الشَّيْبَانِيّ الْحَافِظ المعروف بالأخرم (١)، ومنصور بْن إِسْمَاعِيل الفقيه المِصْرِي، وأَبُو عوانة يعقوب بْن إسحاق الإسفراييني، ويَعْقُوب بْن المبارك المِصْرِي، وأَبُو الْقَاسِم يُوسُف بْن يَعْقُوب السوسي.
قال أَبُو أَحْمَد بْن عَدِيّ الْحَافِظ: سمعت منصورا الفقيه وأَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سلامة الطحاوي يقولان: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ النَّسَائي إمام من أئمة المسلمين.
وَقَال أيضا: أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن سعد الباوردي، قال: ذكرت لقاسم المطرز أَبَا عَبْد الرَّحْمَنِ النَّسَائي، فَقَالَ: هو إمام، أو يستحق أن يكون إماما، أو كما قال.
وَقَال الحاكم أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحَافِظ: سمعت أَبَا علي الحسين بْن علي الْحَافِظ يَقُول: سألت أَبَا عَبْد الرَّحْمَنِ النَّسَائي، وكان من أئمة المسلمين: من تقول فِي بقية..فذكر كلاما.
وَقَال أيضا: أَخْبَرَنَا أَبُو علي الْحَافِظ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ النَّسَائي الإمام فِي الحديث بلا مدافعة.
وَقَال أيضا: سمعت أَبَا علي الْحَافِظ غير مرة يذكر أربعة من أئمة المسلمين رآهم، فيبدأ بأبي عَبْد الرَّحْمَنِ.
وَقَال فِي موضع آخر: سمعت أَبَا علي الْحَافِظ يَقُول: رأيت من أئمة الحديث أربعة فِي وطني وأسفاري، اثنان منهم بنيسابور: مُحَمَّد
_________________
(١) فات المزي هنا واحد من كبار الرواة عن النَّسَائي هو مسعود بن علي بن الفضل البجاني. قال ابن الفرضي: مسعود بن علي بن مروان من أهل بجانة يكنى أبا القاسم..ورحل حاجا فسمع بمصر من أحمد بن شعيب النَّسَائي (تاريخه، الترجمة: ٢١٤٦) . وَقَال عز الدين ابن الاثير في (البجاني) من"اللباب":..روى عَن أبي عَبْد الرحمن النَّسَائي السنن له، كذلك ضبطه الحافظ السلفي"وذكره معين الدين ابن نقطة في (البجاني) من إكمال الاكمال وَقَال: نقلته من خط السلفي ﵀" (نسخة الظاهرية) . وَقَال الذهبي في "المشتبه": البجاني بالتثقيل والفتح نسبة إلى بجانة بليدة بالاندلس منها: مسعود بن علي البجاني، حمل عن النَّسَائي كتاب السنن" (ص: ٥١ وانظر توضيح ابن ناصر الدين: ١ / الورقة: ٣٧) .
[ ١ / ٣٣٣ ]
ابن إسحاق وإبراهيم بْن أَبي طالب، وأَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ النَّسَائي بمصر، وعبدان بالأهواز.
وَقَال أيضا: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن الحارث يَقُول: سمعت مأمون (١) المِصْرِي الْحَافِظ يَقُول: خرجنا مع أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ إِلَى طرسوس سنة الفداء، فاجتمع جماعة من مشايخ الإسلام، واجتمع من الحفاظ: عَبد اللَّهِ بْن أَحْمَد بْن حنبل ومحمد بْن إِبْرَاهِيم مربع وأَبُو الآذان (٢) وكيلجة (٣) وغيرهم، فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ، فأجمعوا على أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ النَّسَائي فكتبوا كلهم بانتخابه.
وَقَال أيضا: سمعت أَبَا الحسين مُحَمَّد بْن المظفر الْحَافِظ يَقُول: سمعت مشايخنا بمصر يعترفون لأبي عَبْد الرَّحْمَنِ النَّسَائي بالتقدم والإمامة، ويصفون من اجتهاده فِي العبادة بالليل والنهار ومواظبته على الحج والاجتهاد، وأنه خرج إِلَى الفداء مع والي مصر فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة فِي فداء المسلمين والمشركين واحترازه عَنْ مجالسة السلطان الذي خرج معه والانبساط بالمأكول والمشروب فِي رحله، وأنه لم يزل ذلك دأبه إِلَى أن استشهد ﵁ بدمشق من جهة الخوارج.
