كان أول سماعه الحديث على الشيخ المسند المعمر زين الدين أبي الْعَبَّاس أَحْمَد بْن أَبي الخير سلامة بن إبراهيم الدمشقي الحداد الحنبلي (٦٧٨ ٥٨٩)، فسمع أول ما سمع كتاب"الحلية"لابي نعيم ثم أكثر عنه (١٠)، قال إمام المؤرخين شمس الدين الذهبي: وقرأ عليه المزي شيخنا شيئا كثيرا، وسمع منه"حلية الاولياء"، ورثاه بابيات بعد موته، وسألته عنه، فقال: شيخ جليل متيقظ، عُمَر، وتفرد بالرواية عن كثير من مشايخه، وحدث سنين كثيرة وسمعنا منه الكثير، وكان سهلا
_________________
(١) زين الدين أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الدائم بن نعمة المقدسي الحنبلي مسند الشام"٦٦٨ ٥٧٥" (تاريخ الاسلام في سنة وفاته أيا صوفيا ٣٠١٣، والعبر: ٥ / ٢٨٨)
(٢) بدر الدين عُمَر بْن مُحَمَّد بْن أَبي سعد التاجر"٦٦٨ ٥٧٠.
(٣) مسند الشام تقي الدين أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أَبي اليسر شاكر التنوخي"٦٧٢ ٥٨٩" (تاريخ الاسلام، الورقة: ٩ (أيا صوفيا: ٣٠١٤)، والعبر: ٥ / ٢٩٩) .
(٤) شرف الدين أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن علي بْن مُحَمَّد بْن عَبد الله السلمي الاندلسي"٦٥٥ ٥٧٠" (تاريخ الاسلام في سنة وفاته أيا صوفيا: ٣٠١٣) .
(٥) زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي بن عَبد الله المنذري الشامي الاصل المِصْرِي"٦٥٦ ٥٨١" (ينظر كتابنا: المنذري وكتابه التكملة، النجف: ١٩٦٨) .
(٦) أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن إسماعيل بن أحمد المقدسي الحنبلي"٦٥٦ ٥٦٦" (تاريخ الاسلام، وفيات: ٦٥٦ من مجلد أيا صوفيا: ٣٠١٣) .
(٧) تقي الدين عبد الرحمن بن المنعم بن عبد الرحمن، من أهل يلدان (المعروفة اليوم بيدا في دمشق جنوب شرقيها""٦٥٥ ٥٦٨" (تاريخ الاسلام، وفيات سنة ٦٥٥ من مجلد أيا صوفيا: ٣٠١٣) .
(٨) أعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٣.
(٩) الدر لابن حجر: ٥ / ٢٣٣.
(١٠) تذكرة الحفاظ: ٤ / ١٤٩٨، والدرر: ٥ / ٢٣٣.
[ ١ / ١٥ ]
في الرواية" (١) . وكانت لأحمد هذا مكانة علمية رفيعة دللت عليها رواية جملة من ثقات العلماء عنه منهم: شرف الدين الدمياطي، وابن الحلوانية، وابن الخباز، وابن العطار، وشيخ الاسلام التقي ابن تيمية، والبرزالي، وطائفة سواهم، بل سمع منه ابن الحاجب الاميني بعرفات سنة (٦٢٠) وخرج له في معجمه (٢)، وعاش ابن سلامة هذا بعد ابن الحاجب ثمانية وأربعين عاما (٣) .
ومنذ ذلك الحين اتجهت همة المزي إلى سماع الحديث، فسمع من الجم الغفير، سمع عليهم الكتب الكبار الامهات مثل: الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، والمعجم الكبير لابي القاسم الطبراني، وتاريخ مدينة السلام بغداد للخطيب البغدادي، وكتاب النسب للزبير بن بكار، والسيرة لابن هشام، وموطأ الإمام مالك، والسنن الكبير، ودلائل النبوة كلاهما للبيهقي بحيث قال تلميذه الصلاح الصفدي: وأشياء يطول ذكرها، ومن الاجزاء ألوفا" (٤) . وذكروا أن مشيخته نحو الالف شيخ (٥)، أورد الذهبي الكثير منهم في تاريخ الاسلام، وكان يسأله عن أحوال بعضهم (٦) .
