(^١) بسم الله الرحمن الرحيم
صلّى اللهُ على سيِّدِنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه وسلّم (^٢)
الحمدُ للهِ الذي تفرَّدَ بالبَقَاءِ والكمال، وقسم بين عبادِهِ الأرزاقَ والآجالَ، وجعلَهم شعوبًا وقبائل ليتعارفوا، وملوكًا وسُوقةً ليتناصفوا، وبعثَ الرسلَ مبشرين ومنذرين لئلَّا يكون للناس على اللهِ (^٣) حجة، وختمَهم (^٤) بخيرتِه من خليقته، السّالكِ [بتأييده الطريقَ] (^٥) المستقيمَ على المحجّة، وأشهد أن لا إله إلا الله على الإطلاق، [وأشهد] (^٦) أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، المبعوثُ إلى أهل الآفاقِ [المنعوتُ بتهذيبِ] (^٧) الأخلاقِ ومكارمِ
_________________
(١) الورقة الأولى من الأصل كتبت بخط مغاير لخط الحافظ ابن حجر ﵀، وقد تمزّقَ بعضُ أجزائها، وفيها سقطٌ وتصحيفٌ، ولذا فإني لا أُنبّه على المواضع التي وقع فيها تمزّقٌ وتصحيفٌ وسقطٌ - في هذه الورقة - لكثرة ذلك، وقد اعتمدتُ (م) أصلًا في تحقيقها.
(٢) كذا في (م)، وفي الأصل: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ - وهو جزء من الآية (١٠) من سورة الكهف، وفي (ش): "وصلَّى الله على سيدنا محمّد، وآله، وسلّم".
(٣) كذا في (م) و(ش)، وفي الأصل: "عليه".
(٤) كذا في (م) و(ش)، وفي الأصل: "وختم".
(٥) وقع على بعضها تمزّقٌ في (م)، والمثبت كما في (ش)، وهي كذلك في الأصل.
(٦) وقع عليها تمزّقٌ في (م)، والمثبت كما في (ش)، وهي كذلك في الأصل.
(٧) وقع على بعضها تمزّقٌ في (م)، والمثبت كما في (ش)، وهي كذلك في الأصل.
[ ١ / ٥ ]
الأعراقِ (^١)، ﷺ (^٢) وعلى آلِه [وصحبِه صلاةً] (^٣) وسلامًا متعاقبين إلى يوم التلاق.
[أمّا] (^٤) بعد:
فإنّ كتابَ "الكمالِ في أسماءِ الرجالِ" الذي ألّفه الحافظُ [الكبيرُ أبو محمّد] (^٥) عبد الغني بنُ عبد الواحدِ بن سرور المقدسيّ (^٦)، وهذّبه الحافظُ [الشهيرُ] (^٧) (أبو الحجّاجِ يوسفُ بنُ الزكيّ المزّي (^٨)؛ مِنْ أجلّ المصنّفات في [معرفةِ] (^٩) حملةِ الآثارِ وضعًا، وأعظم المؤلّفات في بصائرِ ذوي [الألباب] (^١٠) وقعًا، ولاسيّما "التّهذيب"، فهو الذي وفّق بين اسمِ الكتاب ومسمّاه، وألّف بين لفظِه ومعناه، بَيْدَ أنّه أطال وأطاب، ووجدَ مكانَ القولِ ذا سعةٍ فقال وأصاب، ولكنْ قصرت الهِمَمُ عن تحصيلِه لطوله، فاقتصر
_________________
(١) في (ش): "ومحاسن الأعراق".
(٢) كذا في (م)، وفي الأصل و(ش): "صلّى الله وسلّم عليه".
(٣) وقع عليها تمزّقٌ في (م)، والمثبت كما في (ش)، وهي كذلك في الأصل.
(٤) وقع على بعضها تمزّقٌ في (م)، والمثبت كما في (ش)، وهي كذلك في الأصل.
(٥) وقع عليها تمزّقٌ في (م)، والمثبت كما في (ش).
(٦) هو الحافظ الكبير تقيّ الدين، أبو محمّد، عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع، المقدسيّ الجماعيليّ، ثم الدّمشقيّ المنشأ، الصالحيّ، الحنبليّ، توفّي سنة ستمائة. انظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" (٢١/ ٤٤٣ فما بعدها)، وتذكرة الحفّاظ" (٤/ ١٣٧٢ فما بعدها)؛ كلاهما للحافظ الذّهبيّ.
