ونتيجة لما بلغه المزي من منزلة مرموقة بين علماء عصره، وما عرف عنه من ديانة متينة وحفظ وإتقان وبراعة في الحديث وعلومه، فقد ولي دار الحديث الاشرفية في يوم الخميس الثالث والعشرين من
_________________
(١) مقدمة النكت الظراف لابن حجر، وكشف الظنون: ١ / ١١٧.
(٢) يطبع في أسفل تحفة الاشراف.
(٣) يراجع في ذلك مقدمة المجلد الثاني من تحفة الاشراف.
[ ١ / ٢٦ ]
ذي الحجة سنة (٧١٨) (١)، وليها على الرغم من معارضة الكثيرين بسبب صحبته لشيخ الاسلام ابن تيمية وتأييده لآرائه، لكن علمه وفضله، وهما مما لا يستطيع أن ينكره الاشاعرة ولا غيرهم، جعلهم يضطرون إلى توليته هذه الدار التي كانت تعد من أكبر دور الحديث بدمشق (٢) . وعلى الرغم من أنه كتب بخطه حين وليها بأنه أشعري (٣)، فقد أبانوا عن سخطهم، فلم يحضروا حفل الافتتاح كما جرت العادة آنذاك، قال العماد ابن كثير: ولم يحضر عنده كبير أحد، لما في نفوس بعض الناس من ولايته لذلك مع أنه لم يتولها أحد قبله أحق بها منه، وما عليه منهم إذا لم يحضروا؟ فإنه لا يوحشه إلا حضورهم عنده، وبعدهم آنس، والله أعلم (٤) .
وقد جرت محاولات عدة لاخراجه من مشيخة هذه الدار باءت كلها بالفشل لما كان يتمتع به الحافظ المزي من المكانة الرفيعة بدمشق، تلك المكانة التي اعترف بها المخالف قبل الموافق. واستمرت المكائد تحاك ضده حتى وهوفي آخر شيخوخته، ففي سنة (٧٣٩) ولى تقي الدين السبكي قضاء الشافعية بدمشق (٥)، وما إن وصل دمشق حتى حضر عنده الشيخ صدر الدين سُلَيْمان بن عبد الحكيم المالكي بعد ليلة واحدة من دخوله (٦)، وكان صدر الدين
_________________
(١) تذكرة الحفاظ: ٤ / ١٤٩٩، وأعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٣، والبداية: ١٤ / ٨٩، ٩١، والدارس للنعيمي: ١ / ٣٤.
(٢) منسوبة إلى الملك الاشرف مظفر الدين موسى ابن العادل الايوبي، ابتدأ عمارتها سنة ٦٢٨ وافتتحت سنة ٦٣٠ وأول من وليها محدث عصره الحافظ ابن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٣ (تاريخ الاسلام، الورقة: ٢٤٣ أيا صوفيا: ٣٠١٢، والدارس: ١ / ١٩ فما بعد) .
(٣) طبقات السبكي: ١٠ / ٣٩٨.
(٤) البداية: ١٤ / ٨٩.
(٥) الذيل على العبر للذهبي: ٢٠٤، وَقَال: وفرح المسلمون به"والبداية"١٤ / ١٨٤، وطبقات السبكي: ١٠ / ١٦٨.
(٦) طبقات السبكي: ١٠ / ٣٩٨.
[ ١ / ٢٧ ]
أشعريا جلدا متعصبا على المخالفين (١)، ولكن التقي السبكي كان يحبه (٢)، فروى التاج السبكي أن والده التقي قال: دخل إلي وقت العشاء الآخرة، وَقَال أمورا يريد بها تعريفي بأهل دمشق، قال: فذكر لي البرزالي وملازمته لي، ثم انتهى إلى المزي، فقال: وينبغي لك عزله من مشيخة دار الحديث الاشرفية، قال الشيخ الإمام (يعني التقي)، فاقشعر جلدي، وغاب فكري، وقلت في نفسي: هذا إمام المحدثين، الله لو عاش الدارقطني استحيى أن يدرس مكانه. قال: وسكت، ثم منعت الناس من الدخول علي ليلا، وقلت: هذه بلدة كثيرة الفتن. فقلت أنا للشيخ الإمام: إن صدر الدين المالكي لا ينكر رتبة المزي في الحديث، ولكنه كأنه لاحظ ما هو شرط واقفها، من أن شيخها لابد أن يكون أشعري العقيدة، والمزي وإن كان حين ولي كتب بخطه بأنه أشعري إلا أن الناس لا يصدقونه في ذلك. فقال: أعرف أن هذا هو الذي لاحظه صدر الدين، ولكن من ذار الذي يتجاسر أن يقول: المزي ما يصلح لدار الحديث، والله ركني ما يحمل هذا الكلام (١١٠) .
وقد استمر المزي متوليا لهذه الدار طيلة حياته، وكانت مسكنه، فكانت ولايته لها قرابة أربعة وعشرين عاما، ومنها نشر علمه الجم، وفيها حدث بكتابه العظيم تهذيب الكمال وغيره، وسمعها عليه الجلة من شيوخ العصر.
وكان المزي، إضافة إلى ذلك، شيخا لدار الحديث الحمصية المعروفة بحلقة صاحب حمص، وإن كنا لا ندري متى تولاها، ولكنه تنازل عنها لتلميذه الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي
_________________
(١) الذيل على ذيل العبر للحسيني: ٢٧٦، والدرر لابن حجر: ٢ / ٢٤٨، وذيول تذكرة الحفاظ: ١١٩، وتوفي سنة ٧٤٩.
(٢) طبقات السبكي: ١٠ / ٣٩٧.
(٣) نفسه: ١٠ / ٣٩٨ ٣٩٧.
[ ١ / ٢٨ ]
(٧٦١ ٦٩٤) فدرس العلائي بها في محرم سنة ٧٢٨ (١) .
وحينما توفي رفيقه وتلميذه علم الدين البرزالي في ذي الحجة من سنة (٧٣٩) تولى المزي أقدم دار حديث بدمشق وأعرقها هي دار الحديث النورية إلى حين وفاته، فوليها بعده تلميذه ابن رافع السلامي (٢) .
وكان بدء تدريس المزي في هذه الدار في المحرم سنة (٦٤٠)، وكتب له تلميذه الصلاح الصفدي التوقيع بمشيختها أورد نصه الكامل في كتابه: أعيان العصر (٣) .