لم يتجاوز الحافظ ابن حجر رحمه لله الأربع من سِنِي عُمره حتّى مات أبوه، وكانت أُمُّه قد وافاها الأجلُ قبل ذلك وهو طفلٌ، فنشأ يتيمًا في كَنَفِ أحد أوصيائه، وهو زكيُّ الدين أبو بكر بن علي الخَرُّوبي (^٣)، الذّي أولاه عنايتَه حتّى مات وصاحبُ الترجمة في سِنِّ المراهَقَة.
وكان صاحبُ الترجمةِ في غاية من العِفَّةِ والصِّيانة، بحيث لم تُعرف له صبوةٌ، بل اتجه منذ نُعومة أظفاره إلى الكُتَّاب، فدخلها وله من العُمر خمسُ سنين، كما رُزِقَ في صغره سُرعةً في الحفظ، بحيث كان يحفظ كُلَّ يومٍ نصفَ
_________________
(١) انظر: "رفع الإصر عن قضاة مصر" (ص (٦٢)، والجواهر والدُّرَر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حَجَر" (١/ ١٠١ - ١٠٦).
(٢) انظر: "رفع الإصر" (ص (٦٢)، و"الجواهر والدُّرَر" (١/ ١٠٤ - ١٠٥).
(٣) هو زكي الدين أبو بكر بن علي بن محمد بن علي الخروبي التاجر، توفي سنة سبعٍ وثمانين وسبعمائة (٧٨٧ هـ). انظر ترجمته في "الدرر الكامنة" (١/ ٤٥٠ - ٤٥١).
[ المقدمة / ٢٦ ]
حزبٍ، بل بلغ من أمره أنّه حفظ سورة مريم في يومٍ واحدٍ، ولم يكن حفظُه بالدَّرس (^١) على طريقة الأطفال، بل كان حفظُه على طريقة الأذكياء تأمُّلًا (^٢).
وأكمل حفظَ القرآن على صدر الدين محمّد بن محمّد السَّفْطي المقرئ (^٣) وهو ابن تسعٍ.
ثمّ حجّ به وَصِيُّه الزكيُّ الخَرُّوبي سنة أربع وثمانين (٧٨٤ هـ)، فجاورَ بمكّة مُدَّةً، وصلَّى بالناس التراويح حين أكمل اثنتي عشرة سنة.
وفي أثناء مجاورته بمكّة لَقِيَ عددًا من شيوخها، كالشيخ عفيف الدين عبد الله بن محمّد النَّشَاوِري ثمّ المكّيّ (^٤)، وهو أوّلُ شيخ سَمِعَ عليه الحديثَ، حيثُ اتَّفَقَ له سماعُ غالب "صحيح الإمام البخاريّ" بقراءةِ غيرهِ دون قصدٍ ولا طلبٍ.
كما بَحَثَ في سنة خمسٍ وثمانين (٧٨٥ هـ) على القاضي جمال الدين محمّد بن عبد الله بن ظَهيرة المكّيّ (^٥) في كتاب "عُمدة الأحكام" للحافظ عبد الغني المقدسيّ، فكان ابن ظَهيرة أوّلَ شيخ بحث عليه في علم الحديث، ثمّ أوّل شيخٍ سمع الحديثَ بقراءته بعد ذلك في مصر (^٦).
_________________
(١) الدَّرس: مِن التِّلاوة بالكتابة والتِّكرار. انظر: "تاج العروس" (١٦/ ٦٩).
(٢) التأمُّل: هو استعمال الفكر، وتدبُّر الشَّيء وإعادة النظر فيه مَرَّةً بعد أخرى؛ ليتحقَّقه. انظر: "الكُلِّيَّات" لأبي البقاء الكَفوي (ص) (٢٨٧، و"التوقيف على مُهمَّات التّعاريف" للمناوي (ص (٨٩).
(٣) هو صدر الدين محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق السَّفطي المصري الشافعيّ، مات سنة ثمانٍ وثمانمائة (٨٠٨ هـ). انظر ترجمتَه في: "المجمع المؤسِّس" (٣/ ٢١٨ - ٢١٩).
(٤) ستأتي ترجمتُه - بمشيئة الله تعالى - في المبحث التالي.
