كانت بلاد الشام منذ النصف الثاني من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) تعيش في ظل دولة المماليك البحرية التي قامت على أنقاض الدولة الايوبية، وأصبحت من أعظم مراكز القوى في العالم الاسلامي بسبب قدرتها على إيقاف التقدم المغولي المدمر الذي قضى على الخلافة العباسية ببغداد.
وعاشت دمشق آنذاك وهي تشهد عز الاسلام..عيدت أولا في سنة (٦٥٨) على خير عظيم حينما تمكنت جيوشها من هزيمة جيوش المغول المدمرة شر هزيمة في "عين جالوت"غربي بيسان من أرض فلسطين الصابرة، وتنظيف البلاد الشامية من فلولهم المدحورة..
وعيدت ثانية في السنة نفسها بولاية مجاهد عظيم عليها هو السلطان العظيم الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتوح بيبرس"٦٥٨ ٦٧٦"، ثم شهدته بعد ذلك الانتصار وهو يكيل الضربات القوية للعدو الصليبي المخذول يحاول إزاحته من أرض العَرُوبَة والاسلام حتى أوهنه وأوهاه وأنحله وأضناه، وحرر القسم الاكبر من السواحل الشامية التي كانت بأيدي الغزاة الصليبيين (١)، فأعاد بذلك سيرة السلطان المجاهد صلاح الدين يوسف الايوبي ﵁ في الجهاد.
ثم شهدت هذه المدينة المجاهدة في سنة (٦٩٠) تحرير آخر
_________________
(١) تاريخ الاسلام للذهبي، الورقة ٣٥ ٣٤ (أيا صوفيا: ٣٠١٤) .
[ ١ / ١١ ]
شبر من أرض العَرُوبَة والاسلام وتنظيف البلاد من الغزاة الصليبيين على عهد السلطان الملك الاشرف صلاح الدين خليل (١)
..سمعت المنادي في مستهل ربيع الاول من السنة ينادي للغزاة في سبيل الله إلى عكا، وشاهدت المطوعة، وفيهم المحدثون والفقهاء والمدرسون والصالحون ينضمون إلى الجيش. قال الإمام الذهبي: وكان يومها شابا في السابعة عشرة من عُمَره: وجاءت إليه جيوش الشام بأسرها، وأمم لا يحصيهم إلا الله تعالى من المطوعة، فكانوا قدرالجندمرات" (٢) ..شاهدت هؤلاء الأئمة الاعلام، وهم يجرون عجل المنجنيقات يرتلون القرآن الكريم، ويقرؤون أحاديث الجهاد، يتجهون نحو تحرير الارض، وصيانة حرمة الاسلام، فلم يلبث أن فتح المسلمون عكا في يوم واحد، كان يوم الجمعة المبارك السابع عشر من جمادى الاولى من السنة. وتوالت الانتصارات بعد فتح عكا، ففتحت صور، وصيدا، وبيروت، وغيرها حتى حررت جميع السواحل الشامية ونظفت من دنس الغزاة (٣) .
وكانت بلاد الشام إلى جانب ذلك قد أصبحت مركزا كبيرا من مراكز الحركة الفكرية، فيها من المدارس العامرة، ودور القرآن والحديث العدد الكثير، عمل على تعميرها حكامها وبعض المياسير من أهلها، ونشطت في عهد الشهيد نور الدين محمود بن زنكي. وكانت العناية بالدراسات الدينية من تفسير وحديث وفقه وعقائد وما يتصل بها
_________________
(١) قال الذهبي في ترجمة من تاريخ الاسلام: جلس على تخت الملك سنة تسع وثماني وست مئة، واستفتح الملك بالجهاد فسار ونازل عكا وافتتحها ونظف الشام كله من الفرنج..ولو طالت حياته لاخذ العراق وغيرها، فإنه كان بطلا شجاعا مقداما مهيبا عالي الهمة يملا العين ويرجف القلب رأيته مرات.." (الورقة: ٢٢٥ من مجلد أيا صوفيا ذي الرقم ٣٠١٤) .
(٢) تاريخ الاسلام للذهبي، الورقة: ٢٠٥ من المجلد المذكور.
(٣) البرزالي: المقتفي لتاريخ أبي شامة (حوادث سنة ٦٩٠) من نسختي المصورة عن أحمد الثالث ٢٩٥١، وتاريخ الاسلام للذهبي: ٢٠٧ ٢٠٥ من المجلد المذكور، والبداية لابن كثير: ١٣ / ٣٢١.
[ ١ / ١٢ ]
من علوم العربية هي السمة البارزة لهذا العصر، فأنتجت هذه الحركة أكلها في القرن الثامن الهجري الذي تبوأت فيه دمشق السيادة العلمية والفكرية في جميع أنحاء العالم الاسلامي بما أنتجت من تراث فكري، وأنجبت من علماء بارزين في هذه الميادين.
لكننا لاحظنا، ونحن نرصد هذه الحركة تباينا شديدا في قيمة الانتاج الفكري لهذه الفترة وأصالته، فوجدنا الكثير من المؤلفات الهزيلة التي لم تكن غير تكرار لما هو موجود في بطون الكتب السابقة، ثم وجدنا بعض المؤلفات التي امتازت بالاصالة والابداع والمناهج العلمية المتميزة. وقد زاد من صعوبة الابداع وخاصة في العلوم الدينية أن الواحد من العلماء كان يجد أمامه تراثا ضخما ممتدا عبر القرون في الموضوع الذي يوم التأليف فيه، وهو في وضعه هذا يختلف عن المؤلفين الاولين الذي لم يجابهوا مثل هذا التراث الغزير (١) .