وَقَال أيضا: سمعت علي بْن عُمَر الْحَافِظ غير مرة يَقُول: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره.
وَقَال أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ مُحَمَّد بْن الحسين السلمي الصوفي: سألت أَبَا الْحَسَن علي بْن عُمَر الدَّارَقُطْنِيّ الْحَافِظ، فقلت: إذا حدث مُحَمَّد بْن إسحاق بْن خزيمة وأَحْمَد بْن شعيب النَّسَائي حديثا من تقدم
_________________
(١) في حواشي النسخ في قول المؤلف: هو أبو القاسم الحسين بن مُحَمَّد بن داود.
(٢) في حواشي النسخ قول للمؤلف نصه: أبو الآذان اسمه عُمَر بن إبراهيم.
(٣) في حواشي النسخ أيضا: وكيلجة اسمه مُحَمَّد بن صالح بن عبد الرحمن".
[ ١ / ٣٣٤ ]
منهما؟ قال: النَّسَائي لأنه أسند، على أني لا أقدم على النَّسَائي أحدا وإن كَانَ ابْن خزيمة إماما ثبتا معدوم النظير.
قال: وَقَال: سمعت أَبَا طالب (١) الْحَافِظ يَقُول: من يصبر على
ما يصبر عَلَيْهِ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ النَّسَائي، كَانَ عنده حديث ابْن لَهِيعَة ترجمة ترجمة فما حدث بِهَا، وكان لا يرى أن يحدث بحديث ابْن لَهِيعَة.
وَقَال حمزة بْن يُوسُف السهمي: وسئل يعني الدَّارَقُطْنِيّ إذا حدث أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ النَّسَائي وابن خزيمة بحديث أيما تقدمه؟ فَقَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَن، فإنه لم يكن مثله ولا أقدم عَلَيْهِ أحدا، ولم يكن فِي الورع مثله لم يحدث بما حدث ابْن لَهِيعَة وكان عنده عاليا عَنْ قتيبة.
وَقَال أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي أيضا: سمعت أَبَا الْحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ يَقُول: سمعت أَبَا إسحاق إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد المعدل النسوي بمصر يَقُول: سمعت أَبَا بَكْر بْن الحداد وذكره بالفضل والدين والاجتهاد قال: أخذت نفسي بما رواه الربيع عَنِ الشافعي أنه كَانَ يختم فِي شهر رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ فِي الصلاة وفي غير رمضان ثلاثين ختمة، فأما فِي شهر رمضان فلم أقدر على تمام الستين، وأكثر ما قدرت عَلَيْهِ تسعة وخمسين ختمة وأتيت فِي غير (٢) رمضان بثلاثين ختمة. قال الدَّارَقُطْنِيّ: وكان ابْن الحداد كثير الحديث ولم يحدث عَنْ أحد غير أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ النَّسَائي فقط، وَقَال: رضيت به حجة بيني وبين الله.
وَقَال أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن يَعْقُوب بْن المأمون الهاشمي: كنت يوما فِي دهليز الدار التي كَانَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ يسكنها في زقاق
_________________
(١) في حواشي النسخ قول للمؤلف: اسمه أحمد بن نصر.
(٢) ليس في "د"ولا يستقيم المعنى بغيرها.