(٥) هو جمال الدين محمد بن عبد الله بن ظَهيرة المخزومي، مات سنة سبع عشرة وثمانمائة (٨١٧ هـ). انظر ترجمته في: المجمع المؤسِّس" (٣/ ٣١٤ - ٣١٦).
(٦) ومعنى بحث عليه: قرأ عليه قراءة بحث ومُدارسة، وليس قراءة سرد.
[ المقدمة / ٢٧ ]
وفي سنة ستٍّ وثمانين (٧٨٦ هـ) رجع صاحبُ الترجمةِ مع وصيِّه إلى مصر - محلِّ إقامته -، واشتغل بحفظ عددٍ من مُختصرات العلوم، فحَفِظَ منها: "العُمدة"، و"الحاوي الصغير"، و"مُختصر ابن الحاجب الأصليّ"، و"مُلحة الحريريّ"، وغير ذلك، وعَرَضها -كما هي العادةُ آنذاك- على جماعةٍ من أئمة عصره، وكتبوا خُطوطهم له بذلك.
وقد أصابه بعد موت وصيِّه الخروبي سنة سبعٍ وثمانين (٧٨٧ هـ) فتورٌ عن الاشتغال بطلب العلم بُرهةً من الزَّمن؛ إذ لم يكن له من يحثُّه، إلّا أنّ هذه الفترة لا تعني تركه التحصيل بالكُلِّية، بل اشتغل بطلب ما غلب على العادةِ طلبُه من أصلٍ وفرعٍ ولغةٍ ونحوِها.
وما أنِ استكمل سبع عشرة سنة حتّى عادت المياهُ إلى مجاريها، ولازم العلّامةَ شمس الدين محمّد بن علي بن القطّان المصريّ (^١) -أحدَ أوصيائه-، فحضر درَسه في الفقه وأصولِه والعربيةِ والحِساب وغيرِها، وقرأ عليه شيئًا كثيرًا من "الحاوي الصغير"، وأجازه.
وبإشارة أحد الخَيِّرين حُبِّبَ إليه النظرُ في التواريخ وأيام النّاس، فعَلِقَ بذهنه الصَّافي شيءٌ كثيرٌ من أحوال الرُّواةِ، كما نَظَرَ في فُنون الأدب من أثناء سنة اثنتينِ وتسعين (٧٩٢ هـ)، فتولّع بذلك حتّى كان لا يسمع شِعرًا إلّا ويستحضر من أين أخذه الناظمُ، وما زال يُتبعه خاطره حتّى فاق فيه وساد، وطارح الأُدباء، وقال الشِّعر الرائق، والنَّثر الفائق.
وكان أوّل ما طلب بنفسِه في سنة ثلاثٍ وتسعين (٧٩٣ هـ)، لكنّه لم يُكثر من الطَّلَبِ إلا في سنة ستٍّ وتسعين (٧٩٦ هـ)، فوَقْتَها واصلَ الغُدُوَّ والرَّواح إلى المشايخِ بالبواكر والعشايا وحَبَّبَ الله ﵎ إليه فَنَّ الحديث
_________________
(١) هو شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن عيسى السمنودي المعروف بابن القطان، مات سنة ثلاث عشرة وثمانمائة (٨١٣ هـ). انظر ترجمته في: المصدر السابق (٢/ ٣٢٩ - ٣٣١).
[ المقدمة / ٢٨ ]
النَّبَوِيَّ، فأقبل عليه بكُلِّيَّتِه، واجتمع بحافظ عصره زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحُسين العراقي (^١) الذي لازمه عشرة أعوام، وانتفع بملازمتِه أيّما انتفاع، فقرأ عليه "الألفية" و"شرحها" بحثًا، ثمّ قرأ عليه نُكتَه على "علوم الحديث لابن الصلاح" المسماة بـ: "التقييد والإيضاح"، وهو أوّلُ شيخٍ أَذِنَ له بالتدريس في علوم الحديث، وكان إذنُه له في سنة سبعٍ وتسعين (٧٩٧ هـ).