(٧) وقع عليها تمزّقٌ في (م)، والمثبت كما في (ش)، وقد انمحت في الأصل.
(٨) هو المحدّث الكبير جمال الدين أبو الحجّاج، يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف، القضاعيّ ثم الكلبيّ، الدّمشقيّ، الشافعيّ، توفّي سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٤٩٨ فما بعدها) لتلميذه الذّهبيّ.
(٩) وقع عليها تمزّقٌ في (م)، والمثبت كما في (ش)، وهي كذلك في الأصل.
(١٠) وقع على بعضها تمزّقٌ في (م)، والمثبت كما في (ش)، وهي كذلك في الأصل.
[ ١ / ٦ ]
بعضُ الناسِ على الكشفِ من "الكاشفِ" الذي اختصره منه الحافظُ أبو عبد الله الذّهبيّ (^١)، ولما نظرتُ في هذه الكتبِ وجدتُ تراجمَ "الكاشفِ" إنّما هي كالعنوان، تتشوّف (^٢) النفوسُ إلى الاطّلاعِ على ما وراءه، ثم رأيتُ للذَّهبيِّ كتابًا سمّاه "تذهيب التهذيب"، أطال فيه العبارةَ، ولم يَعْدُ ما في "التهذيبِ" غالبًا، وإن زاد ففي الأحايين بعض وفيات بالظنّ والتخمين، أو مناقب لبعض المترجَمين، مع إهمالِ كثيرٍ من التوثيق والتجريحِ اللّذين عليهما مدارُ التضعيفِ والتصحيحِ.
هذا وفي "التهذيبِ" عددٌ من الأسماء لم يُعرِّف الشيخُ بشيءٍ من أحوالِهم، بل لا يزيدُ على قولِه "روى عن فلان، روى عنه فلان، أخرج له فلان"، وهذا لا يَروي الغُلّة، ولا يشفي العِلّة، فاستخرتُ الله تعالى في اختصارِ "التهذيبِ" على طريقةٍ أرجو الله أن تكون مستقيمةً، وهو أنّني أقتصرُ على ما يُفيدُ الجرحَ والتعديلَ خاصّة، وأحذفُ منه ما أطالَ به الكتابَ من الأحاديثِ التي يخرجها من مرويّاتِه العاليةِ من الموافقاتِ (^٣) والأبدالِ (^٤) وغيرِ
_________________
(١) هو الحافظ المؤرخ الكبير شمس الدين، أبو عبد الله، محمّد أحمد بن عثمان بن قايماز، التركمانيّ الأصل، الفارقيّ، ثم الدّمشقيّ، المعروف بالذّهبي، توفّي سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. انظر ترجمته في: "الوافي بالوفيات" (٢/ ١١٤ فما بعدها) لتلميذه الصّفدي، و"الدّرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" (٣/ ٣٣٦ فما بعدها) للحافظ ابن حجر.
(٢) في (ش): "تتشوق".
(٣) جمع الموافقة، وتعني في اصطلاح أهل الحديث: الوصول في حديثٍ إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريق ذلك المصنف بعددٍ أقل مما لو روي الحديث بعينه من طريقه. انظر: "معرفة أنواع علم الحديث" (ص (٢٥٨) لابن الصلاح، و"نزهة النظر" (ص ١٤٣) لابن حجر.