[ ١ / ٣٣٥ ]
القناديل ومعي جماعة ننتظره لينزل ويمضي إِلَى الجامع ليقرأ علينا حديث الزُّهْرِيّ، فَقَالَ بعض من حضر: ما أظن أَبَا عَبْد الرَّحْمَنِ إلا يشرب النبيذ للنضرة التي فِي وجهه والدم الظاهر مع السن! وَقَال آخرون: ليت شعرنا ما يَقُول فِي إتيان النساء فِي أدبارهن؟ فقلت: أنا أسأله عَنِ الأمرين وأخبركم، فلما ركب مشيت إِلَى جانب حماره، وقلت لَهُ: تمارى بعض من حضر فِي مذهبك فِي النبيذ، فَقَالَ: مذهبي أنه حرام لحديث أَبِي سَلَمَة عَنْ عائشة"كل شراب أسكر فهو حرام" (١) فلا يحل لأحد أن يشرب منه قليلا ولا كثيرا. قلت: فما الصحيح من الحديث فِي إتيان النساء فِي أدبارهن؟ فَقَالَ: لا يصح عَنِ النَّبِيّ ﷺ فِي إباحته ولا تحريمه شيء (٢)، ولكن مُحَمَّد بْن كعب القرظي حدث عن
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ٣ / ٥٦ في الاشربة، وأحمد ٦ / ٣٦ و٩٦، ٩٧ و١٩٠ و٢٢٥، ٢٢٦، والبخاري ١ / ٣٠٥ في الوضوء: باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ والمسكر و١٠ / ٣٥ في الاشربة، باب الخمر من العسل، ومسلم (٢٠٠١) في الاشربة"باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، وأبو داود (٣٦٨٢) في الاشربة: باب النهي عن المسكر، والنَّسَائي ٨ / ٢٩٧، ٢٩٨ في الاشربة: باب تحريم كل شراب أسكر، وابن ماجة (٣٣٨٦) في الاشربة: باب كل مسكر حرام من طرق عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيّ، عَن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن البتع، فقال: كل شراب أسكر فهو حرام" (ش) .
(٢) بل قد ثبت في غير ما حديث عنه ﷺ النهي عن إتيان الرجل زوجته في دبرها، فقد أخرج البخاري في "صحيحه"٨ / ١٤٣ في التفسير: باب نساؤكم حرث لكم، ومسلم (١٤٣٥) في النكاح: باب جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها ومن ورائها من غير تعرض للدبر، من حديث جابر بن عَبد الله قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل المرأة من دبرها في قبلها كان الولد أحول، فنزلت: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ وفي رواية لمسلم: إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية، غير أن ذلك في صمام واحد"والمجبية: المنكبة على وجهها، والصمام الواحد: الفرج وهو موضع الحرث والولد. وأخرج الإمام أحمد ٢ / ٤٠٨ و٤٧٦ وأبو داود (٣٩٠٤)، والدارمي ١ / ٢٥٩، والتِّرْمِذِيّ (١٣٥) من حديث أبي هُرَيْرة أن رسول الله ﷺ قال: من أتى كاهنا فصدقة فيما يقول، أو أتى امرأته في دبرها فقد كفر بما انزل على محمد"، وسنده قوي. وأخرج أحمد ٢ / ٢٧٢ و٣٤٤، وابن ماجة (١٩٢٣) من حديث أبي هُرَيْرة عن النبي ﷺ قال: لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها"وصححه البوصيري في "الزوائد"وله شاهد بسند حسن من حديث ابن عباس عند التِّرْمِذِيّ، وصححه ابن حبان (١٣٠٢) . وأخرج أحمد ٢ / ٤٤٤ و٤٧٩، وأبو داود (٢١٦٢) من حديث أبي هُرَيْرة مرفوعا"ملعون من أتى امرأته في دبرها"وسنده حسن، وله شاهد يتقوى به عند الطبراني في "الاوسط"كما في "المجمع"٤ / ٢٩٩ من حديث عقبة بن عامر.
[ ١ / ٣٣٦ ]
جدك ابْن عَبَّاس"اسق حرثك من حيث شئت"فلا ينبغي لأحد أن يتجاوز قوله (١) .
قال: وكان أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ يؤثر لباس البرود النوبية الخضر ويقول: هذا عوض من النظر (٢) إِلَى الخضرة من النبات فيما يراد لقوة البصر.
وكان يكثر الجماع مع صوم يوم وإفطار يوم، وكان لَهُ أربع زوجات يقسم لهن، ولا يخلو مع ذلك من جارية واثنتين يشتري الواحدة بالمئة ونحوها ويقسم لها كما يقسم للحرائر. وكان قوته فِي كل يوم رطل (٣) خبز جيد يؤخذ لَهُ من سويقة العرافين لا يأكل غيره كَانَ صائما أو مفطرا. وكان يكثر أكل الديوك الكبار، تشترى لَهُ، وتسمن ثم تذبح فيأكلها، ويذكر أن ذلك ينفعه في باب الجماع.