واستمر ﵀ بسماع الحديث وقراءتِه على مُسِندي مصر مُشمِّرًا عن ساعد الجِدِّ، فلم تنسلخ سنة ستٍّ وتسعين (٧٩٦ هـ) حتّى اتّسعت معارفُه فيه.
مع هذا اشتغاله بغيرِه من العلوم كالفقه وأُصوله، حيث تفقه بالعلّامة برهان الدين إبراهيم بن موسى الأبناسي (^٢)، والعلّامة سراج الدين عُمر بن علي بن الملقِّن والعلّامة سراج الدين عُمر بن رسلان البُلقيني (^٣)، وهو أوّل من أذِنَ له في الإفتاء.
كما لازمَ العلّامة عز الدين محمّد بن أبي بكر بن جماعة (^٤) في غالبِ العلوم التي كان يُقرئها من سنة تسعين (٧٩٠ هـ) إلى أن مات في سنة تسع عشرة (٨١٩ هـ).
وممّا زاد من رسوخ قدمه في العلم: كثرةُ رحلاتِه داخل مصر وخارجها، ولُقيُّه عددًا جَمًّا أوعية العلم، وتخرُّجه بهم، مُؤتمًّا في ذلك بأسلافِه الصالحين من أئمة الحديث - رضوان اللهِ عليهم -، الذين كانوا يطوفون البلدان في تحصيل العلم بعد أخذهم عن عُلماء بلدانهم، وهكذا الحافظُ
_________________
(١) ستأتي ترجمتُه - إن شاء الله تعالى - في المبحث التالي.
(٢) هو برهان الدين إبراهيم بن موسى بن أيوب الأبناسي الشافعي، توفّي سنة اثنتين وثمانمائة (٨٠٢ هـ). انظر ترجمته في: "المجمع المؤسِّس" (١/ ٢٤٤ - ٢٤٩).
(٣) ستأتي ترجمتُهما - إن شاء الله تعالى - في المبحث التالي.
(٤) ستأتي ترجمتُه - إن شاء الله تعالى - في المبحث التالي.
[ المقدمة / ٢٩ ]
ابن حجر، كانت أوّلُ رحلاته في سنة ثلاثٍ وتسعين (٧٩٣ هـ)، إلى قُوْص (^١) وغيرِها من بلاد الصَّعيد، فأخذ عن ابن السراج (^٢) قاضي الصَّعيد وغيرِه، ثم رحل في أواخر سنة سبعٍ وتسعين (٧٩٧ هـ) إلى الإسكندرية، فأخذ مُسِندها التاج محمّد بن أحمد بن عبد الرزّاق الشافعي (^٣).
وفي سنة تسعٍ وتسعين (٧٩٩ هـ) رحل إلى أرض الحجاز من البحر، فلَقِيَ في طريقه بالطُّور العلّامة نجم الدين محمد بن أبي بكر المعروف بالمرجاني (^٤).
ثمّ توجّه إلى اليمن، فوصلها سنة ثمانمائة (٨٠٠ هـ)، وتنقل في مُدنِها ينهل من مَعين عِلْم شيوخِها، فدخل تَعِز وعَدَن والمهْجَم (^٥) وغيرها، كما اجتمع في زَبيد ووادي الحُصَيْب (^٦) بشيخ اللُّغويّين العلّامة مجد الدين محمّد بن يعقوب الفيروزآبادي (^٧)، وقرأ عليه أشياء.
_________________
(١) مدينةٌ كبيرةٌ في صعيد مصر، تقع شرقي النيل. انظر: "معجم البلدان" (٤/ ٤١٣).
(٢) لم أقف على ترجمته.
(٣) هو تاج الدين محمد بن أحمد بن عبد الرّزّاق بن عبد العزيز الإسكندرانيّ الشافعيّ، مات سنة ثمان وتسعين وسبعمائة (٧٩٨ هـ). انظر ترجمته في: "المجمع المؤسِّس (٢/ ٤٩٢ - ٤٩٣).
(٤) هو نجم الدين محمد بن أبي بكر بن علي بن يوسف المصريّ ثم المكيّ المعروف بالمرجاني، توفّي سنة سبعٍ وعشرين وثمانمائة. (٨٢٧ هـ). انظر ترجمته في: المصدر السابق (٢٩٧/ ٣ - ٢٩٨).
