لقد حظي الحافظُ ابن حجر ﵀ بمكانةٍ كبيرةٍ عاليةٍ ومنزلةٍ رفيعةٍ ساميةٍ؛ في أوساط العلم، وأهله، وطلابهِ.
ولا غرو في ذلك؛ فقد حباه الله تعالى بأمورٍ عديدة أهّلته لبلوغ تلك المكانة، ومن أهم هذه الأمور:
أولا: سُرعة حفظِه؛ فقد رُزِقَ في صغره سُرعةً في الحفظ، بحيث كان ي حفظ كُلَّ يومٍ نصفَ حزبٍ، بل بلغ من أمره أنّه حفظ سورة مريم في يومٍ واحدٍ، ولم يكن حفظُه بالدَّرسِ على طريقة الأطفال، بل كان حفظُه على طريقة الأذكياء تأمُّلًا (^٢).
ثانيًا: سرعة القراءة الحسنة، وأسرعُ شيءٍ وقع له أنّه قرأ في رحلته الشامية "معجم الطبرانيّ الصغير في مجلسٍ واحدٍ بين صلاتي الظهر والعصر، وهو يشتمل على نحو من ألف وخمسمائة حديث؛ لأنّ الطبرانيَّ ألف خرّج فيه عن شيخٍ حديثًا أو حديثينِ.
ثالثًا: سرعة الكتابة مع حُسنها؛ فقد نقل تلميذُه الحافظُ السخاويُّ أنه سمعه يقول: (كنتُ أكتب في تلخيصي لتهذيب المزّيّ إلى الزوال كُرَّاسًا في
_________________
(١) انظر: "الجواهر والدُّرر" (٢/ ٥٨١ - ٦٣٩).
(٢) كما تقدّم بيانُه في المبحث الثالث.
[ المقدمة / ٤٢ ]
الكامل)، قال السخاويُّ عقبه: (وهو كسلاسل الذَّهب، غاية في النِّسبة، يكون بخطِّ غيره نحو كُرَّاسين فأكثر).
رابعًا: رِفاقُه الذين كانوا على درجةٍ عُليا من الدِّيانة، والتواضع، والاهتمام بالعلم، والبُعد عن التوغُّل في الغِلِّ، والحسد، والكتمان، وتكرّر ذكر ما يقتضي الامتنان، فلذا يُعين كلُّ رفيقٍ رفيقه نوبةً بالقراءة، ومرةً بالكتابة، وأخرى بالعارية ووقتًا بالمذاكرة، ويُجمِّل كلُّ واحدٍ منهم الآخر بقلمِه ولسانِه.
خامسًا: قصر همته في رحلاته وغيرها على المطالعة والقراءة والسماع والعبادة والتصنيف والإفادة، بحيث لم يكن يُخلي لحظةً من أوقاتِه عن شيءٍ ذلك، حتّى في حال أكلِه ومشيِه، بل نَقَلَ عنه تلميذُه السخاويُّ أنّه قال: (إنّني لأتعجب ممّن يجلس خاليًا عن الاشتغال) (^١).
ولأجل هذه الأمور - بفضل الله تعالى وتوفيقه - تبوّأ منزلةً علميةً رفيعةً في العلم، ذاع بها صيتُه، واشتهر فيها أمرُه.
ومما يدل على تلك المنزلة:
أوّلًا: كثرةُ مؤلفاتِه الدالة على غزارة علمه في شتى الفنون، وبخاصة علم الحديث (^٢).
ثانيًا: إجازة شيوخه له بالتدريس والفتوى؛ فمن ذلك: أن شيخَه سراج الدين البُلقينيّ كَتَبَ له: (أجزتُ له أن يُفتي بذلك لطالبيه بالتوجيه الوجيه؛ فإنه نِعْمَ الفاضل النبيه، وكتبه عُمر البُلقينيّ)، وكإذن الحافظُ العراقيّ له بتدريس كتب الحديث وعلومه (^٣).
_________________
(١) انظر: "الجواهر والدرر" (١/ ١٢٣ و١٦١ - ١٧٤).