_________________
(١) وأخرج التِّرْمِذِيّ (١١٦٤) في الرضاع والدارمي ١ / ٢٦٠ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تأتوا النساء في أعجازهن، فإن الله لا يستحي من الحق"وحسنه التِّرْمِذِيّ، وصححه ابن حبان، وله شاهد من حديث خزيمة بن ثابت"أخرجه الشافعي ٢ / ٣٦٠، والطحاوي ٢ / ٢٥ وسنده صحيح، وصححه ابن حبان (١٢٩٩)، وابن الملقن في "خلاصة البدر المنير"ووصفه الحافظ في "الفتح"٨ / ١٤٢ بأنه من الاحاديث الصالحة الإسناد. وأخرج الإمام أحمد برقم (٦٧٠٦) و(٦٩٦٧) من طريق عَمْرو بْن شعيب، عَن أَبِيهِ، عَنْ جده، أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قال: هي اللوطية الصغرى"يعني الرجل يأتي امرأته في دبرها وسنده حسن. وأخرج الطبري ٢ / ٢٣٤، وأحمد (٦٩٦٨)، والبيهقي ٧ / ١٩٩ عن قتادة قال: حدثني عقبة بن وساج، عَن أبي الدرداء قال في إتيان المرأة في دبرها: وهل يفعل ذلك إلا كافر. وسنده صحيح. وأخرج الإمام أحمد ١ / ٢٩٧، والتِّرْمِذِيّ (٢٩٨٤) بسند حسن عن ابن عباس قال: جاء عُمَر بن الخطاب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت فقال: وما الذي أهلكك؟ قال: حولت رحلي البارحة، قال: فلم يرد عليه شيئا، فأوحى الله إلى رسوله: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ أقبل وأدبر، وأتق الحيضة والدبر" (ش) .
(٢) قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ": ثبت نهي المصطفى ﷺ عن أدبار النساء ولى فيه مصنف" (٢ / ٦٩٩) . قال بشار: وكتابه هذا ذكره تلميذه الصلاح الصفدي"الوافي": ٢ / ١٦٤ و"نكت الهميان": ٢٤٣) وابن شاكر الكتبي"فوات الوفيات": ٢ / ١٨٣ و(عيون التواريخ، الورقة: ٨٦) والزركشي (عقود الجمان، الورقة: ٧٩) وابن تغري بردى (المنهل الصافي، الورقة: ٧٠) وذكروا انه في جزءين.
(٣) في "م": (النظرة) ولعله من سبق قلم ابن المندس.
(٤) الرطل: بفتح الراء وكسرها كما في معجمات اللغة.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وسمعت قوما ينكرون عَلَيْهِ كتاب"الخصائص"لعلي ﵁ وتركه لتصنيف فضائل أَبِي بَكْر وعُمَر وعثمان ﵃، ولم يكن فِي ذلك الوقت صنفها، فحكيت لَهُ ما سمعت، فَقَالَ: دخلنا إِلَى دمشق والمنحرف عَنْ علي بِهَا كثير، فصنفت كتاب"الخصائص"رجاء أن يهديهم الله. ثم صنف بعد ذلك فضائل أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ، وقرأها على الناس، وقيل لَهُ وأنا حاضر: ألا تخرج فضائل معاوية؟ فَقَالَ: أي شيء أخرج؟ ! "اللهم لا تشبع بطنه"! (١) وسكت وسكت السائل.
وَقَال أَبُو بَكْر بْن المأمون أيضا: سمعت أَبَا بَكْر (٢) ابن الإمام الدمياطي يَقُول لأبي عَبْد الرَّحْمَنِ النَّسَائي: ولدت فِي سنة أربع عشرة يعني ومئتين ففي أي سنة ولدت يا أَبَا عَبْد الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ. يشبه أن يكون في سنة خمس عشرة ومئتين، لأن رحلتي الأولى إِلَى قتيبة كانت في سنة ثلاثين ومئتين، أقمت عنده سنة وشهرين.