في هذه البيئة السياسية والفكرية ولد الحافظ جمال الدين أبو الحجاج يوسف ابن الزكي عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يُوسُف بْن علي بن عبد الملك بن علي بن أَبي الزهر الكلبي القضاعي المزي في ليلة العاشر من شهر ربيع الآخر سنة (٦٥٤) بظاهر حلب (٢) من عائلة عربية الاصل ترجع إلى قبيلة كلب القضاعية التي استوطنت البلاد الشامية منذ فترة مبكرة.
وانتقل جماد الدين إلى دمشق، فسكن المزة (٣) القرية الكبيرة الغناء الواقعة في وسط بساتين دمشق جنوب غربيها والظاهر أن الكلبيين كانوا يكونون القسم الاكبر من سكانها منذ العهود الاسلامية الاولى،
_________________
(١) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه: ٧٥ فما بعد (القاهرة: ١٩٧٦) .
(٢) الذهبي في معجم الشيوخ: ٢ / الورقة: ٩٠، وعيون التواريخ لابن شاكر، الورقة: ٥٩، وأعيان العصر للصفدي، الورقة: ١٢٣، وطبقات السبكي: ١٠ / ٤٠٠.
(٣) انظر عن"المزة"معجم البلدان لياقوت: ٤ / ٥٣٢.
[ ١ / ١٣ ]
لذلك قيل فيها: مزة كلب"، قال الشاعرابن قيس الرَّقِّيّات:
حبذا ليلتي بمزة كلب • غال عني بها الكوانين غول
وبها على ما يروى قبر الصحابي دحية بن خليفة بن فروة الكلبي القضاعي (١)، فلعل هذا هو الذي يفسر اختيار هذا المكان من دمشق سكنا له، إذ ربما كان له فيها بعض الاقرباء. ولا نعلم فيما إذا كان قدم دمشق وحده أم صحبة عائلته حيث تسكت المصادر عن ذلك، كما لا نعلم متى كان قدومه، ولكن يظهر أنه قدم منذ فترة مبكرة لقول تلميذه ورفيقه الإمام الذهبي: نشأ بالمزة" (٢) .
وقرأ يوسف القرآن الكريم وشيئا من الفقه، لكن عائلته على ما يظهر، لم تعتن به العناية الكافية ولم توجهه إلى طلب الحديث منذ فترة مبكرة كما فعلت عائلة رفيقه وتلميذه الإمام الذهبي (٣)، ويبدو أنها لم تكن عائلة مشهورة بالعلم والطلب، ولم يكن والده من العلماء المشهورين (٤)، فلم يكن له إلا أن يطلبه هو بنفسه حينما بلغ الحادية والعشرين من عُمَره، فكان أول سماعه في سنة (٦٧٥) (٥)، فلو كان له من يعتني به، ويستجيز له، ويوجهه، لادرك إسنادا عاليا، قال تلميذه
_________________
(١) معجم البلدان: ٤ / ٥٣٢، وراجع الاسيتعاب لابن عَبد الْبَرِّ: ٢ / ٤٦١.
(٢) تذكرة الحفاظ: ٤ / ١٤٩٨، ومعجم الشيوخ: ٢ / الورقة: ٩٠.
(٣) انظر كتابنا: الذهبي ومنهجه: ٨١ ٧٨. ووجدنا أخا الذهبي من الرضاعة أبا الحسن بن العطار"٧٢٤ ٦٥٤"يستجيز للذهبي جملة من مشايخ عصره في سنة مولده"الدرر لابن حجر: ٣ / ٤٢٦) . وقد انتفع الذهبي بهذه الاجازة انتفاعا شديدا (وراجع معجم شيوخ الذهبي: م ١ / الورقة: ٨ و١٢ و١٨ و٨٠ و٩٠ م ٢ / الورقة: ٦ و٣١ و٥٩ و٦٠ و٨٧ و٨٨ وغيرها) .
(٤) وصف الذهبي في معجم شيوخه والد المزي بأنه"الشيخ العالم المقرئ زكي الدين عبد الرحمن"، لكن الكتب المعنية بالقراء لم تترجم له! (٥) أعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٣، وتذكرة الحفاظ: ٤ / ١٤٩٨، ومعجم الشيوخ: ٢ / الورقة: ٩٠. وذكر الشيخ عبد الصمد شرف الدين في مقدمة تحفة الاشراف أن ذلك كان سنة ٦٧٤ (١ / ٢٢ من المقدمة) ولم نجد لذلك أصلا.
[ ١ / ١٤ ]
الصلاح الصفدي: ولم يتهيأ له السماع من ابن عبد الدائم (١) ولا الكرماني (٢) ولا ابن أَبي اليسر (٣) ونحوهم، ولا أجازوا له، مع إمكان أن تكون له إجازة المرسي (٤) والمنذري (٥) وخطيب مردا (٦) واليلداني (٧) وتلك الحلبة" (٨)، وَقَال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ولو كان له من يسمعه صغيرا، لسمع من ابن عبد الدائم والكرماني وغيرهما، ولكنه طلب بنفسه في أول سنه خمس وسبعين"٩.