(٤) جمع البدل، وهو في اصطلاح أهل الحديث: الوصول في حديث إلى شيخِ شيخِ أحد المصنفين من غير طريق ذلك المصنّف بعددٍ أقل مما لو روي الحديث بعينه من طريقه. =
[ ١ / ٧ ]
ذلك من أنواعِ العلوّ، فإنّ ذلك بالمعاجمِ (^١) والمشيخاتِ (^٢) أشبهُ منه بموضوعِ الكتابِ، وإنْ كان لا يلحقُ المؤلّفَ من ذلك عابٌ (^٣)، حاشا وكلّا، بل هو - واللهِ - العديمُ النظير، المطّلعُ التّحريرُ، لكنّ العُمْرَ يسيرٌ، والزمانَ قصيرٌ، فحذفتُ هذا جملةً، وهو نحو ثُلُثِ الكتاب، ثمّ إنّ الشيخَ ﵀ قَصَدَ استيعابَ شيوخِ صاحبِ التّرجمةِ، واستيعابَ الرواةِ عنه، ورتّبَ ذلك على حروفِ المعجمِ في كلّ ترجمة، وحصل من ذلك على الأكثرِ، لكنّه شيءٌ لا سبيلَ إلى استيعابِه ولا، حصرِه، وسببُه انتشارُ الرواياتِ (^٤) وكثرتُها وتشعّبُها وسعتُها، فوجد المتعنَّتُ (^٥) بذلك سبيلًا إلى الاستدراكِ على الشيخِ بما لا فائدةَ فيه جليلة ولا طائلة فإنّ أجلّ فائدةٍ في ذلك هو في شيءٍ واحدٍ، وهو إذا اشتهر أنّ الرجلَ لم يروِ عنه إلا واحد، فإذا ظفر المفيدُ له براوٍ آخر أفادَ رفْعَ جهالةِ عين ذلك الرجلِ برواية راويين عنه، فتتبّعُ مثلِ ذلك
_________________
(١) = المصدران السابقان - معرفة أنواع علم الحديث (ص ٢٥٨ - ٢٥٩)، و"نزهة النظر" (ص ١٤٤) -.
(٢) يُريد الحافظ ﵀ بالمعاجم: "معاجم الشيوخ"، وهي الكتب التي يجمع فيها مؤلِّفوها مشايخَهم، مرتّبين على حروف المعجم، ويُوردون خلالها نماذج من مرويّاتهم العالية عنهم. وانظر: "معجم علوم الحديث النّبويّ" (ص ٢٢٢).
(٣) جمع المشيخة، وهي: كتابٌ يجمع فيه مؤلِّفُه أسامي شيوخه على حروف المعجم أو دون ترتيب، ويذكر بعض مرويّاته عنهم. انظر: "كتب المشيخات" (ص ١١ - رسالة علمية) للدكتور صالح الزّبيديّ.
(٤) العاب بمعنى العيب يُقال: (عابَه عيْبًا وعابًا) إذا نسبه إلى العيب وجعله ذا عيب. انظر: "مقاييس اللغة" (٤/ ١٨٩) لابن فارس، و"لسان العرب" (١/ ٦٣٣) لابن منظور.
(٥) كذا في (م)، وفي (ش) والأصل: "المرويات".
(٦) يُشير المؤلف ﵀ بذلك إلى العلّامة مغلطاي في كتابه "إكمال تهذيب الكمال" (١/ ٥)؛ فقد ذكر في مقدّمته أنه يستدرك قليلًا على المزّي في شيوخ المترجَم وتلاميذه؛ لئلا يُعتَقد أنه استوفى ذِكْرهم جميعًا.
[ ١ / ٨ ]
والتنقيب عليه مُهمٌّ، وأما إذا جئنا إلى مثلِ سفيانَ الثوريِّ، وأبي داود الطّيالسيّ، ومحمد بن إسماعيل، وأبي زرعةَ الرّازي، ويعقوب بن سفيان، وغيرِ هؤلاء ممّن زاد عددُ شيوخِهم على الألف، فأردْنا استيعابَ ذلك تعذّرَ علينا غايةَ التعذُّرِ، فإنِ اقتصرْنا على الأكثرِ والأشهرِ بطل ادّعاءُ الاستيعابِ، ولا سيّما إذا نظرْنا إلى ما رُوِيَ لنا عمّن (^١) لا ندفعُ قولَه أنّ يحيى بن سعيد الأنصاريّ - راوي حديثَ الأعمالِ (^٢) - حدّث به عنه سبعمائة نفس، وهذه الحكايةُ ممكنةٌ عقلًا ونقلًا، لكنْ لو أردنا أن نتتبّع مَنْ روى عن يحيى بن سعيد فضلًا عمَّنْ روى هذا الحديث الخاص عنه لما وجدنا (^٣) (^٤) هذا القدرَ ولا ما يقاربه.
فاقتصرتُ مِن شيوخِ الرجلِ ومِن الرواةِ عنه - إذا كان مُكثرًا - على الأشهرِ، والأحفظِ، والمعروفِ.
_________________
(١) أعلم عليها في (م) بعلامة الزهرة، وكتب في الحاشية قبالتها: (أبو موسى المديني)، ولعل الأقرب أنّ المراد بذلك هو الحافظ أبو إسماعيل الأنصاري الهروي، فقد قال المؤلف ﵀ في "فتح الباري" (١/ ١١): (وروى أبو موسى المديني عن بعض مشايخه مذاكرةً عن الحافظ أبي إسماعيل الأنصاري الهروي قال: كتبته من حديث سبعمائة من أصحاب يحيى).