وَقَال الحاكم أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحَافِظ: سمعت علي بْن عُمَر (٣) يَقُول: كَانَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ النَّسَائي أفقه مشايخ مصر فِي عصره، وأعرفهم بالصحيح والسقيم من الآثار، وأعلمهم بالرجال، فلما بلغ
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢٦٠٤) في البر والصلة: باب من لعنه النَّبِيُّ ﷺ أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك كان له زكاة وأجرا ورحمة، من طريق شُعْبَةُ، عَن أَبِي حَمْزَةَ الْقَصَّابِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فتواريت خلف باب، قال: فَجَاءَ فَحَطَأنِي حَطْأَةً، وَقَال اذْهَبْ: وادع لي معاوية، قال: فجئت، فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: اذهب فادع لي معاوية، قال فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: لاأشبع الله بطنه"، وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٢٧٤٦) من طريق هشام وأبي عوانة، عَن أبي حمزة القصاب، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعث إلى معاوية ليكتب له، فقال: إنه يأكل، ثم بعث إليه فقال: إنه يأكل، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا أشبع الله بطنه"، وهو في "المسند"١ / ٢٤٠، ٢٩١، ٣٣٥، ٣٣٨، من طريق شعبة وأبي عوانة، عَن أبي حمزة به، دون قوله: لاأشبع الله بطنه، وزاد في رواية، وكان كاتبه (ش) .
(٢) في حواشي النسخ من قول المؤلف: هو محمد بن جعفر بن محمد البغدادي نزيل دمياط.
(٣) يعني الدارقطني.
[ ١ / ٣٣٨ ]
هذا المبلغ حسدوه فخرج إِلَى الرملة، فسئل عَنْ فضائل معاوية، فأمسك عَنْهُ، فضربوه فِي الجامع. فَقَالَ: أخرجوني إِلَى مكة، فأخرجوه إِلَى مكة وهو عليل، وتوفي بِهَا مقتولا شهيدا.
قال الحاكم أَبُو عَبْد اللَّهِ: ومع ما جمع أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ من الفضائل رزق الشهادة فِي آخر عُمَره، فحدثني مُحَمَّد بْن إسحاق الأصبهاني، قال: سمعت مشايخنا بمصر يذكرون أن أَبَا عَبْد الرَّحْمَنِ فارق مصر فِي آخر عُمَره، وخرج إِلَى دمشق، فسئل بِهَا عَنْ معاوية بْن أَبي سفيان وما روي من فضائله، فَقَالَ: ألا يرضى معاوية رأسا برأس حَتَّى يفضل؟ ! فما زالوا يدفعون فِي حضنيه (١) حَتَّى أخرج من المسجد ثم حمل إِلَى مكة ومات بِهَا سنة ثلاث وثلاث مئة وهو مدفون بمكة.
قال الْحَافِظ أبو القاسم (٢): وهذه الحكاية لاتدل على سوء اعتقاد أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ فِي معاوية بْن أَبي سفيان، وإنما تدل على الكف فِي (٣) ذكره بكل حال.
ثم روى بإسناده عَن أَبِي الْحَسَن علي بْن مُحَمَّد القابسي، قال: سمعت أَبَا علي الْحَسَن بْن أَبي هلال يَقُول: سئل أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ النَّسَائي عَنْ معاوية بْن أَبي سفيان صاحب رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إنما الإسلام كدار لها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام، كمن نقر الباب إنما يريد دخول الدار، قال: فمن
_________________
(١) في حواشي النسخ قول للمولف: يعني في جنبيه"قال بشار: وفي معجمات اللغة: ما دون الابط إلى الكشح. وفي"تذكرة الحفاظ"للذهبي (٢ / ٧٠٠): خصييه. وفي الوافي للصفدي (٦ / ٤١٧): خصيتيه، وذكر المحقق أنها بغير إعجام في أصل المخطوط. في طبقات السبكي (٣ / ١٦) وشذرات ابن العماد (٢ / ٢٤٠): خصيتيه. والظاهر أن المحققين أبدلوها لانها وردت بغير إعجام كما أشاروا في التعليق. وَقَال ابن خلكان في "الوفياتآ ١ / ٧٧: فما زالوا يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد. وفي رواية أخرى: يدفعون في خصيبه وداسوه.
(٢) يعني ابن عساكر حافظ الشام.
(٣) في "د": عن.
[ ١ / ٣٣٩ ]
أراد معاوية فإنما أراد الصحابة (١) .