(٢) وسيأتي الكلام عن ذلك في المبحث الثامن - إن شاء الله تعالى -.
(٣) انظر: "الجواهر والدرر" (١/ ٢٦٨ و٢٧١).
[ المقدمة / ٤٣ ]
ثالثًا:: إفادة أهل العلم من مُصنَّفاتِه في تآليفهم، في حياته وإلى عصرنا هذا، مما هو ذائعٌ مُشتهِرٌ.
رابعًا: مراسلة غير واحدٍ من شيوخه له فيما خفي على الشيخ الأمرُ فيه واستشكله، فمن ذلك: أنّ الحافظُ العراقيّ ربّما كتب إليه بخطِّه يسأله عمّا يحتاج إلى الوقوف عليه، وكذا كان جلال الدين البُلقينيّ يُكثر الإرسال إليه فيما يستشكله (^١).
خامسًا: عناية المؤرِّخين بالترجمة له في كُتُبهم التاريخية، كابنِ خطيب الناصرية في "تاريخ حلب" (^٢)، والفاسيِّ في "ذيل التقييد" (^٣)، بل منهم من أفرد سيرتَه، واعتنى بتفاصيل حياته، كما فعل الحافظُ السَّخاويُّ في كتابه: "الجواهر والدُّرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حَجَر".
سادسًا: تلهُّف الطلبة للأخذ عنه، ورحلتهم إليه من كل حدبٍ وصوبٍ، قال الحافظُ السَّخاويُّ (^٤): (على سبيل الإجمال: إنّا لا نعلم كبير أحدٍ من الناس في سائر الأقطار إلّا وقد أخذ عنه، وصيّره إمامًا يُعتمد عليه، ويرجع فيما يُشكل عنده إليه، بل لا أعلم في زمنه من شُدّت إليه الرحال من سائر الآفاق والمحال غير ذاته الشريفة؛ لعلو رتبته المنيفة، وكم ممّن نأت عنه ديارُه، وطالت في لُقيِّه أسفارُه، ممّن ربّما يكون أقدم منه ميلادًا = قصده للأخذ عنه درايةً وإسنادًا، وهذا لعمري كافٍ في الدلالة على فخره وسُموِّ محله وقدره) (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ٣٣٩ و٣٤١).
(٢) وهذا الكتاب في عداد المفقود.
(٣) (١/ ٣٥٢ - ٣٥٧).
(٤) كما تقدّم في المبحث الخامس.
(٥) "الجواهر والدرر" (٣/ ١١٧٩ - ١١٨٠).
[ المقدمة / ٤٤ ]
سابعًا: كثرة ما عُرِض عليه من المناصب والوظائف، كعَرْضِ القاضي صدر الدين المناوي عليه نيابة القضاء عنه، إلا أنه امتنع، ولم يقبل الدخولَ في القضاء إلا عقب إلحاح جلال الدين البُلقيني عليه بذلك (^١).
ومع ما تقدّم فقد تتابع ثناء العلماء عليه، ومن ذلك:
١) شيخه الحافظ زين الدين أبو الفضل العراقيّ، حيث كتب على نُسخةٍ بخطِّ الشّهاب البوصيري من "لسان الميزان": (كتاب "لسان الميزان"؛ تأليف الحافظ المتقن الناقد الحُجّة شهاب الدين أحمد بن علي الشافعيّ، الشهير بابن حجر، نفع الله بفوائده، وأمتع بعوائده).
وقد سأل القاضي كمال الدين بن العديم الحافظَ العراقيَّ عند موتِه عمّن بقي بعده من الحُفَّاظ، فبدأ بابن حجر، وثنّى بولده، وثلَّث بنور الدين الهيثميّ (^٢).
