بعد حياةٍ مليئةٍ بالعلم والرحلة فيه، والتدريس والتأليف، والفتوى والقضاء؛ أَزِفَ وقتُ رحيل الحافظ ابن حجر، فابتدأ المرضُ به في ذي القعدة من سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة (٨٥٢ هـ)، فألمّ بمعدتِه ألمٌ شديدٌ، تَعِبَ معه، ومع ذلك لم يترك هذا الجبل الأشمّ جُمعةً، ولا جماعة.
وكان ﵀ يستشعر دُنُوَّ أجله، فكان إذا أُخبر بالمنامات وشبهها ممّا يدل على رجاء تعافيه وحصول بُرئه يقول: (أما أنا فلا أراني إلا في تناقصٍ، وما أظن الأجل إلا قد قَرُب)، ثمّ يُنشد:
ثاءُ الثلاثين قد أوهت قُوى بدني … فكيف حاليَ في ثاء الثمانينا
ويقول: (الله حرمتني عافيتَك، فلا تحرمني عفوَك).
ثمّ اشتدّ به الخطبُ وعظم الكرب، وهو في كل هذا يستقبل من يعوده، ويتودّد إلى من يزوره، حتى إذا كان يوم الثلاثاء رابع عشري ذي الحجة حضر عنده قاضي المالكية البدر بن التَّنَسي (^٢) مع جماعةٍ للسلام عليه - على العادة، فأطال الجلوس معه واستأنس به، وبعد أن خرجوا من عنده استدعى الحافظُ بوضوء، وأخذ يتوضأ، فما تمكّن من إتمامه، ومن يومئذٍ
_________________
(١) انظر: "الجواهر والدرر" (١/ ٣٧٥).
(٢) هو بدر الدين محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عطاء الله السَّكندريّ ثم القاهريّ المالكيّ، مات سنة ثلاثٍ وخمسين وثمانمائة (٨٥٣ هـ). انظر ترجمتَه في: "الضوء اللامع" (٧/ ٩٠ - ٩٢).
[ المقدمة / ٥٤ ]
استفحل مرضُه جِدًّا، بحيث صار يُصلي الفرضَ جالسًا، وتركَ قيام الليل، وصُرِعَ يوم الأربعاء، ثمّ تكرّر له ذلك، وسُمِعَ منه يوم الجمعة عند الأذان لها إجابةُ المؤذِّن.
إلى أن توفّي ليلة السبت ثامن عشري ذي الحجة، بعد العشاء بنحو ساعة.
ثمّ أُخذ أُخذ في تجهيزه وغسله يوم السبت، وكُفِّنَ في إزارٍ في وسطه ساترٍ للعورة، شُدَّ بحفاظ ولُفافتينِ لجميع بدنه، وقميصٍ، وعمامةٍ.
فكانت ساعةً عظيمةً وأمرًا مهولًا، فأقفلت الأسواق والدَّكاكين، واجتمع في جنازته من الناسِ ما لا يُحصيه إلا الله ﷿، ويُقال: إنّه حُزِرَ من مشى في جنازتِه بنحو خمسين ألف إنسان، وتولّى الأمراءُ - مُقدَّمو الألوف - حملَ جنازتِه.
ورام عَلَمُ الدين البُلقيني الصلاةَ عليه إمامًا، فأخّره السلطان جقمق، وأشار إلى أمير المؤمنين الخليفة العباسي (^١) بالتقدُّم، ويُقال: إنه قال: (هو أمير المؤمنين وأنت أمير المؤمنين)، فصلّى بالناس عليه.
ثم توجّهوا إلى محل دفنه، ولما انتهوا من دفنه أخذوا في الدعاء له ساعةً طويلةً.
وصُلِّيَ عليه صلاة الغائب بمكة المكرمة، وبيت المقدس، وحلب، وغيرها من البلدان.
_________________
(١) هو أبو الربيع سليمان بن محمّد بن أبي بكر بن سليمان العباسيّ الهاشميّ، المستكفي بالله بن المتوكل على الله، امتدت خلافته من سنة خمس وأربعين وثمانمائة (٨٤٥ هـ) إلى حين وفاته سنة خمس وخمسين (٨٥٥ هـ). انظر ترجمتَه في: المصدر السابق (٣/ ٢٦٩).
[ المقدمة / ٥٥ ]
ورُئيت فيه منامات، وكُتبت فيه مرثيات (^١).
فرَحِمَ اللهُ تعالى هذا الحافظَ الكبيرَ، الّذي أفنى عُمره في خدمة السنة النبوية ونشرها ورفع درجتَه في المهديين.
* * *
_________________
(١) انظر: "الجواهر والدرر" (٣/ ١١٨٥ - ١٢٠٣).
[ المقدمة / ٥٦ ]