قال أَبُو سَعِيد بْن يونس: قدم مصر قديما وكتب بِهَا وكتب عَنْهُ، وكان إماما فِي الحديث ثقة ثبتا حافظا، وكان خروجه من مصر فِي ذي القعدة سنة اثنتين وثلاث مئة. توفي بفلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاث مئة. وكذا قال أَبُو جَعْفَر الطحاوي: إنه مات فِي صفر سنة ثلاث وثلاث مئة بفلسطين.
وقيل: إنه مات بالرملة (٢) ودفن ببيت المقدس (٢) .
٤٩- خ د تم: أَحْمَد بن صَالِح المِصْرِي، أبو جعفر الحافظ
_________________
(١) وَقَال الحافظ أبو يَعْلَى الخليلي في كتاب"الارشاد": حافظ متقن، أقام بمصر وعُمَر. رضيه الحفاظ، وكتابه يضاف إلى كتاب البخاري ومسلم وأبي داود..ونقم عليه كلامه في أحمد بن صالح..اتفقوا على حفظه واتقانه" (الورقة: ٥٨) . وَقَال ابن طاهر المقدسي: سألت سَعِيد بن علي الزنجاني عن رجل فوثقه، فقلت: ضعفه النَّسَائي، فقال: يا بني إن لابي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم. وَقَال الذهبي في ترجمة أحمد بن صالح المِصْرِي من الميزان (١ / ١٠٣): آذى النَّسَائي نفسه بكلامه فيه. وَقَال التاج السبكي: سمعت شيخنا أبا عَبد الله الذهبي الحافظ، وسألته: أيهما أحفظ: مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح، أو النَّسَائي؟ فقال: النَّسَائي. ثم ذكرت ذلك للشيخ الإمام الوالد تغمده الله برحمته، فوافق عليه، الطبقات: ٣ / ١٦.
(٢) قال تقي الدين الفاسي بعد أن أورده هذه الروايات: فيلخص من هذا أنه اختلف في وفاته وموضعها، فقيل: في صفر بفلسطين، قاله الطحاوي وابن يونس، وقيل في شعبان سنة ثلاث وثلاث مئة بمكة قاله الدارقطني"العقد الثمين": ٣ / ٤٦ ورجع الذهبي قول الطحاوي وابن يونس وصححه كما في تاريخ الاسلام (الورقة: ١٣ أحمد الثالث ٢٩١٧ / ٩) وتابعه في ذلك تلميذه الصلاح الصفدي في الوافي (٦ / ٤١٧) .
(٣) ذكر صاحب "الكمال" بعد ترجمة النَّسَائي ترجمة تخطاها المزي بسبب عدم وقوفه على من روى له من الستة، وهو: أحمد بن شيبان الرملي، أبو عبد المؤمن. سمع سفيان بن عُيَيْنَة، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أَبي رواد، ومؤمل بن إِسماعيل، وعبد الملك بن إبراهيم الجدي وغيرهم. روى عنه يوسف بن موسى المروزي. قال ابن أَبي حاتم: كتبنا عنه وهو صدوق. (الكمال: ١ / الورقة: ١٦٩) . وأورده ابن حجر في التهذيب وزاد عليه: وَقَال العقيلي في الضعفاء: لم يكن ممن يفهم الحديث وحدث بمناكير. وَقَال ابن حبان في الثقات: يخطئ. وَقَال صالح الطرابلسي: ثقة مأمون أخطأ في حديث واحد، انتهى. واسم جده الوليد بن حسان القيسي الراوي. ومن شيوخه محمد بن جعفر غندر. ومن الرواة عَنه: ابن خزيمة وابن الجارود ومحمد بن المنذر بن سَعِيد، وأبو العباس الاصم، وكانت وفاته سنة ٢٧٥. (تهذيب: ١ / ٣٩) . قال بشار: وذكره الذهبي في الميزان: (١ / ١٠٣) وَقَال فيه: صدوق. قيل: كان يخطئ، فالصدوق يخطئ. ووثقه ابن حبان.
[ ١ / ٣٤٠ ]
المعروف بابن الطبري.
كَانَ أبوه من أهل طبرستان من الجند. وكان أَبُو جَعْفَر أحد الحفاظ المبرزين والأئمة المذكورين.