وتجول المزي في المدن الشامية، فسمع بالقدس الشريف، وحمص، وحماة، وبعلبك، وحج وسمع بالحرمين الشريفين. ورحل إلى البلاد المِصْرِية، فسمع بالقاهرة، والاسكندرية، وبلبيس، وكانت رحلته إليها في سنة (٦٨٣) (٧)، وكان بالاسكندرية في سنة (٦٨٤) حيث قرأ فيها على صدر الدين سحنون المتوفى سنة (٦٩٥) (٨) .
_________________
(١) تاريخ الاسلام، الورقة: ٥٩ (أيا صوفيا: ٣٠١٤) .
(٢) معجم شيوخ الذهبي: ١ / الورقة: ٦، وتاريخ الاسلام، الورقة: ٥٩ (أيا صوفيا: ٣٠١٤) .
(٣) لان ابن الحاجب توفي سنة ٦٣٠ كما هو معروف، وتوفي ابن سلامة سنة ٦٧٨.
(٤) أعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٣.
(٥) نفسه، والدرر: ٥ / ٢٣٣.
(٦) انظر مقلا تاريخ الاسلام، الورقة: ١٦١، ١٦٢، ١٤٧ (أيا صوفيا: ٣٠١٤) .
(٧) تذكرة الحفاظ: ٤ / ١٤٩٨.
(٨) تاريخ الاسلام، الورقة: ٢٤٧ (أيا صوفيا: ٣٠١٤) .
[ ١ / ١٦ ]
وقد ذكر الصلاح الصفدي طبقات شيوخه على الاختصار، وذكر أبرزهم، فقال: سمع من أصحاب ابن طَبَرْزَذَ، والكندي، وابن الحرستاني وحنبل، ثم ابن ملاعب، والرهاوي، وابن البناء، ثم ابن أَبي لقمة، وابن البن، وابن مكرم والقزويني. ثم ابن اللتي، وابن صباح، وابن الزبيدي.
وأعلى ما سمع بإجازة ابن كليب وابن بوش، والجمال، وخليل بن بدر، والبوصيري وأمثالهم. ثم المؤيد الطوسي، وزاهر الثقفي، وعبد المعز الهروي.
وسمع أبا العباس ابن سلامة، وابْنُ أَبي عُمَر، وابْنُ عَلانَ، والشيخ محيي الدين النووي، والزواوي، والكمال عَبد الرحيم، والعز الحراني، وابن الدرجي، والقاسم الاربلي، وابن الصابوني، والرشيد العامري، ومحمد بن القواس، والفخر ابن البخاري، وزينب، وابن شيبان، ومحمد بن محمد بن مناقب، وإسماعيل بن العسقلاني، والمجد ابن الخليلي، والعماد ابن الشيرازي، والمحيي ابن عصرون، وأبا بكر بن الانماطي، والصفي خليلا، وغازيا الحلاوي، والقطب ابن القسطلاني وطبقتهم. والدمياطي شرف الدين، والفاروثي، واليونيني، وابن بلبان، والشريشي، وابن دقيق العيد، والظاهري، والتقي الاسعردي وطبقتهم. وتنازل إلى طبقة سعد الدين الحارثي (١) وابن نفيس (٢) " (٣) .
وعني المزي بدراسة العربية، فأتقنها لغة وتصريفا، ففاق أقرانه في ذلك بحيث قال الصلاح الصفدي فيه: ولم أر في أشياخي بعد
_________________
(١) قاضي القضاة سعد الدين أبو محمد مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد الحارثي العراقي المِصْرِي الحنبلي"٧١١ ٦٥٢" (تذكرة الحفاظ: ٤ / ١٤٩٥) .
(٢) أبو الحسن علي بن مسعود ابن نفيس الموصلي"٧٠٤ ٦٣٦" (ذيل العبر للذهبي: ٢٦، والذيل لابن رجب: ٢ / ٣٥١) .
