْ أَمْرِ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَختَصُّ بِحُكَّامٍ، بَل يَجُوزُ وَضعُ ذلِكَ لِمَنْ يَضْبِطُهُ وَيَنْقُلُهُ، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ عَيْنُ النَّاقِلِ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى ضَبْطِ السُّنَّةِ والأَحَادِيْثِ، وَطَالِبُ ذلِكَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ (^٣).
ثُمَّ يَذكُرُ الْإِمَامُ الغَزَالِي (^٤) والْإِمَامُ النَّوَوِيُّ (^٥) سِتَةَ أَسْبَابٍ تُبَاحُ فِيْهَا الغِيْبَةُ وَهِيَ:
الْأَوَّلُ: التَّظَلُّمُ فَيَجُوزُ لِلْمَظلومِ أَنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ والْقَاضِي وغَيرِهِما مِمَّنْ لَهُ وِلايَةٌ
_________________
(١) سورة: الحجرات، الآية: ١٢.
(٢) قواعد الأحكام: ص ٩٧.
(٣) الفروق: ٤/ ٢٠٦.
(٤) إتحاف السادة المتقين: ٩/ ٣٣٢.
(٥) رياض الصالحين: ص ٣٩٧.
[ ١ / ٣٤ ]
أَوْ قُدْرَة عَلى إِنْصافِهِ مِنْ ظَالِمِه، فَيَقُولُ: ظَلَمَني فُلانٌ بِكَذَا.
الثَّانِي: الاسْتِعَانَةُ عَلى تَغْييرِ الْمُنْكَرِ ورَدِّ الْعَاصِي إِلَى الصَّوابِ، فَيَقولُ لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَتَهُ عَلَى إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ: فُلان يَعْمَلُ كَذَا فَازْجُرْهُ عَنْهُ ونَحْوُ ذلِكَ. ويَكُونُ مَقْصودُهُ التَّوَصُّلَ إِلَى إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذلِكَ كانَ حَرامًا.
الثَّالِثُ: الاسْتِفْتَاءُ، فَيَقولُ لِلْمُفْتِي: ظَلَمَنِي أَبِي أَوْ أَخِي أَوْ زَوْجِي أَوْ فُلانٌ بِكَذَا فَهَلْ لَهُ ذلِكَ؟ ومَا طَريقي في الْخَلَاصِ مِنْهُ وتَحْصِيلِ حَقِّي ودَفْعِ الظُّلْمِ ونَحْوِ ذلِكَ فَهذَا جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ، وَلكِنِ الْأَحْوَطُ والْأَفْضَلُ أَنْ يَقولَ: مَا تَقولُ فِي رجُلٍ أَوْ شَخْصِ أَوْ زَوْجٍ كانَ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا؟ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الغَرَضُ مِنْ غَيْرِ تَعْيينٍ، ومَعَ ذلِكَ فَالتَّعيْينُ جَائِزٌ كما سَنَذْكُرُهُ في حَدِيثِ هِنْدٍ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعالَى.
الرَّابعُ: تَحْذِيرُ الْمُسْلِمينَ مِنَ الشَّرِّ ونَصيحَتُهُمْ، وذلِكَ مِنْ وُجوهٍ:
مِنْها: جَرْحُ الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّواةِ والشُّهودِ، وذلِكَ جَائِزٌ بِإِجْماعِ الْمُسْلِمينَ بَلْ وَاجِبٌ للْحاجَةِ.
ومِنْها: الْمُشَاوَرَةُ في مُصاهَرَةِ إنْسانٍ أَوْ مُشارَكَتِهِ أَوْ إِيدَاعِهِ أَوْ مُعامَلَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذلِكَ أَوْ مُجاوَرَتِهِ، ويَجِبُ عَلى المُشاوَرِ أَنْ لا يُخْفِي حَالَهُ بَلْ يَذْكُرُ الْمَساوِئَ الَّتي فِيهِ بِنِيَّةِ النَّصيحَةِ.
