ومن أمثلة ذلك:
ما جاء في ترجمة سعيد بن المَرْزُبان العَبْسيِّ (^٢): (وقال العُقَيليُّ: وثَّقَه وَكِيع، وضَعَّفه ابن عُيَيْنَة.
قلتُ: الحكاية الّتِي حُكِيت عن وَكِيع لا تَدلُّ على أنَّه وثَّقه، وقد ذكرها السَّاجِيُّ عن محمود بن غَيْلان، قال: سُئِل وَكِيع عن أبي سَعْد البَقَّال، فقال: أحمدُ الله، كان يَرْوِي عن أبي وائل، وأبو وائل ثقة).
وجاء في ترجمة سُلَيمان بن عبد الرَّحمن بن عيسى التَّميميِّ (^٣): (قال أبو حاتمٍ: سُلَيمان صَدُوقٌ، مُسْتَقيم الحديث، ولكنَّه أروى النَّاس عن الضُّعفاء والمجهولين، وكان عندي في حدِّ لو أنَّ رجلًا وضع له حديثًا لم يَفْهم، وكان لا يُمَيِّز.
قلتُ: ردَّ الذَّهبيُّ قول أبي حاتمٍ "وكان لا يُمَيِّز" بقوله: بلى والله كان يُمَيِّز، ويدري هذا الشَّأن، ولم يأت على دعواه بمُسْتَند.
_________________
(١) الترجمة رقم (٥٩٢٦).
(٢) الترجمة رقم (٢٥٠٦).
(٣) الترجمة رقم (٢٧٠٨).
[ المقدمة / ٧٧ ]
قلتُ: ذكر في أثناء ترجمته ما يُصَدِّق مقالة أبي حاتمٍ، وأبو حاتمٍ أعلمُ به ممَّن تَأخَّرَ عنه الدَّهرَ الطَّويلَ).
وجاء في ترجمة شُعبة بن دينار الهاشميِّ (^١): (وقال بِشْر بن عُمَر الزَّهْرَانيُّ: سألتُ عنه مالكًا؟ فقال: ليس بثقةٍ. قال أبو الحسن بن القَطَّان الفاسيُّ: ومالكٌ لم يُضَعِّفه؛ وإِنَّما شَحَّ عليه بلفظة: ثقة.
قلتُ: هذا التَّأويل غيرُ سائغٍ، بل لَفْظَة (لَيس بثقةٍ) في الاصطلاحِ تُوجِب الضَّعْف الشَّديد، وقد قال ابن حِبَّان: روى عن ابن عبَّاس ما لا أصلَ له، حتَّى كأَنَّه ابن عَبَّاس آخر).
وجاء في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي (^٢) أن ابن عدي قال: إذا لم يَعرف ابن معين الرَّجلَ فهو مجهول، ولا يُعتمد على معرفة غيره.
فقال الحافظُ مُنَبِّهًا: (هذا الذي ذكر ابن عدي قاله في ترجمة عبد الرحمن بن آدم عقب قول ابن معين في كل منهما: لا أعرفه، وأَقرّه المؤلفُ عليه، وهو لا يتمشّى في كل الأحوال، فرُبّ رجلٍ لم يَعرفه ابن معين بالثقة والعدالة وعَرَفه غيرُه، فضلًا عن معرفة العين، لا مانع من هذا، وهذا الرجل قد عَرَفه ابن يونس وإليه المرجع في معرفة أهل مِصر والمغرب، وقد ذكره ابن خَلَفون في "الثقات"؛ وقال: كان رجلًا صالحًا جميل السيرة، استُشهد في قتال الفِرَنج في شهر رمضان).
وقال الحافظُ في ترجمة النضر بن شيبان الحُدَّاني (^٣): (ذكره ابن حِبَّان "الثِّقات"؛ وقال: كان ممَّن يخطئ.
_________________
(١) الترجمة رقم (٢٩١٤).
(٢) الترجمة رقم (٤١٢٤).
(٣) الترجمة رقم (٧٥٧٨).
[ المقدمة / ٧٨ ]
قلت: فإذا كان أخطأ في حديثه، وليس له غيره؛ فلا معنى لذكره في "الثِّقات"، إلا أن يُقال: هو في نفسه صادق، وإنما غلط في اسم الصحابي؛ فيتَّجه.
لكن يَرِدُ على هذا أن في بعض طرقه عنه: لقيت أبا سلمة، فقلت له: حدِّثْني بحديث سمعتَه من أبيك، وسمعه أبوك من النَّبيِّ ﷺ؛ فقال أبو سلمة: حدثنى أبي، فذكره.
وقد جزم جماعة من الأئمة بأنَّ أبا سلمة لم يصحَّ سماعه من أبيه، فتضعيف النَّضر على هذا يتعيَّن).