رَوَى عَن: إِبْرَاهِيم بْن الحجاج (١) من أصحاب عَبْد الرَّزَّاقِ، وأسد بْن مُوسَى المِصْرِي (د)، وإسماعيل بْن أَبي أويس المدني (د)، وحرمي بْن عمارة بْن أَبي حفصة البَصْرِيّ، وخالد بْن نزار الأيلي، وسفيان بْن عُيَيْنَة (د)، وسلامة بْن روح الأيلي، وعبد الله بْن إِبْرَاهِيم بْن عُمَر بْن كيسان الصنعاني، وعبد اله بْن نَافِع الصائغ (د)، وعبد الله بْن وهب (خ د تم)، وعبد الرزاق بْن همام (د)، وعبد الملك بْن عَبْد الرَّحْمَنِ الذماري (د)، وعفان بْن مسلم الصفار البَصْرِيّ، وعنبسة بْن خالد الأيلي (خ د)، وأبي نعيم الفضل بْن دكين الكوفي، وقدامة بْن مُحَمَّد الخشرمي، ومحمد بْن إِسْمَاعِيل بْن أَبي فديك (د)، ويحيى بْن حسان التنيسي (د)، ويحيى بْن مُحَمَّد الجاري (د) .
رَوَى عَنه: البخاري، وأَبُو داود، وإبراهيم بْن عَمْرو بْن ثور الزوفي (٢)، وأَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الحجاج بْن رشدين بْن سعد، وأَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن نَافِع الطحان المِصْرِي، وإسماعيل بْن الْحَسَن الخفاف المِصْرِي، وإسماعيل بْن عَبد اللَّهِ الأصبهاني سمويه، وإسماعيل بْن مُحَمَّد بْن قيراط الدمشقي، وصالح بْن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ الْحَافِظ
_________________
(١) في حواشي النسخ قول للمؤلف يصحح فيه لصاحب "الكمال" نصه: كان فيه: إبراهيم بن الحجاج السامي. وقوله السامي وهم.
(٢) بفتح الزاي نسبة إلى زوف وهو بطن من مراد، وإبراهيم بن عَمْرو هذا من مواليهم فنسب إليهم، ذكره الذهبي في وفيات سنة ٣٠٣ من تاريخ الاسلام، قال: إبراهيم بن عَمْرو بن ثور بن عِمْران المرادي مولاهم المِصْرِي، أبو إسحاق. سمع يَحْيَى بن بكير وأحمد بن صالح وغيرهما، وعنه ابن يونس ووثقه وَقَال: كان يخضب وعمي. توفي في شعبان" (الورقة: ١٤ أحمد الثالث ٢٩١٧ / ٩) . وراجع أنساب السمعاني: ٦ / ٣٤٦.
[ ١ / ٣٤١ ]
المعروف بجزرة، والعباس بْن مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس البَصْرِيّ، وعبد الله بْن أَبي داود السجستاني وهو آخر من حدث عَنْهُ، وعبد الله بْن عبدويه النسفي، وأَبُو زُرْعَة عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَمْرو الدمشقي، وأَبُو زُرْعَة عُبَيد اللَّهِ بْن عبد الكريم الرازي، وعُبَيد بْن رجال (١) المِصْرِي، وعثمان بْن سَعِيد الدارمي، وعلي بْن الحسين بْن الجنيد الرازي، وعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ بْن عِمْران بْن أيوب بْن مقلاص الخزاعي المِصْرِي، وعُمَر بْن أَبي عُمَر العبدي البلخي، وعَمْرو بْن مُحَمَّد بْن بُكَيْر الناقد وهو من أقرانه، وأَبُو إِسْمَاعِيل مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ، ومحمد بْن عَبْد اللَّهِ بْن نمير الهمداني وهو من أقرانه، وأَبُو مُوسَى مُحَمَّد بْن المثنى وهو من أقرانه، ومحمد بْن مسلم بْن وارة الرازي، ومحمد بْن هارون بْن حسان البرقي، وأَبُو الأَحوص مُحَمَّد بْن الهيثم بْن حَمَّاد قاضي عكبرا، ومحمد بْن يحيى الذهلي، ومحمود بْن إِبْرَاهِيم بْن سميع الدمشقي، ومحمود بْن غيلان المروزي وهو من أقرانه، وموسى بْن سهل الرملي (د)، ويعقوب بْن سفيان الفارسي، ويوسف بْن مُوسَى المروذي (٢) .
