﷽
تحرصُ جمعيةُ دارِ البرِّ في دبي؛ بدولة الإماراتِ العربيةِ المتحدةِ على خدمةِ الحديث والسنة النبوية، إذْ الحديث وسيلة لكل علم شرعي، وهو الطريق إلى معرفة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من اعتقادات وأحكام وأخلاق، وغير ذلك، ولا نجاة للأمة ولا فلاح مهما اشتدّ اختلاف الزمان والمكان، إلا بسلوك هذه الطريق، كما أن السُّنة مِثْلُ القرآن الكريم في التشريع وإفادة الأحكام، وهي أيضًا شارِحَةٌ للقرآن، مُبيِّنةٌ له، تُفَصِّلُ مُجْمَله، وتُقيِّدُ مُطلَقَهُ، وتُخصِّصُ عمومه.
ومِنْ أجل هذا اختص الله تعالى الأُمَّةَ الإسلامية بخصوصية كبرى؛ إلا وهِيَ حِفظُ الحديث النبوي، ذلك بأن السُّنَّةَ مِنَ الذِكْرِ الذي وعد الله بحفظه، وقد اشتكى رجل من وجود الأحاديث الموضوعة، فقال له ابن المبارك: تَعِيشُ لها الجهابِدَةُ، تكتشفُها وتُحذِّرُ منها، ثم قرأ قوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
نَعَمْ؛ حَفِظَ الله الحديث بِأَنْ قيَّضَ له مئات الألوف من الجَهَابِذَة مِنْ الرُّواةِ والمُحَدِّثين والنُّقَّاد، فلم يألوا جهدًا في حفظه غضًّا طرِيًّا مدى العصور والأزمان، وعلى مَرِّ القرون والأجيال.
وفي ذلك يقول الحافظ أبو حاتم الرازي ﵀: "لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أُمَناءَ يحفظون آثار الرُّسُل إلا في هذه الأمة".
ويوضح الحافظ محمد بن حاتم بن المظفر اختصاص هذه الأمة بعلماء الحديث، فيقول: " إن الله أكرم هذه الأمة وشرَّفَها وفضَّلَها بالإسناد، وليس لأحدٍ مِنْ الأُمَم كلِّها، قديمهم وحديثهم إسنادٌ، وإِنَّما هِيَ صُحفٌ في أيديهم،
[ المقدمة / ٥ ]
وقد خَلَطُوا بِكُتُبِهم أخبارهم، وليس عندهم تمييز وهذه الأُمَّةُ إِنما تَنُصُّ الحديث مِنَ الثِّقَةِ المَعروف في زمانه المشهور بالصِّدقِ والأمانة، عن مثله حتى تتناهى أخبارُهم، ثُم يبحثون أشَدَّ البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطوَلَ مُجالسة لِمَنْ فَوْقَهُ ممن كان أقلَّ مُجالسة، ثم يَكتُبون الحديث من عشرين وجهًا وأكثر حتى يُهذِّبُوهُ مِنَ الغَلَطِ والزَّلَل، ويضْبِطوا حُروفَه ويَعُدُّوهُ عَدَّا، فهذا مِنْ أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمة".
هذا؛ وعُلومُ الحديث التي خدمته بقوة، وميزت بين صحيحه وحسنه، وضعيفه وموضوعه، كثيرةٌ ومتنوعة، تَصِلُ إلى نحو خمسينَ عِلْمًا، مِنْها ما يتعلقُ بِرُواةِ الحديث وبيان أحوالهم ومَدَى أهلِيَّتهم؛ وهُوَ: ما يُعرَفُ بِعلْمِ الرِّجال، أو عِلْمِ الجرح والتعديل، ومِنْ أعظم كُتُب هذا العلم وأهمِّها وأكثرها فائدةً: كتاب الحافظِ الكبير شَيخ الإسلام الإمام أبي الفَضْل أحمد بن علي، المعروف بابنُ حَجَرْ العسقلاني، (ت: ٨٥٢ هـ)، الذي بين أيدينا، والمشهور باسم: "تهذيب التهذيب".
وقد مَكَثَ في دِرَاسَةِ هذا الكتاب وتَحْقيقه - خَمْسُ سنواتٍ - ثلةٌ من العلماء والباحثين، بَلَغُوا خمسة عشر، وذلك في كُلِّيَّةِ الحديث الشريف في الجامعة الإسلامية، بِبَلَدِ الحديث والسُّنة: المدينة المنورة، وحَصَّلُوا به على درجة العالمية.
وإذ تتشرفُ جمعيةُ دارِ البرِّ بأنْ تُقدِّمَ للعلماء والباحثين في السنة النبوية وعلومها الشريفة هذا الكتاب، فإنَّها تُعْلِنُ عن إفساح المجال للباحثين المُتَخصِّصين في العلوم الشرعية كافة؛ لِنَشْرِ رسائلهم الجامعية وبحوثهم المُحَكَّمَة، كما تدعو الجمعية أهل الخير لدعم هذا المشروع العلمي، والإسهام في نشر العلوم الإسلامية الصحيحة، والمحافظة على هذا الإرث العظيم، والحمد لله رب العالمين.
خلفان خليفه المزروعي
رئيس مجلس إدارة جمعية دار البر
دبي - دولة الإمارات العربية المتحدة
[ المقدمة / ٦ ]
﷽
إنَّ الحمدَ لله، نَحمدُه ونَستعينُه ونَستغفرُه، ونعوذُ بالله من شُرُور أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالنا، مَنْ يهدِهِ الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]، أما بعد:
فإنّ أصدقَ الحديث كلامُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمد ﷺ، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة وكلَّ بدعةٍ ضلالة وكلَّ ضلالةٍ في النار، وبعدُ:
فإن علم الرجال والجرح والتعديل ذو شأنٍ من علوم الحديث النبويّ - عظيمٍ، ومكانٍ فيه رفيعٍ، فبه حمى اللهُ مقامَ السُّنة، وصانها من كلِّ شائبةٍ دخيلة، وقد هيَّأ ﵎ لهذا العلم أئمّةً جهابذةً، أُولي علم وحِلْم، وحفظ وفهم، وورع وديانة، نذروا أنفسهم لله ﷿ ونُصرة دينه، ولم يخافوا في الله لومة لائم، فتتبعوا أحوال الرواة، وبيّنوا من حفظ ممن لم يحفظ، ومن صدق في خبره ممّن كذب.
روى ابن عساكر في "تاريخه" (^١) أنَّ هارون الرشيد أخذ ذات يومٍ زِنْديقًا،
_________________
(١) (٧/ ١٢٧).
[ المقدمة / ٧ ]