٢) وكَتَبَ شيخه العلّامة تقي الدين أبو بكر محمّد بن محمّد بن عبد الرحمن الدجوي (ت ٨٠٩ هـ) على بعض تخاريج الحافظ ابن حجر ما نصُّه: (وقفتُ على هذا التخريج البديع مثالًا، المنيع منالًا، الفائق حُسنًا وجمالًا، فلم يدع لقائلٍ مقالًا، إلا أن يقول: هكذا هكذا وإلا فلا لا (^٣)، فلقد أُوتي هذا بسطةً في العلم واللَّسَن، وكيف لا وهو الإمام ابن الإمام أبو الفضل بن أبي الحسن، لقد بهر ابنُ حجر بفضله العقول والأفكار، كما فاق حَجَرُه الياقوت بل غيره من الحجار، ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤]، فإنه جمع فأوعى، وأوعب جمعًا، وأبدع لفظا ومعنى، وجمع إحسانًا وحُسنًا، فلو شاهد حُسنَه
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ٥٨١ و٦١٧ - ٦١٨).
(٢) المصدر السابق (١/ ٢٦٨ و٢٧٢).
(٣) هذا أَصْلُه شَطْرُ بيتٍ للمُتَنَبِّي، يمدحُ فيه سيفَ الدَّوْلةِ الحَمْداني، والبيتُ بتمامِه: ذي المعالي .. فَلْيَعْلُوَنْ مَنْ تَعَالَى … هكذا هكذا، وإلا فلا، لا انظر: "شرح شعر المُتَنَبِّي - السَّفْر الثاني" (١/ ٢) لابن الأَفْلِيلي (ت ٤٤١ هـ).
[ المقدمة / ٤٥ ]
الجمالُ المزيُّ لأطنب في الثناء وأسهب، أو الذَّهبيُّ لذهب في الإعجاب كل مذهب أو ابن عبد الهادي لاهتدى به واقتفى أثره، أو ابن كثير لكاثر ببعضه واستكثره، فشكرًا لهذا الإمام شكرًا، فلقد جمّل مصره، وجدّد لها في الحفاظ ذكرًا. . . .) (^١).
٣) وقال رفيقُه تقيُّ الدين أبو الطيب محمّد بن أحمد بن علي الفاسيُّ المكيُّ (ت ٨٣٢ هـ): (إن الله لا يستحيي من الحق، ما رأينا مثل الشيخ شهاب الدين بن حجر)، فقيل له: ولا شيخكم العراقيّ؟ فقال: (ولا العراقيّ) (^٢).
٤) كما وَصَفَه تلميذُه العلّامة المتفنِّن شمس الدين بن حسّان المقدسيّ بـ: بُخاريِّ زمانه، وحافظِ أوانِه، شيخِ الإسلام والمسلمين (^٣).
وبالجملة فقد أثنى عليه جمٌّ غفيرٌ؛ من شيوخِه، ورِفاقِه، وطلابِه، وسائر الناس، سرد كثيرًا من أقوالهم الحافظُ السَّخاويُّ في "الجواهر والدرر" (^٤).
وقد أُنشئَ في مدحه من النَّظْمِ الشيءُ الكثيرُ، وممّن نَظَمَ في الثناء عليه شعرًا: البرهان البقاعي، والجلال، البُلقينيّ، والزين بن قطلوبغا، وغيرُ واحدٍ (^٥).
ومن ذلك: ما قاله السراجُ أبو حفص عُمر بن محمّد بن علي بن محمّد الجعبريّ - شيخُ بلد الخَلِيل - (ت ٨٩٣ هـ) مادِحًا "نُخبة الفِكَر"، وكان قد قرأها على مُصنِّفها:
أبدعتَ يا حَبْرُ في كلِّ الفنون بما … صنَّفتَ في العلم من بَسْطٍ ومُختصرِ
_________________
(١) الجواهر والدرر (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤).
(٢) المصدر السابق (١/ ٢٩٠).
(٣) المصدر السابق (١/ ٣١١).
(٤) (١/ ٢٦٣ فما بعدها).
(٥) المصدر السابق (١/ ٤٠١ فما بعدها).
[ المقدمة / ٤٦ ]
علمُ الحديثِ به أصبحتَ مُنفردًا … وللأنام فكم أَبْرَزُتَ من غُررِ
لقد جَلوتَ عروسَ الحُسنِ مُبتكِرًا … فيما أتيتَ به من نُخبة الفِكَرِ
إذا تأمّلها بالفكرِ ناظرُها … تَهْمِي فوائدُها للفكرِ كالمطرِ