(٣) أعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٤ ١٢٣.
[ ١ / ١٧ ]
شيخنا أثير الدين في العربية مثله خصوصا في التصريف واللغة" (١)
وهذه شهادة عالم عارف نستبين قدرها إذا عرفنا مكانة أثير الدين أبي حيان الغرناطي أعظم علماء العربية في القرن الثامن الهجري غير مدافع (٢) . وقد عرف أبو حيان نفسه قدر المزي، فأغدق الثناء عليه، وعلى علمه الجم (٣) .
تأثره بالفكر السلفي
اتصل المزي اتصالا وثيقا بثلاثة من شيوخ ذلك العصر، وترافق معهم، وهم: شيخ الاسلام تقي الدين أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحليم المعروف بابن تيمية الحراني (٧٢٨ ٦٦١)، والمؤرخ المحدث علم الدين أبو محمد القاسم بن محمد البرزالي (٦٦٥ ٧٣٩)، ومؤرخ الاسلام شمس الدين أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن أحمد الذهبي (٧٤٨ ٦٧٣) (٤)، فكان المزي أكبرهم سنا، وكان بعضهم يقرأ على بعض فهم شيوخ وأقران في الوقت نفسه، وقرأ الثلاثة على المزي واعترفوا بأستاذيته، وافتخروا بها.
والظاهر أن المزي اتصل في شبيبته ببعض المتصوفة الغلاة. وكان التصوف منتشرا في البلاد انتشارا واسعا، وظهر بينهم كثير من المشعوذين الذين أثروا في العوام أيما تأثير (٥) وانجذب إليهم بعض الشباب، فاغتر المزي في شبيبته بهم، فصحب الشاعر (٦) الصوفي
_________________
(١) أعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٧.
(٢) راجع عنه كتاب العالمة الفاضلة الدكتورة خديجة الحديثي (أبو حيان النحوي بغداد: ١٩٦٧) .
(٣) وذلك في كتابه"القطر الحبي في جواب أسئلة الذهبي"، انظر كتابنا: الذهبي: ٣٢٩، والدرر: ٥ / ٢٣٤.
(٤) راجع كتابنا: الذهبي: ٩٩.
(٥) راجع مثلا تاريخ الاسلام، الورقة: ٧٥ (أيا صوفيا: ٣٠٠٧)، والورقة: ٣٦ (أيا صوفيا: ٣٠١٤) .
(٦) له ديوان شعر مشهور منه نسخة بدار الكتب الظاهرية بدمشق، وأخرى في الاسكوريال منها مصورة في خزانة كتب المجمع العلمي العراقي. وَقَال الذهبي: وله شعر في الطبقة العليا والذروة القصوى لكنه مشوب بالاتحاد في كثير من الاوقات"وأورد طائفة منه في تاريخ الاسلام (الورقة: ١٨٨ ١٨٦ أيا صوفيا: ٣٠١٤) .
[ ١ / ١٨ ]
عفيف الدين أبا الربيع سُلَيْمان بن علي التلمساني (١) (٦٩٠ ٦١٠) .
وكان العفيف هذا من غلاة الاتحادية القائلين بوحدة الوجود (٢) على قاعدة ابن عربي، ونسبه جماعة إلى رقة الدين، وتعاطي المحرمات (٣)، فلما تبين للمزي انحلال العفيف واتحاده، تبرأ منه، وحط عليه (٤) .
ولعل مفارقته للعفيف التلمساني واضرابه كانت نتيجة تأثره بالإمام تقي الدين ابن تيمية الذي أعجب به المزي أيما إعجاب، فكان أكثر رفاقه صلة ومحبة بالشيخ الإمام (٥) .
وكانت شخصية الإمام ابن تيمية قد اكتملت في نهاية القرن السابع الهجري، فأصبح مجتهدا له آراؤه الخاصة التي تقوم في أصلها على اتباع آثار السلف، ونتقية الدين من الخرافات، والمعتقدات الطارئة عليه، وابتدأ منذ سنة ٦٩٨ يدخل في خصومات عقائدية حادة مع علماء عصره المخالفين له (٦)، ويقيم الحدود بنفسه (٧)، ويحارب المشعوذين (٨)، ويمنع من تقديم النذور لغير الله (٩)، ويريق الخمور (١٠)، ونحو ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عَنِ المنكر.
