أصبح الإمام المزي حافظ العصر غير مدافع، وفضله الإمام الذهبي في الحفظ على جميع من لقي من الحفاظ طيلة حياته، وأتاحت له معرفته الفذة في علم الرجال منزلة مميزة بين أساتيذ العصر، فأمه طلبة العلم من كل حدب وصوب. وكانت دار الحديث الاشرفية من أعظم الاماكن التي بث منها المزي علمه، وقد متعه الله بالعُمَر الطويل، وصحة الحواس، وقوة الجسم، فكان وهو في عشر التسعين معتدل القامة، قوي الركب، يصعد إلى الصالحية ماشيا، ولا يركب بغلة ولا حمارا، ويستحم بالماء البارد في الشيخوخة (٤)، ويحكم ترقيق الاجزاء وترميمها، ويعتني بكتابة الطباق عليها (٥)، فحدث زيادة على خمسين سنة (٦)، وقلما نجد عالما دمشقيا من أهل ذلك العصر إلا درس عليه، قال الذهبي: وغالب المحدثين من دمشق وغيرها قد تلمذوا له، واستفادوا منه، وسألوه عن المعضلات، فاعترفوا بفضيلته، وعلو ذكره" (٧)
_________________
(١) ذيل العبر للذهبي: ١٥٦، والبداية: ١٤ / ١٣٢، والدارس، ١ / ٥٩.
(٢) الدارس: ١ / ٩٤، ١٠٩، ١١٣.
(٣) أعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٨.
(٤) نفسه: ١٢ / الورقة: ١٢٣.
(٥) الدرر: ٥ / ٢٣٥.
(٦) طبقات السبكي: ١٠ / ٤٠١.
(٧) كما نقل عنه ابن حجر في الدرر: ٥ / ٢٣٤.
[ ١ / ٢٩ ]
وقد حدث بكتبه مرات عديدة، وحدث بصحيح البخاري مرات، وبالمسند للامام أحمد، وبالمعجم الكبير للامام الطبراني، وبدلائل النبوة للبيهقي، وبكتب كثيرة جدا، كما حدث بسائر أجزائه العالية، وبكثير من أجزائه النازلة (١) .
ويكفيه فخرا وفضلا أن عظماء العلماء من أساتيذه ورفاقه وتلامذته النجب قد أخذوا عنه، فسمع منه من العلماء الاعلام: شيخ الاسلام ابن تيمية الحراني (ت ٧٢٨)، وفتح الدين ابن سيد الناس اليعُمَري (ت ٧٣٤)، وإما المؤرخين والمحدثين شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨) سمع منه سنة (٦٩٤) وأخذ عنه صحيح البخاري غير مرة، والإمام العلامة تقي الدين السبكي (ت ٧٥٦) وغيرهم. وبه تخرج أعاظم الرواة والمحدثين والمؤرخين من أعلامهم: علم الدين البرزالي (ت ٧٣٩)، وشمس الدين أبو عَبْد اللَّه بْن عَبْد الهادي (ت ٧٤٤)، وصلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي (ت ٧٦١)، وعلاء الدين مغلطاي الحنفي (ت ٧٦٢)، وتقي الدين ابن رافع السلامي (ت ٧٧٤)، والشيخ عماد الدين ابن كثير صهره (ت ٧٧٤)، وخلق يطول ذكرهم.