(٢) يعني حديث "إنما الأعمال بالنيات"؛ أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم ١)، ومسلمٌ في "صحيحه" رقم (١٩٠٧)، وأبو داود في "سُننه" (رقم ٢١٩٤)، والترمذيُّ في "جامعه" (رقم ١٦٤٧) وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنسائيُّ في "الكبرى" (رقم ٧٨) و"الصغرى" رقم (٧٥)، وابنُ ماجه في "سُننه" (رقم ٤٢٢٧)، في آخرين، كلُّهم من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن محمد بن إبراهيم التّيميّ، عن علقمة بن وقاص اللّيثيّ، عن عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعًا.
(٣) قوله: (لما وجدنا) ليس مثبتًا في متن الأصل، وإنما هو في موضع إلحاقة الوجه ب من الورقة الأولى، وهو مثبت في متن (م) و(ش).
(٤) من هنا يَبدأ رسمُ المؤلّف - الحافظ ابن حجر ﵀ -، وتُستأنف الإحالةُ على نسختِه.
[ ١ / ٩ ]
فإنْ كانت الترجمةُ قصيرةً لم أحذفْ منها شيئًا في الغالبِ.
وإنْ كانت متوسطةً اقتصرتُ على ذكْرِ الشيوخِ والرواةِ الذين عليهم رقمٌ في الغالبِ.
فإنْ كانت طويلةً اقتصرتُ على مَن عليه رقمُ الشيخينِ مع ذكرِ جماعةٍ غيرهم.
ولا أعدِلُ عن ذلك إلا لمصلحةٍ، مثل أنْ يكون الرجلُ قد عُرِفَ مِن حالِه أنّه لا يروي إلا عن ثقةٍ؛ فإنّني أذكرُ جميعَ شيوخِه أو أكثرَهم، كشعبةَ ومالكٍ وغيرِهما.
ولم ألتزمْ سياقَ الشيوخِ والرواةِ في الترجمةِ الواحدةِ على حروفِ المعجمِ؛ لأنّه لَزِمَ مِن ذلك تقديمُ الصغيرِ على الكبيرِ.
فأحرصُ على أنْ أذكرَ في أولِ الترجمةِ أكبرَ شيوخِ الرجلِ وأسندَهم وأحفظَهم - إنْ تيسّرَ معرفةُ ذلك -، إلا أنْ يكون للرجلِ ابنٌ أو قريبٌ فإنّني أُقدّمُه في الذكرِ.
وأحرصُ على أنْ أختمَ الرواةَ عنه بمنْ وُصِفَ بأنّه آخرُ مَن روى عن صاحبِ الترجمةِ، وربّما صرّحتُ بذلك.
وأحذفُ كثيرًا من أثناء التراجمِ إذا كان الكلامُ المحذوفُ لا يدلُّ على توثيقٍ ولا تجريحٍ، ومهما ظفرتُ به بعد ذلك مِن تجريحٍ وتوثيقٍ ألحقتُه.
وفائدةُ إيرادِ كلّ ما قِيلَ في الرجلِ مِن جرحٍ وتوثيقٍ تظهرُ عند المعارضةِ.
وربّما أَوردتُ بعضَ كلامِ الأصلِ بالمعنى مع استيفاءِ المقاصدِ.
وربّما زِدْتُ ألفاظًا يسيرةً في أثناءِ كلامِه لمصلحةٍ في ذلك.
[ ١ / ١٠ ]
وأحذفُ كثيرًا مِن الخلافِ في وفاةِ الرجلِ إلا لمصلحةٍ تقتضي عدمَ الاختصارِ.
ولا أحذفُ مِن رجالِ "التهذيبِ" أحدًا، بل ربّما زِدْتُ فيهم مَن هو على شرطِه (^١).
فما كان مِنْ ترجمةٍ زائدةٍ فإنّني أكتبُ اسمَ صاحبِها واسمَ أبيه بالأحمر.
وما زِدتُه في أثناء التراجمِ قُلتُ في أوّلِه: "قُلْتُ"، فجميع ما بعد "قُلْتُ" فهو مِنْ زياداتي إلى آخرِ الترجمةِ.