وظهرت شخصية الإمام ابن تيمية السياسية في الحرب الغازانية سنة (٦٩٩) بعد هزيمة الجيوش المِصْرِية والشامية أمام غزو غازان سلطان المغول في موقعة الخزندار، فقد قابل ابن تيمية غازان وكلمه
_________________
(١) تذكرة الحفاظ: ٤ / ١٤٩٩، وأعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٤.
(٢) تاريخ الاسلام، الورقة: ١٨٦ (أيا صوفيا: ٣٠١٤) .
(٣) البداية والنهاية: ١٣ / ٣٢٦، وشذرات الذهب: ٥ / ٤١٢، وتاريخ الاسلام، الورقة: ١٨٦ (أيا صوفيا: ٣٠١٤) .
(٤) تذكرة الحفاظ: ٤ / ١٤٩٩.
(٥) انظر أقوال المزي في ابن تيمية بكتاب"الرد الوافر"لابن ناصر الدين"١٣٠ ١٢٨.
(٦) البداية: ١٤ / ٢٧، والدرر: ٥ / ٢٣٤.
(٧) البداية: ١٤ / ١٩.
(٨) الوافي بالوفيات: ٥ / ١٨، والبداية: ١٤ / ٣٣ وفتواه في الصوفية والفقراء (القاهرة: ١٣٤٨ هـ)
(٩) البداية: ١٤ / ٣٤.
(١٠) نفسه: ١٤ / ١١.
[ ١ / ١٩ ]
كلاما شديدا، وعمل على ثبات البلاد حينما خلت من الجيوش القادرة على رد الغزو المدمر، فكان يدور على الاسوار يحرض الناس على الصبر والقتال، ويتلو عليهم آيات الجهادو الرباط، وأقام معسكرات التدريب في كل مكان ومنها المدارس، فكان المحدثون والفقهاء يتعلمون الرمي، ويستعدون لقتال العدو (١) . ثم سافر إلى مصر يحض الدولة والناس على القتال حتى تمكن في سنة (٧٠٢) من رص الصفوف، وتوحيد القلوب، وتحديد الهدف مما أدى إلى الانتصار الكبير في وقعة"شقحب"التي شارك الإمام ابن تيمية في القتال فيها يصحبه طلبة العلم من المحدثين والفقهاء والصالحين، وكان يحرض الجيش والمطوعة في ساحة القتال على البلاء ويبشرهم بالنصر (٢)، قال ابن كثير: وجعل يحلف بالله الذي لا إله إلا هو"إنكم منصورون عليهم هذه المرة، فيقول له الامراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم وأفطر هو أيضا" (٣) .
أقول: إن هذه الشخصية العظيمة جذبت المزي إليها، فأعجب المزي بابن تيمية الاعجاب كله، وترافق معه طيلة حياته، قال الذهبي: ترافق هو وابن تيمية كثيرا في سماع الحديث، وفي النظر في العلم، وكان يقرر طريقة السلف في السنة، ويعضد ذلك بمباحث نظرية وقواعد كلامية..وما وراء ذلك بحمدالله إلا حسن إسلام وحسبة لله مع أني لم أعلمه ألف في ذلك شيئا" (٤)، وَقَال التاج السبكي: واعلم أن هذه الرفقة أعني المزي والذهبي والبرزالي وكثيرا من أتباعهم، أضر بهم أبو العباس ابن تيمية إضرارا بينا،
_________________
(١) انظر تاريخ الاسلام، الورقة: ٣٣٤ فما بعد (أيا صوفيا: ٣٠١٤)، والبداية: ١٤ / ١٢ ٦.
(٢) أعيان العصر: ٨ / ٧ ١ من نسختي المصورة عن أيا صوفيا: ٢٩٦٨.
