احتل المزي مكانة عظيمة بين علماء القرن الثامن الهجري في الحديث وعلومه، وما يتصل بهما، وقامت شهرته على أعظم كتابين ألفهما في فنهما هما"تحفة الاشراف""وتهذيب الكمال.
ويعد كتاب"تحفة الاشراف بمعرفة الاطراف (٢) "من أعظم الكتب المؤلفة في أطراف الكتب الستة وبعض لواحقها، كان الغرض الاساس منه جمع أحاديث الكتب الستة وبعض لواحقها بطريق تسهل على القارئ معرفة أسانيدها المختلفة مجتمعة في موضع واحد. وقد رتبه على الأسانيد دون المتون، فصار معجما مرتبا على تراجم أسماء الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وفي بعض الاحيان أتباع أتباع التابعين فدونت جميع أحاديث الكتب الستة وبعض لواحقهما على هذه الأَسماء، فأصبح يتكون من (١٣٩٥) مسندا منها (٩٩٥) مسندا منسوبا إلى الصحابة بعد أن رتب أسماءهم على حروف المعجم، والباقية من المراسيل وعددها أربع مئة منسوبة إلى أئمة التابعين ومن بعدهم على حروف المعجم أيضا، وهو عمل هائل تعجز عنه العصبة (٣) . يضاف إلى ذلك أن المزي لم يقتصر فيه على الكتب الستة كما ذكرنا، بل أضاف إليها من لواحق ومؤلفات أصحاب الستة: أ- مقدمة صحيح
_________________
(١) الدرر: ٣ / ٥٦.
(٢) يطبع بعناية عبد الصمد شرف الدين طبعة علمية جيدة. وطريقة كتب الاطراف أن تذكر حديث الصحابي مفردا مثل أهل المسانيد، إلا أنهم يذكرون طرفا من الحديث في الغالب خلاف أصحاب المسانيد فانهم يذكرون الحديث بتمامه. ومن أعظم فوائدها أن الباحث يكتفي بمطالعة كتاب من كتب الاطراف فيغنيه عن مطالعة جميع الكتب التي كونت مادتها إذا كان يريد معرفة طرق الحديث فيها بسبب تجمعها في مكان واحد.
(٣) راجع مقدمة الكتاب.
[ ١ / ٢٤ ]
مسلم. ب- كتاب المراسيل لابي داود. ج- كتاب العلل للترمذي، وهو الذي في آخر كتاب الجامع له. د- كتاب الشمائل للترمذي أيضا.
هـ كتاب عمل يوم وليلة للنسائي.
وحينما انتهى من تأليف الكتاب ألحق به بعد ذلك ذيلا سماه. "لحق الاطراف"تتبع فيه بعض الاحاديث التي لم ترد إلا برواية ابن الاحمر من كتاب النَّسَائي. وذكر الحافظ ابن حجر أنه شاهده في جزء لطيف، ثم شاهد نسخة ابن كثير من"التحفة"وعليها هذا اللحق بخط المؤلف (١) .
وقد ذكر ابن حجر أنه"قد حصل الانتفاع بهذا الكتاب شرقا وغربا، وتنافس العلماء في تحصيله بعدا وقربا (٢) ". ونظرا لهذه المنزلة التي احتلها في هذا الفن، فقد تناوله العلماء بالاستدراك والتلخيص والتعليق، لانه صار الكتاب المعتمد في هذا الفن.
وقد اختصره تلميذه ورفيقه مؤرخ الاسلام الذهبي في مجلدين على ما ذكر الصفدي (٣) وابن شاكر (٤) والسبكي (٥) والزركشي (٦) وسبط ابن حجر (٧) .
واختصره أبو العباس أحمد بن سعد بن محمد الاندرشي المتوفى سنة (٧٥٠) وسماه"العمدة في مختصر الاطراف" (٨) .
وألف العلامة علاء الدين مغلطاي بن قليج الحنفي المتوفى سنة (٧٦٢) مستدركا على تحفة الاشراف ذكر ابن حجر أن فيه أوهاما منه.
_________________
(١) راجع مقدمة كتاب"النكت الظراف"لابن حجر.
(٢) نفسه: ١ / ٤ (بهامش تحفة الاشراف) .
(٣) الوافي بالوفيات: ٢ / ١٦٤، ونكت الهميان: ٢٤٣.
(٤) عيون التواريخ، الورقة: ٨٦.
(٥) الطبقات: ٩ / ١٠٥.
(٦) عقود الجمان، الورقة: ٧٩ (نسخة مكتبة فاتح باستانبول ذات الرقم: ٤٤٣٥) .
(٧) رونق الالفاظ، الورقة: ١٨١ (نسخة الخالدية بالقدس، رقم: ١١ تراجم) .
(٨) كشف الظظنون: ٢ / ١٥٦٠.
[ ١ / ٢٥ ]
وكتب الحافظ زين الدين عَبد الرحيم بن الحسين المعروف بالحافظ العراقي المتوفى سنة (٨٠٦) بعض المستدركات على هامش نسخته أفاد منها ولده العلامة ولي الدين العراقي المتوفى سنة (٨٢٦) حينما ألف جزءا مستدركا على المزي بعد أن أضاف إليه بعض ما جمعه مغلطاي (١) .
ويبدو أن الثلاثة: الزين العراقي وولده ومغلطاي لم يطلعوا في أول الامر على"لحق الاطراف"الذي استدرك به المزي على نفسه.
ثم جمع الحافظ ابن حجر كل هذه المستدركات، وأضاف إليها وأخرجها في كتاب سماه"النكت الظراف (٢) ". وجمع الحافظ محمد بن فهد المكي المتوفي سنة (٨٧١) بين كتابي المزي وابن حجر بكتابه"الاشراف على الجمع بين النكت الظراف وتحفة الاشراف (٣) .
أما كتاب المزي الثاني، فهو"تهذيب الكمال"وهو كتابنا هذا، فإنه يعد أعظم كتاب ألف في فنه غير مدافع أربى فيه على من تقدمه وكسب مؤلفاتهم، ولم يستطع أحد بعده حتى اليوم أن يبلغ شأوه بله أن يأتي بأحسن منه، وسيأتي الكلام عليه مفصلا في الفصل الثاني من هذه المقدمة.