ومِنْهَا: إِذَا رَأَى مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّدُ إِلَى مُبْتَدِعٍ أَوْ فَاسِقٍ يَأْخُذُ عَنْهُ الْعِلْمِ وخَافَ أَنْ يَتَضَرَّرَ الْمُتَفَقِّهُ بِذلِكَ، فَعَلَيْهِ نَصيحَتُهُ بِبَيانِ حَالِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِدَ النَّصيحَةَ، وهذَا مِمَّا يُغْلَطُ فِيهِ، وقَدْ يَحْمِلُ الْمُتَكَلِّمَ بِذلِكَ الْحَسَدُ ويُلَبِّسُ الشَّيْطانُ عَلَيْهِ ذلِكَ ويُخَيَّلُ إليْهِ أَنَّهُ نَصيحةٌ فَلْيَتَفَطَّنْ لِذلِكَ.
ومِنْهَا: أَنْ يَكونَ لَهُ وَلَايَةٌ لا يَقومُ بِها عَلى وجْهِها، إِمَّا بِأَنْ لا يَكونَ صَالِحًا لَها، وإِمَّا بِأَنْ يَكونَ فَاسِقًا أَوْ مُغَفَّلًا ونَحْوَ ذلِكَ، فَيَجِبُ ذِكْرُ ذَلكَ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ ولايَةٌ عَافَةٌ لِيُزِيلَهُ ويُوَلِّيَ مَنْ يَصْلُحُ، أوْ يَعْلَمُ ذلِكَ مِنْهُ لِيُعامِلَهُ بِمُقْتَضَى حَالِهِ ولا يَغْتَرَّ بِهِ، وأَنْ يَسْعَى في أنْ يَحُثَّهُ عَلى الاسْتِقامَةِ أَوْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكونَ مُجاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ كالمُجاهِرِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، ومُصادَرَةِ
[ ١ / ٣٥ ]
النَّاسِ، وأَخْذِ الْمَكْسِ، وجِبايَةِ الْأَمْوالِ ظُلْمًا، وتَوَلِّي الْأُمُورِ الْبَاطِلَةِ، فَيَجوزُ ذِكْرُهُ بِما يُجاهِرُ بِهِ، وَيحْرُمُ ذِكرُهُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعُيوبِ إلَّا أنْ يَكونَ لِجَوازِهِ سَبَبٌ آخَرُ مِمَّا ذَكَرْناهُ.
السَّادِسُ: التَّعْرِيفُ، فَإِذَا كانَ الإِنْسانُ مَعْروفًا بِلَقَبٍ كالْأَعْمَشِ والْأَعْرَجِ والْأَصَمِّ والْأَعْمَى والْأَحْوَلِ وغَيرِهِمْ جَازَ تَعْريفُهُمْ بِذلِكَ، وَيحْرُمُ إطْلاقَهُ عَلى جِهَةِ التَّنْقيصِ، ولَوْ أَمْكَنَ تَعْرِيفُهُ بِغَيرِ ذلِكَ كانَ أوْلى.
فَهذِهِ سِتَّةُ أَسْبابٍ ذَكَرَهَا الْعُلَماءُ، وأَكْثَرُها مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، ودَلائِلُها مِنَ الْأحَاديثِ الصَّحيحَةِ الْمَشْهورَةِ، فَمِنْ ذلِكَ:
عَنْ عائِشَةَ ﵂ أَنْ رَجُلًا اسْتَأذَنَ عَلَى النَّبيِّ ﷺ فَقالَ: "ائْذَنُوا لَهُ، بِئسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). احْتَجَّ بِهِ الْبُخارِيُّ في جَوازِ غِيبَةِ أَهْلِ الْفَسادِ وأَهْلِ الرِّيَبِ.
وعَنْها ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "مَا أَظُنُّ فُلانًا وفُلانًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنا شَيْئًا" رَوَاهُ الْبُخارِيُّ (^٢). قَالَ: قَالَ اللِّيثُ بْنُ سَعْدٍ أَحَدُ رُواةِ هذَا الْحَدِيثِ: هذَانِ الرَّجُلانِ كانَا مِنَ الْمُنَافِقينَ.
وعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂ قَالَت: أتَيتُ النَّبيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ أبا الْجَهْمِ ومُعاوَيةَ خَطَبَاني، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أَما مُعاوِيَةُ فَصُعْلُوك لا مَالَ لَهُ، وأَمَّا أبُو الْجَهْمِ فَلا يَضَعُ الْعَصا عَنْ عَاتِقِهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣)، وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ (^٤): "وأَمَّا أَبُو اَلْجَهْمِ فَضَرَّابٌ لِلنِّساءِ"، وهُوَ تَفْسيرٌ لِرِوايَةِ: "لا يَضَعُ الْعَصا عَنْ عَاتِقِه"، وقِيل مَعْناهُ: كَثيرُ الأَسْفَارِ.