(٣) البداية: ١٤ / ٢٦.
(٤) تذكرة الحفاظ: ٤ / ١٤٩٩.
[ ١ / ٢٠ ]
وحملهم من عظائم الامور أمرا ليس هينا، وجرهم إلى ما كان التباعد عنه أولى بهم، وأوقعهم في دكادك من نار المرجو من الله أن يتجاوزها لهم ولاصحابهم" (١) . وهذه النصوص تشير إلى قدم هذه العلاقة التي ابتدأت منذ أيام الطلب، وأخذت تنمو على مرور الايام، فتزيد متانة وصلابة.
وهكذا تكون فكر الحافظ المزي، فهو شافعي المذهب، سلفي العقيدة، أخلص الاخلاص كله لرفيقه ابن تيمية وآرائه التجديدية، وجعله مثله الاعلى، ويظهر ذلك جليا من دراسة سيرتيهما، فقد أوذي المزي بسبب ذلك: أوذي مرة، واختفى مدة من أجل تحديثه بتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٢)، وأوذي ثانية في رجب من سنة (٧٠٥) حينما تناظر ابن تيمية مع الاشاعرة عند نائب السلطنة الافرم، وقرئت عقيدة ابن تيمية الواسطية وحصل البحث في أماكن منها، ثم اضطر المناظرون له إلى قبولها بعد أن أفحمهم شيخ الاسلام، فقعد المزي عندئذ تحت قبة النسر بجامع دمشق، وقرأ فصلا بالرد على الجهمية من كتاب"أفعال العباد"للامام البخاري بعد قراءة ميعاد البخاري، فغضب بعض الفقهاء الشافعية الحاضرون، وَقَالوا: نحن المقصودون بذلك، وشكوه إلى القاضي الشافعي نجم الدين أحمد بن صصرى، وكان عدوا للشيخ ابن تيمية، فسجن المزي، فبلغ الشيخ تقي الدين ذلك
_________________
(١) الطبقات: ١٠ / ٤٠٠ وهذا الكلام جزء من كلامه في هؤلاء الرفقة من الأئمة الاعلام ولاسيما في شيخه الذهبي بحيث قال فيه: والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه وعدم اعتبار قوله، ولم يكن يستجري أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يعاب عليه" (الطبقات: ٢ / ١٤ ١٣)، قال ذلك وشحن كتابه الطبقات من كتب الذهبي إذ كان معتمده الرئيس! وكان السبكي أشعريا جلدا بحيث قال فيه عز الدين الكناني"ت ٨١٩": هو رجل قليل الادب، عديم الانصاف جاهل بأهل السنة ورتبهم" (الاعلان للسخاوي: ٤٦٩ فما بعد، ومعجم الشافعية لابن عبد الهادي، الورقة: ٤٨ ٤٧ (الظاهرية)، وانظر مناقشتنا لاقواله في الفصل الذي كتبناه عن"النقد"عند الذهبي من كتابنا: الذهبي ومنهجه، وخاصة: ٤٥٨ فما بعد) .
(٢) أعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٤.
[ ١ / ٢١ ]
فتألم لحبس المزي، وذهب إلى السجن، وأخرجه بنفسه، ولم يحفل بالسلطة، وراح إلى القصر، فوجد القاضي ابن صصري هناك، فتقاولا بسبب المزي، فحلف ابن صصرى لا بد أن يعيده إلى السجن وإلا عزل نفسه، وكان الافرم غائبا عن دمشق ذلك اليوم، فأمر نائبه بإعادته تطييبا لقلب القاضي، فحبسه عنده أياما ثم أطلقه (١) .