(٥) بلدٌ من أعمال زَبيد، باليمن بينها وبين زَبِيد ثلاثة أيام وعدادها اليوم في قرى بني محمد من مديرية المِغْلاف شرقي مدينة الزيدية. انظر: "معجم البلدان" (٥/ ٢٢٩)، و"معجم البلدان والقبائل اليمنية" (٢/ ١٦٧١) لإبراهيم بن أحمد المقحفي.
(٦) مُصَغَّرٌ؛ هو: اسم الوادي الذي منه زَبِيد باليمن. انظر: "معجم البلدان" (٢/ ٢٦٦) لياقوت، و"تاج العروس" (١١/ ٣٩٠ - ٣٩١).
(٧) ستأتي ترجمتُه - بمشيئة الله تعالى - في المبحث التالي.
[ المقدمة / ٣٠ ]
ثمّ واصل سفرَه إلى مكّة، فحجّ في سنة ثمانمائة (٨٠٠ هـ)، وهذه هي حجّةُ الإسلام، ولما رجع من هذه الحَجَّة إلى بلده في سنة إحدى وثمانمائة (٨٠١ هـ) جَدَّ في استكمال ما بقي عليه من مسموع القاهرة ومصر.
ثم سافر إلى اليمن مرّةً ثانيةً، وحمل عمّن لقيهم هناك، وحملوا عنه، ثمّ رحل إلى جُدَّة، وقرأ بها على أبي المعالي عبد الرحمن بن حيدر الشِّيرازي (^١) أحاديثَ عشرة انتقاها من "أربعين الحاكم"، ثمّ رجع إلى بلده، وأقام بها.
ثمّ حجّ بعد هذا عدّة مرّاتٍ ولقي في مكّة ومِنى والمدينة النبوية جمعًا من العُلماء، منهم: العلّامة ابن ظَهيرة الَّذي تقدّم ذكرُه، والعلّامة أبو بكر الحُسين المراغي (^٢)، وست الكُل ابنة الزين القسطلاني (^٣).
وظَلَّ ﵀ على هذا المنوال؛ يطوف في البلدان ويتردّد إلى بلدِه، وفي سنة اثنتينِ وثمانمائة (٨٠٢ هـ) خرج من القاهرة قاصِدًا بلاد الشام، وصَحِبَه في هذه المرّة التقيُّ محمّد بن أحمد بن علي الفاسيّ المكّيّ الحافظ (ت ٨٣٢ هـ)، فسمع بغَزّة ونابلس والرَّملة وبيت المقدس والخليل ودمشق والصالحية وحمص وحماة وغيرها من البلادِ والقُرى على أُممٍ كثيرةٍ.
وكان ﵀ رحل قصدًا إلى بيت المقدس ليأخذ عن الشِّهاب أبي الخير أحمد بن الحافظ الصلاح أبي سعيد خليل بن كيكلدي العلائي (ت ٨٠٢ هـ)؛
_________________
(١) هو أبو المعالي عبد الرحمن بن حيدر بن علي بن أبي بكر الشيرازي الأصل ثم الدّمشقيّ، مات سنة سبع عشرة وثمانمائة. (٨١٧ هـ). انظر ترجمتَه في: "المجمع المؤسِّس" (٣/ ١٤٨ - ١٤٩).
(٢) هو زين الدين أبو بكر بن الحُسين بن عُمر بن محمد المراغي المصري الشافعيّ، نزيل المدينة النبوية، مات سنة ست عشرة وثمانمائة (٨١٦ هـ). انظر ترجمتَه في: المصدر السابق (١/ ٥٣٨ - ٥٤٩).
(٣) هي ستُّ الكُل بنت الزين أحمد بن محمد القسطلاني المكيّ، ماتت سنة ثلاثٍ وثمانمائة (٨٠٣ هـ). انظر ترجمتَها في: المصدر السابق (١/ ٦١٦ - ٦١٧).
[ المقدمة / ٣١ ]
وذلك لظهور سماعِه "سُنن ابن ماجه على الحَجَّار، إلّا أنّ أَجَلَه كان أسبق، حيث بلغته وفاتُه وهو بالرّملة، فعرّج عن القدس إلى دمشق، ولم يدخل بيت المقدس إلّا بعد انتهاء أربه من دمشق؛ لكونها بعد وفاة ابن العلائي أهمّ.