وسمع منه النَّسَائي ولم يحدث عَنْهُ.
قال علي بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن المغيرة عَنْ مُحَمَّد بْن عَبد اللَّهِ بْن نمير: سمعت أَبَا نعيم الفضل بْن دكين يَقُول: ما قدم علينا أحد أعلم بحديث أهل الحجاز من هذا الفتى يريد أَحْمَد بْن صَالِح.
وَقَال أَبُو أَحْمَد بْن عَدِيّ: سمعت أَحْمَد بْن عاصم الأقرع بمصر
_________________
(١) قيده الذهبي في "المُشْتَبِه" بكسر الراء المهملة مخففا (ص: ٣٠٩) . وَقَال ابن ناصر الدين في توضيحه: هو عُبَيد بن محمد بن موسى أبو القاسم المؤذن البزاز، ورجال لقب ابيه محمد. وفي كتاب الالقاب لابي بكر الشيرازي أن رجالا لقب عُبَيد. توفي عُبَيد سنة أربع وثمانين ومئتين" (٢ / الورقة: ٢٤ من نسخة الظاهرية) .
(٢) نسبة إلى مرو الروذ ضبطها الذهبي في "المشتبه"ضبط القلم (ص: ٥٨٤) وَقَال ابن ناصر الدين: بفتح الميم وضم الراء المشددة وسكون الواو تليها ذال معجمة مكسورة نسبة إلى مرود الروذ وهي بلدة بجنب مرو الشاهجان. (٣ / الورقة: ٢٨) .
[ ١ / ٣٤٢ ]
يَقُول: سمعت أَبَا زرعة الدمشقي يَقُول: قدمت العراق فسألني أَحْمَد بْن حنبل: من خلفت بمصر؟ قلت: أَحْمَد بْن صَالِح. فسر بذكره، وذكر خيرا، ودعا الله لَهُ.
وَقَال أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن حمدون بْن خالد النَّيْسَابُورِيّ: سمعت أَبَا الْحَسَن علي بْن محمود الهروي يَقُول: قلت لأحمد بْن حنبل: من أعرف الناس بأحاديث ابْن شهاب، قال: أَحْمَد بْن صَالِح المِصْرِي، ومحمد بْن يحيى النَّيْسَابُورِيّ.
وَقَال أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ عَبد اللَّهِ بْن إسحاق النهاوندي الْحَافِظ: سمعت يَعْقُوب بْن سفيان يَقُول: كتبت عَنْ ألف شيخ وكسر كلهم ثقات ما أحد منهم أتخذه عند الله حجة إلا رجلين: أَحْمَد بْن صَالِح بمصر، وأَحْمَد بْن حنبل بالعراق (١) .
وقَال البُخارِيُّ: أَحْمَد بْن صَالِح ثقة صدوق ما رأيت أحدا يتكلم فيه بحجة، كَانَ أَحْمَد بْن حنبل وعلي وابن نمير وغيرهم يثبتون أَحْمَد بْن صَالِح، كَانَ يحيى يَقُول: سلوا أَحْمَد فإنه أثبت.
وَقَال الحاكم أَبُو عَبْد اللَّهِ: أَخْبَرَنِي أَبُو صَالِح خلف بْن مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل، قال: سمعت صَالِح بْن مُحَمَّد بْن حبيب يَقُول: قال أَحْمَد بْن صَالِح المِصْرِي: كَانَ عند ابن هب مئة ألف حديث كتبت عَنْهُ خمسين ألف حديث، قال: ولم يكن بمصر أحد يحسن الحديث ولا يحفظ غير أَحْمَد بْن صَالِح، كَانَ يعقل الحديث ويحسن أن يأخذ، وكان رجلا جامعا يعرف الفقه والحديث والنحو ويتكلم فِي حديث الثوري وشعبة وأهل العراق، وكان قدم العراق وكتب عَنْ عفان وهولاء، وكان يذاكر بحديث الزُّهْرِيّ ويحفظه.
_________________
(١) لم يرد هذا النص في المطبوع من (تاريخ) يعقوب، لكن محققه الفاضل وضعه في مستدركه نقلا من ميزان الذهبي (انظر تاريخ يعقوب المعروف بالمعرفة والتاريخ: ٣ / ٣٦٨) .
[ ١ / ٣٤٣ ]