وكان ابن تيمية كثير الاعتماد على المزي وعلمه ومعرفته، فحينما خرج من سجنه بمصر سنة (٧٠٩) بعد عودة السلطان محمد بن قلاوون وجلس في القاهرة ينشر علمه، احتاج إلى بعض كتبه التي بالشام، فكتب إلى أهله كتابا يطلب جملة من كتب العلم التي له، وطلب منهم أن يستعينوا على ذلك، بجمال الدين المزي"فانه يدري كيف يستخرج له ما يريده من الكتب التي أشار إليها" (٢) . وحينما ولي المزي أكبر دار حديث بدمشق هي دار الحديث الاشرفية سنة (٧١٨) فرح ابن تيمية فرحا عظيما بذلك وَقَال: لم يل هذه المدرسة من حين بنائها إلى الآن أحق بشرط الواقف منه" (٣) . وقد وليها عظماء العلماء المحدثين منهم: تقي الدين ابن الصلاح (٦٤٣ ٥٧٧)، وابن الحرستاني (٦٦٢ ٥٧٧)، وأبو شامة (٦٦٥ ٥٩٩) ومحيي الدين النووي (٦٧٦ ٦٣١) وغيرهم، فقد اعتمد ابن تيمية قول الواقف: ان اجتمع من فيه الرواية ومن فيه الدراية قدم من فيه الرواية" (٤) ففضله ابن تيمية بذلك على جميع المتقدمين في الرواية.
ولما توفي شيخ الاسلام ابن تيمية مسجونا بقلعة دمشق، لم يسمح لاحد بالدخول أول الامر إلا لخواص أصحابه، قال ابن كثير:
_________________
(١) البداية: ١٤ / ٣٧، وأعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٤، والدرر: ٥ / ٢٣٤، والدارس للنعيمي: ١ / ٩٨ ٩٧، والبدر الطالع: ١٤ / ٦٦، ٢ / ٣٥٣.
(٢) البداية: ١٤ / ٥٥ ٥٤.
(٣) أعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٤، والدارس: ١ / ٣٥.
(٤) أعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٤.
[ ١ / ٢٢ ]
"وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي ﵀ وكشفت عن وجه الشيخ، ونظرت إليه وقبلته..ثم شرعوا في غسل الشيخ، وخرجت إلى مسجد هناك، ولم يدعوا عنده إلا من ساعد في غسله، منهم شيخنا الحافظ المزي، وجماعة من كبار الصالحين الاخيار أهل العلم، والايمان" (١) . ولما مات المزي بعد ذلك بأربعة عشر عاما، دفن غربي قبر رفيقه وصديقه ابن تيمية (٢) ﵄.
وظل الشيخ بعد وفاة ابن تيمية مؤمنا بهذه العقيدة، ولم يفتر عن دوام الايمان بها، فنجده مدافعا منافحا عن عقيدة الاسلام الصحيحة محاربا الخارجين المارقين عنها، فيشاهده الناس فِي ذي القعدة من سنة (٧٤١) وهو في الثامنة والثمانين من العُمَر يحضر المجلس بدار العدل مع رفيقه في العقيدة الإمام الذهبي عند محاكمة عثمان الدكالي، أحد المارقين عن الاسلام، قال ابن كثير: وتكلما، وحرضا في القضية جدا، وشهدا بزندقة المذكور بالاستفاضة وكذا الشيخ زين الدين أخو الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وخرج القضاة الثلاثة المالكي والحنفي والحنبلي وهو نفذوا حكمه في المجلس، فحضروا قتل المذكور، وكنت مباشرا لجميع ذلك من أوله إلى آخره" (٣) . ولم يكن الشافعية الاشاعرة، ومنهم قاضيهم تقي الدين السبكي، قد وافقوا على محاكمة هذا الرجل، قال ابن حجر في ترجمة الدكالي هذا: كان من الخانقاه السميساطية فدعا طائفة إلى مقالات الباجريقي، فشاع أمره، فأمسك، وقامت عليه البينة بالامور المنكرة فحبس، ثم حضر المزي والذهبي، فشهدا عليه بالاستفاضة بما نسب إليه، فحكم القاضي شرف الدين المالكي بإراقة دمه، ولم يكن ذلك
_________________
(١) البداية: ١٤ / ١٣٨.
(٢) البداية: ١٤ / ١٩٢.
(٣) البداية: ١٤ / ١٩٠.
[ ١ / ٢٣ ]
رأي النائب ألطنبغا ولا التقي السبكي" (١) .