وكانت إقامته بدمشق مائة يوم ومسموعه في تلك المدّة نحو ألف جزء حديثيّ، ومن الكتب الكبار: "المعجم الأوسط للطبرانيّ، و"معرفة الصحابة" لابن مَنْده، وأكثر "مُسْند أبي يعلى"، وغير ذلك.
وكان الله قد عزم وهو بدمشق على التوجُّه إلى حلب ليأخذ بها عن خاتمة المسنِدين عُمر بن أبيدغمش النصيبيّ الحلبيّ (ت ٨٠١ هـ)، فبلغته وفاتُه، فتخلّف عن قصدها، ثمّ يسّر الله ﷿ له بعد دهرٍ - وذلك في سنة ستٍّ وثلاثين وثمانمائة (٨٣٦ هـ) - السفر إلى حلب؛ حينما توجّه السلطانُ الأشرف برسباي إلى آمد لدفع أذى التركمان الذين تغلّبوا على بلاد آمد وماردين وغيرها بعد اللَّنكية (^١)؛ لما كثر من إفسادهم ونهب أموال الرَّعايا، وقطع الطرق على القوافل، وغير ذلك ممّا اشتهر.
ولما أشرف صاحبُ الترجمة مع رفاقه على حلب تلقّاهم أهلُها بالترحيب، وكان من جملتهم: العلّامة محب الدين محمد بن محمد بن محمد الحنفيّ المعروف بابن الشِّحْنة (ت ٨١٥ هـ)، فسلّم عليه وهنَّأه بالسلامة، وسأله صاحبُ الترجمة عن الشيخ الحافظ محدِّث البلاد الحلبية برهان الدين سبط ابن العجمي (^٢)، فذكر له أنه بخيرٍ، فقال له: (لم أشدَّ الرَّحل، ولا استبحتُ القَصْر؛ إلّا لِلُقيه).
_________________
(١) نسبة إلى تيمورلنك بن طرغاي الحفظاي الأعرج؛ زعيم ابتدأ ملكه لما انقرضت دولة بني جنكيز خان وكان طاغيةً سفَّاحًا؛ يقتل المسلمين، ويترك الكافرين. انظر ترجمتَه في: "الضوء اللامع" (٤٦/ ٣ - ٥٠)
(٢) هو برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسيّ ثم الحلبي، سبط ابن العجمي،
[ المقدمة / ٣٢ ]
ونزل في حلب عند قاضي الشافعية العلّامة علاء الدين علي بن محمد بن سعد الطائي المعروف بابن خطيب الناصرية (ت ٨٤٣ هـ)، فأقام بحلب خمسة عشر يومًا، وخلالها سمع على البُرْهان الحلبيّ الحديثَ المسلسلَ بالأولية بقراءة برهان الدين البقاعي، كما قرأ بنفسه عليه "مشيخة الفخر بن البخاري - تخريج ابن الظاهري" في أربعة مجالس وسمع أشياءَ أخرى.
وحَصَّل ﵀ في حلب فوائدَ ونوادرَ علّقها في تذكرتِه التي سمّاها "جَلَب حَلَب"، كما علّق بخطِّه في حال إقامتِه بالشام وحلب أشياءَ كثيرةً جِدًّا تزيد على مجلدينِ فمن ذلك: أنّه انتقى "تاريخَ قزوين" للرافعي، و"زوائدَ الألغاز" للغَزِّي، ولَخَّصَ "ثَبَت البُرْهان الحلبي".
وقُرِئت عليه هناك أشياء كثيرة روايةً ورايةً، فمن الرواية: "مُسنَد الإمام الشافعيّ، ومن الدراية: "شرح النخبة".
فهكذا هي حياةُ الحافظ ابن حجر؛ تنضح بالتعلُّم والتعليم، والدعوة والتقويم، على سَنَنِ العلماء الربّانيّين، الذين شروا أنفسهم ابتغاء مرضات الله جل وعلا، فجزاه اللهُ تعالى عمّا قدّم خير الجزاء وأوفاه (^١).