لقد وَفَّقَ اللهُ ﵎ الحافظَ ابنَ حجر أيّما توفيق في تصنيفه لهذا الكتاب؛ حيث امتاز بجُملةٍ من المميِّزات التي أكسبته أهميةً بالغةً عند العلماء كافَّةً، ولا سيما علماء الحديث.
وتتمثّل هذه الأهمية في أوجهٍ عديدةٍ، منها:
أوّلًا: غزارة مادته العلمية فيما يتعلّق بأقوال الأئمة في الرواة جرحًا وتعديلًا، بل أصبح هذا الكتابُ أهمَّ الكتب التي أَلَّفَها الحفّاظُ المتأخرون فيما يخص هذا الجانب.
وذلك أن مؤلِّفَه الحافظُ ابنَ حَجَر جَمَعَ فيه مقصودَ موسوعتينِ كبيرتينِ في هذا الفنّ هما: "تهذيب الكمال" للحافظ المزيّ، و"إكمال تهذيب الكمال" للعلّامة مُغلطاي وزاد عليهما كثيرًا من الزيادات المهمة التي لا يُستغنى عنها، فصار من أوعب الكتب التي حوت أحكامَ الأئمةِ النُّقَّادِ على الرواة جرحًا وتعديلًا.
ثانيًا: كون هذا الكتاب يخدم أصول دواوين السُّنَّة، وأُمَّات كتب الحديث؛ وذلك بخدمتِه لرجال الكتب السِّتة، وبعض المؤلَّفات الأخرى لأصحاب الكتب الستة.
ثالثًا: عناية الحافظ بتحريرِ هذا الكتاب ومراجعته، فأضحى من جملة تصانيفِه التي ارتضاها وقد تقدَّم عنه قوله: (لستُ راضيًا عن شيءٍ من تصانيفي؛ لأني عملتُها في ابتداء الأمر، ثم لم يتهيّأ لي من يُحرِّرها معي، سوى "شرح البخاريّ"، و"مُقدِّمته"، و"المشتبه"، و"التهذيب"، و"لسان الميزان" (^١).
_________________
(١) انظر: "الجواهر والدرر" (٢/ ٦٥٩).
[ المقدمة / ٦٤ ]
ومن شدة عنايتِه بهذا الكتاب أنه كان يُديم النظرَ فيه، ويُضيف ما يراه مُهمًّا من الزيادات والتعقُّبات والاستدراكات ويؤكِّد ذلك: ما كتبه في آخر النسخة الأصل، ونصُّه: (وقد كُتِبَت من هذا الكتاب غيرُ نُسخةٍ، ثم إنني في زمن الاشتغال ألحقتُ فيه أشياء كثيرةً، وظهر من هوامش هذه النُّسخة أنْ هي نسخة الأصل، فمن ظفر بها ممّن له نُسخة من هذا المختصَر فَلْيُلْحِقْها، فإنّي ألحقتُ فيها تراجم كثيرةً جِدًّا في سنة ستٍّ وسبعٍ وأربعين. . .) (^١).
وكذا مُراسلته لتلميذِه عُمر بن النجم محمّد محمّد محمّد بن فهد المكي، والتي أوصاه فيها باصطحاب كتاب والده لإلحاق جميع ما أضافه الحافظُ - بعدُ - في "تهذيب التهذيب"، وفي هذه المراسلة قال له: (والمسؤولُ من فضله إبلاغ سلام العبد على الوالد، وتعريفه بأنه تَجَدَّدَ في "تهذيب التهذيب" الذي كان اطّلع وضَمَّه إلى أصل "التهذيب"، وتَعِبَ فيه ذلك التَّعَب، وهو محتاجٌ إلى إلحاق ما تَجَدَّد للعبد فيه من الزيادات والتعقُّبات والاستدراكات في هذه المدة، ممّا لَعَلَّه لو جُرِّد لكان قدر مجلِّد، فإن تيسَّر وصولكم فليكن كتابُ الوالدِ صُحبتكم؛ لتُلحقوا فيه المتجدِّدات المذكورات - إن شاء الله تعالى -) (^٢).
بل بلغ الأمرُ من ذلك أنّه ألحق في ترجمة إبراهيم بن يزيد النخعي (^٣) من النسخة الأصل فَرْخَةً تَضَمَّنَت أربعةَ أسطرٍ من إضافاتِه (^٤)، وكَتَبَ في آخرها: (أُلحق سنة ٨٥٢)، أي في السَّنَةِ التي تُوفِّي فيها عليه -رحمةُ الله-.
_________________
(١) (٣/ ق ٣١٤/أ).
(٢) انظر: "الجواهر والدرر" (٣/ ١١٢٣).
(٣) الترجمة رقم (٢٩١).
(٤) (١/ ق ٣٥/ أ).
[ المقدمة / ٦٥ ]
وقال في ترجمة عبد الرحمن بن فَرُّوخ العَدَويُّ (^١): (وزعم الحاكم أن البخاريَّ ومسلمًا إنما تركا إخراج حديث عبد الرحمن بن فَرُّوخ هذا؛ لأنَّه لم يَرو عنه غير عَمرو بن دينار، يعني تركا أحاديثه الموصولةَ، وهو على قاعدته في أنَّ شرط مَن يُخرَّج له في "الصحيح" أن يكون له راويان، وقد تناقَض هو فادَّعى أَنّ هذا شرطهما، ثم استدرك عليهما أشياء مما يُخالِف ذلك، ولا يرد منها شيءٌ؛ لأنَّهما لم يُصرِّحا باشتراط ذلك، بل يقوم مقام الراوي الثاني: الشهرةُ مثلًا.
