كان الحافظ ﵀ مع اشتغاله بالعلم حريصًا على نشر الحديث والسُّنة،
_________________
(١) انظر: "الجواهر والدرر" (٣/ ١١٥٠ - ١١٥١)، و"الضوء اللامع" (٨/ ١٧٦ - ١٧٨).
(٢) انظر "الجواهر والدرر" (٣/ ١١٥٩)، و"الضوء اللامع" (٩/ ١١٧ - ١٢٤).
(٣) انظر: "الجواهر والدرر" (٣/ ١١٦١)، و"الضوء اللامع" (٩/ ١٥٢ - ١٥٤).
(٤) انظر: "الجواهر والدرر" (٣/ ١١٦٦)، و"الضوء اللامع" (٩/ ٣٠٦ - ٣٠٨).
[ المقدمة / ٤٠ ]
مما حباه اللهُ تعالى من ميراث النُّبوة، فكان يعقد مجالسَ عديدةً يُملي فيها على الطلبة، بلغ جملة ما أملى نحو ألف مجلس ومائة وخمسين مجلسًا، وبلغت عدّة مجلدات أماليه كلّها في بعض النُّسخ عشر مجلدات، يُمليها من حفظه، مُهذَّبةٌ، مُحرَّرةً، مُتقنةً، كثيرة الفوائد الحديثية، ويتحرّى فيها العُلُو، أملاها في غير ما موضعٍ، كالشيخونية، والجمالية، والمنكوتمرية، والخانقاه البيبرسية، وغيرها.
وكان ﵀ يُلقي الدروس ويأتي في كل فنٍّ من بنات فكره استنباطًا واستدراكًا بما علماء ذلك الفنّ، بحيث يقضون له بالسِّيادة فيه.
كما تولّى الإفتاء بدار العدل، وذلك في سنة إحدى عشرة وثمانمائة (٨١١ هـ)، فكانت فتاويه موجزةً، وافيةً بالغرض، لاسيّما المسائل التي لا نقل فيها؛ يخرجها على القوانين المحرَّرة بالدلائل المعتبرة، قال السَّخاويُّ: (وهو فقيهُ النفس) (^١) وكان يكتب في كلِّ يوم غالبًا على أكثر من ثلاثين فتيا، لا يُحابي في ذلك أحدًا ولو عَظُم.
وتولّى أيضًا الخطابة في الجامع الأزهر، فكان لخطبه صدعٌ في القلوب، ويزداد وهو على المنبر مهابةً ونورًا.
وأمّا القضاء فكان ﵀ يمتنع عن إجابة من يعرض عليه ذلك، إلى أن ألحّ عليه القاضي جلال الدين عبد الرحمن بن سراج الدين عُمر بن رسلان البُلْقينيّ الشافعيّ (ت ٨٢٤ هـ)، فقَبِلَ بعد تكرير السؤال منه، وباشره بعفّةٍ،
_________________
(١) ويقولون فيه أيضًا: (فقيهُ البَدَن)؛ وفي بيان معناه يقول محمّد بن يوسف بن محمد اللَّحْميّ: (أي كأَنَّ بَدَنَه مطبوعٌ على الفِقْه؛ لذكائه، ولنُفُوذِه فيما أَشْكَلَ منه أو غَمُضَ) انتهى. نقله الشيخ عبد السَّلام محمد هارون ﵀ في حاشية تحقيقه لكتاب "البيان والتَّبَيُّن" (١/ ١٠١؛ الحاشية رقم ٤) للجاحظ.
[ المقدمة / ٤١ ]
ونزاهة وتواضعٍ، زائدٍ واستجلابٍ لخاطر الصغير قبل الكبير، وإحسانٍ للفقراء والطلبة، ومع هذا فقد نَدِمَ على قبوله وظيفةَ القضاء؛ لكون أرباب الدولة لا يُفرِّقون بين أولي الفضل وغيرهم، ويُبالغون في اللَّوم حيث رُدَّت إشاراتهم، وإن لم تكن على وَفْقِ الحقّ، ولما يحتاجه القاضي من مداراة الناس بحيث لا يمكنه مع ذلك القيام بكل ما يرومه على وجه العدل (^١).