وعَنْ زَيدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: خَرجْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في سَفَرٍ أَصَابَ النَّاسَ فيهِ شِدَّةٌ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رسُولِ اللهِ حَتى يَنْفَضُّوا، وقَالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَأَتَيْتُ رسُولَ اللهِ ﷺ فأَخْبَرْتُهُ بِذلِكَ، فَأَرْسَلَ إلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبيٍّ فاجْتَهَدَ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: ما يجوز من اغتياب أهل الفساد (الحديث: ٦٠٥٤)، وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة، باب: مداراة من يتقى فحشه (الحديث ٦٥٣٩).
(٢) رواه البخاري في كتاب: الأدب، باب ما يكون من الظن (الحديث: ٦٠٦٧).
(٣) وأخرجه مسلم في كتاب: الطلاق، باب المطلقة ثلاث لا نفقة لها (الحديث ٣٦٨١).
(٤) وأخرجه مسلم في كتاب: الطلاق، باب المطلقة ثلاث لا نفقة لها (الحديث ٣٦٨١).
[ ١ / ٣٦ ]
فَقالوا: كَذَبَ زَيدٌ رسُولَ اللهَ ﷺ، فَوَقَعَ في نَفْسِي مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَعالَى عَلى نبيِّهِ تَصْديقي: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ (^١) ثُمَّ دَعاهُمُ النَّبيُّ ﷺ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ فَلَوَّوْا رؤوسَهُمْ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالت: قَالتْ هِنْدُ امْرَأَةُ أَبي سُفْيانَ لِلنَّبيِّ ﷺ: إِنَّ أبا سُفْيانَ رجُلٌ شَحيحٌ ولَيْسَ يُعْطِيني ما يَكْفيني ووَلَدي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وهُوَ لَا يَعْلَمُ، قَالَ: "خُذي مَا يَكْفيكِ ووَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
وَلَمَّا كَانَ الْجَرْحُ مِنَ الْأمُورِ الصَّعْبَةِ - لِأَنَّهُ مُتَعَلِقٌ بِحَقِّ اللهِ تَعَالَى مَعَ حَقِّ الْعَبْدِ، وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ اللهِ تَعَالَى إِذا اجْتَمَعَا - قَرَّر العُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الجَرْحُ بِمَا فَوْقَ الْحَاجَةِ، فَقَالَ السَّخَاوِيُّ (^٤): لَا يَجُوزُ التَّجْرِيحُ بِشَيْئَيْنِ إِذَا حَصَلَ وَاحِدٌ. ثُمَّ قَالَ أَيْضًا: وَإِذَا أَمْكَنَهُ الْجَرْحُ بِالْإِشَارَةِ المُفْهِمَةِ أَوْ بِأَدْنَى تَصْرِيْحٍ لَا تَجُوزُ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذلِكَ، فَالْأُمُورُ المُرَّخَّصِ فِيهَا لِلْحَاجَةِ لَا يُرْتَقَى فِيهَا إِلَى زَائِدٍ عَلَى مَا يَحْصَلُ الغَرَض.
وَإِلَيْكَ أَلْفَاظُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ وَمَرَاتِبُهُمَا ودَرَجَاتُ أَلْفَاظِهِمَا الَّتِي اعْتَمَدَ عَلَيْهَا الْأَئِمَّةُ رُضوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ وَمَرَاتِبُهُمْ وَدَرَجَاتُ أَلْفَاظِهِمْ.
_________________
(١) سورة: المنافقون، الآية: ١.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: سورة المنافقون (الحديث ٤٩٠٠)، وأخرجه مسلم في كتاب: صفات المنافقين باب: صفات المنافقين وأحكامهم (الحديث ٦٩٥٥).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب: النفقات، باب: نفقة المرأة إذا غاب زوجها (الحديث: ٥٣٥٩)، وأخرجه مسلم في كتاب: الأقضية، باب: قضية هند (الحديث: ٤٤٥٢).
(٤) فتح المغيث: ص ٤٨٢.
[ ١ / ٣٧ ]