وقد بَدا لي فاستدركتُ كُلّما اطّلعتُ عليه مما هذا سبيله، فإن كان الاسم مُترجَمًا له بغير رقم نَبَّهتُ على أنَّه فاته الرقم؛ وإلا فالترجمة كاملة، وأُعَيِّن الباب الذي وَقَع ذِكْره فيه، والسند كذلك، مع ما أَطّلِع عليه من حال الراوي المذكور إن شاء الله تعالى وكان تَتبُّعي لذلك بعد تَبييض النسخة مِن هذا المختصر بأربعين سنة).
رابعًا: إفادة الحافظُ في كتابه هذا من سعة الاطلاع التي حباه الله تعالى إيَّاها؛ ومن مظاهر ذلك:
١ - نقله من مصادر لم يُعثَر عليها حتى الآن؛ ومن ذلك: كتاب "زهْرَة المتعلِّمين" لأحد علماء المغرب، وكتاب "تاريخ مصر" لابن يونس، وكتاب "الألقاب" للشيرازي، و"ذيل الاستيعاب" لابن فتحون، و"التاريخ" لمطيِّن، و"علل حديث الزهري" للذهلي، وغير ذلك ممّا سيأتي عند الكلام عليه من موارد الحافظ.
٢ - ذكره لنقول - تفيد في بيان حال الراوي - من كُتُبٍ لم تشتهر بذكر الرواة وبيان حالهم من حيث الجرح والتعديل؛ ومن أمثلة ذلك:
_________________
(١) الترجمة رقم (٤١٧٧).
[ المقدمة / ٦٦ ]
أنه قال في ترجمة عبد الله بن عُمر بن حفص العُمري (^١): (وأورد له يعقوب بن شيبة في "مسنده" حديثًا؛ فقال: هذا حديث حسن الإسناد مدنيٌّ).
وقال في ترجمة عبد الرحمن بن طلحة الخزاعي (^٢): (قال أبو عبد الله بن القيم في كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ: مجهول لا يُعرَف في غير هذا الحديث، ولم يذكره أحدٌ من المتقدِّمين. انتهى).
خامسًا: حرص الحافظ على عدم خُلُوِّ هذا الكتاب من الأسانيد، التي اختصّ الله ﵎ بها هذه الأُمّة؛ ومن ذلك:
قولُه في ترجمة أبان بن أبي عياش (^٣): (قرأتُ على إبراهيم بن محمّد بمكة: أخبركم أحمدُ بنُ أبي طالب، عن أبي المنَجَّا بن اللَّتِّي، أنّ أبا الوقت أخبره، أخبرنا عبد الرحمن بنُ عَفيف أخبرنا ابن أبي شُريح، أخبرنا أبو القاسم البغويّ، حدّثنا سويدُ بنُ سعيد، سمعتُ عليَّ بن مسهر قال: كَتَبْتُ أنا وحمزة الزيّات عن أبان سماعًا نحو خمسمائة حديث، فلَقِيتُ حمزةَ، فأخبرني أنّه رأى النبيَّ ﷺ في المنامِ، قال: فعَرَضْتُها عليه، فما عَرَفَ منها إلّا اليسير - خمسة أو ستة، فتركْنا الحديثَ عنه.
رواها مسلمٌ في مقدّمةِ كتابه عن سويد، فوَافَقْناه بعُلُوّ درجتين، ورواها ابن أبي حاتم عن أبيه عن سويد) اهـ.
وقولُه في ترجمة سعيد بن المسَيّب (^٤): (قلت: وقد وقع لي حديثٌ بإسنادٍ صحيحٍ لا مَطعن فيه، فيه تَصريحُ سعيدٍ بسَماعِه من عُمر، قرأتُه على خديجة بنت سلطان، أنبأكم القاسم بن مُظَفَّر شَفاهًا، عن عبد العزيز بن
_________________
(١) الترجمة رقم (٣٦٥٣).
(٢) الترجمة رقم (٤١٠١).
(٣) الترجمة رقم (١٤٧).
(٤) الترجمة رقم (٢٥١٣).
[ المقدمة / ٦٧ ]
دُلَف، أنَّ علي بن المبارك بن نغوبا، أخبرهم، أخبرنا أبو نُعَيم مُحمَّد بن أبي البركات الجُمَّاري أخبرنا أحمد بن المظَفَّر بن يَزداد، أخبرنا الحافظ أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن عُثمان السَّقاء، حدَّثنا أبو خليفة، حدَّثنا مُسَدَّد في "مسنده"، عن ابن أبي عَدِيٍّ، حدَّثنا داود - وهو ابن أبي هند، عن سعيد بن المسَيَّب قال: سمعتُ عُمَر بن الخَطَّاب على هذا المنبر يقول: عسى أن يكون بعدي أقوامٌ يُكَذِّبُون بالرَّجم، يقولون لا نَجدُه في كتاب الله، لولا أن أَزِيد في كتاب الله ما ليس فيه لكَتَبتُ أنَّه حقَّ؛ قد رَجَم رسولُ الله ﷺ، وَرَجَم أبو بكر، ورجمتُ هذا الإسناد على شرط مُسلم).
سادسًا: كثرة الفوائد التي أودعها الحافظُ كتابه هذا، وتنوُّعها؛ ومن ذلك: