قال الحافظ محمد بن طاهر المقدسي: «سمعت أبا إسحاق الحَبَّال، (يعني المتقدم رقم ٢٦ من شيوخ الأمير) يمدح أبا نصر ابن ماكولا ويُثني عليه ويقول: دخل مصر في زِيّ الكَتَبة فلم نرفع به رأسًا، فلمّا عرفناه كان من العلماء بهذا الشأن» (^١).
وقال الحافظ الحميدي (المتقدم رقم (٣) من الرواة عنه): «ما راجعت الخطيب في شيء إلا وأحالني على الكتاب، وقال: حتى أكشفه، وما راجعت ابن ماكولا في شيء إلا وأجابني حفظًا كأنّه يقرأ من كتاب» (^٢).
وقال الحافظ شجاع الذُّهلي (المتقدم رقم (٦) من الرواة عنه): «كان حافظًا فهمًا ثقة» (^٣).
وقال شيرويه (المتقدم رقم (٧) في الرواة عنه): «كان الأمير يُعرف بالوزير سعد الملك ابن ماكولا، قَدِم (همذان) رسولًا (من الخليفة إلى ملوك تلك
_________________
(١) ينظر: «معجم الأدباء» (٥/ ١٩٨٧).
(٢) ينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٥٧٤).
(٣) المصدر السابق.
[ ٤٧ ]
الجهات) مرارًا، سمعت منه، وكان حافظًا متقنًا عُني بهذا الشأن، ولم يكن في زمانه بعد الخطيب أحد أفضل منه، حضر مجلسه (بهمذان) الكبار من شيوخنا وسمعوا منه» (^١).
وقال أبو سعد ابن السمعاني الحافظ: «كان ابن ماكولا لبيبًا حافظًا عارفًا، يرشح للحفظ حتى كان يقال له: الخطيب الثاني، وكان نحويًّا، مجوّدًا، وشاعرًا مبرزًا، جزل الشعر، فصيح العبارة، صحيح النقل، ما كان في البغداديين في زمانه مثله، طاف الدنيا وأقام ببغداد» (^٢).
وقال ابن النجار: «أحبّ العلم من الصبا، وطلب الحديث، وأتقن الأدب، وله النظم والنثر والمصنفات، نفَّذَه المقتدي بالله رسولًا إلى سمرقند وبخارى لأخذ البيعة له على ملكها» (^٣).
وقال الذهبي عند ذكر كتاب «تهذيب مستمر الأوهام» للأمير: «ملَكْته، وهو كتاب نفيس يدلّ على تبحر ابن ماكولا وإمامته» (^٤).
وقال الحافظ مؤتمن السّاجي: «لم يلزم ابن ماكولا طريق أهل العلم فلم ينتفع بنفسه» (^٥).
وقال ابن الجوزي في وفيات سنة ٤٨٦ من «المنتظم»: «كان حافظًا للحديث … وكان نحويًّا مبرّزًا، جزل الشعر، فصيح العبارة … وحدّث كثيرًا، وسمعت شيخنا عبد الوهاب يطعن في دينه ويقول: العلم يحتاج إلى دين».
قال المعلمي: عبد الوهاب هو الأنماطي الحافظ الصالح الزاهد، ومولده
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق.
(٤) «تذكرة الحفاظ» (ص ١٢٠٤).
(٥) المصدر السابق.
[ ٤٨ ]
سنة اثنتين وستين وأربعمائة (٤٦٢)، وسيأتي أنّ الأمير خرج من بغداد قبل سنة (٤٧٥) ولم يعد إليها، وكان عُمر عبد الوهاب حينئذ نحو اثنتي عشرة سنة، وكان الأمير ذا حشمة وأبّهة، عسى أن يكون عبد الوهاب رآه من بعيد، ورأى أبهته وحشمته، فأراه ما كان معروفًا به من العبادة والصلاح أنّ ذلك نقص في الدين. وغايةُ كلمته أن تكون من الجرح المُجْمَل، لا يُعتدُّ به مع التوثيق، وقد أعرض الذهبي عن كلمة عبد الوهاب فلم يذكرها في «التذكرة»، ولا ذكر الأمير في «الميزان» مع التزامه أن يذكر فيه كل من تُكُلِّم فيه، ولو بما لا يَضرُّه.
فأمّا كلمة المُؤْتَمِن، فَأبعد عن الطعن، إنّما عَنى أنّ اختيار الأمير زِيّ الأمراء أو الكُتَّاب كما عَبَّر به الحافظ الحبال، وقد تقدم حالَ بين الأمير وبين نشر علمه، فلم تنتشر الرواية عنه، وهذا صحيح، حتى قال الذهبي: «يعز وقوع حديث الأمير ابن ماكولا» (^١) يعني يعز وجود الحديث مسندًا من طريقه.
وقد قدمت السبب الذي دعا الأمير إلى اختيار طلب العلم مع التشبث بمظاهر الإمارة، وذكرت طرفًا من الشطر الأول، وبقي منه طرف أرى أن أرجئه الآن، وأقدم الشطر الثاني.
الأمير كما قال ياقوت: «مِنْ بَيت الوَزارة والقضاء والرياسة القديمة»، وقد سبقت الإشارة إلى ما وقفت عليه من الرياسة والوزارة، وذلك ثابت متمكن، فأمّا القضاء فإنّما عرفته لِعَمِّه الحُسَين وقد نُشِّئ الأمير تَنشِئة الأمراء، حتى سماعه للعلم، كان يُدعى شيوخ أهل العلم إلى داره ليسمع منهم كما تقدم، ولمّا رحل إلى مصر كان في زِيّ الكُتّاب كما قال الحبال، والكُتّاب إذ ذاك هم الوزراء ونحوهم. هذا شأن الهيئة والأُبهة والحشمة.
فأمّا التلبس بالإمارة فكان حظ الأمير منها هو السفارة بين الخليفة وبين
_________________
(١) المصدر السابق.
[ ٤٩ ]
ملوك البلدان النائية، وقد تقدم أن المقتدي الخليفة نَفَّذَه إلى سمرقند وبخارى لأخذ البَيْعة له على ملكها، وتقدَّم أنَّه ورد هَمَذَان مِرارًا رسولًا من الخليفة إلى ملوك الجهات. وذكر الأمير في رسم (بَزُرْك) من «الإكمال» [١/ ٢٦٨] نظام الملك الوزير المشهور مدبّر الدولة السلجوقية من سنة ٤٥٥ إلى أن توفي سنة ٤٨٥ فقال الأمير: « نظام المُلك قِوام الدين، غِياث الدولة رِضي أَمير المؤمنين، أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق، يُعرف بين العجم بالبَزُرْك، ومعناه: العظيم، سمع الكثير، وحدّث وأملى بخراسان جميعها، وبالثغور وبقُوهستان وغيرها من البلاد، وسمعت منه إملاءً بالري، وسمعت منه بنواحي خت، وبقراءة غيري، وكان ثقة ثبتًا متحريًّا فهمًا عالمًا».
وكان سفراء الخلفاء إلى الملوك إنّما يُختارون من مشاهير العلماء، وقد اجتمع في الأمير العلم والإعراق في الإمارة، ولم تذكر له مباشرةٌ للإمارة سوى هذه السفارات، ويظهر أنّ الخليفة لقّبه بالأمير سعد الملك ليكون ذلك أرجى لنجاحه في سفاراته، وهل لقّبه أيضًا بالوزير، فقد كان يُعرف بذلك كما سلف من شيرويه؟
لم تكن سفارات الأمير ورحلاته في البلدان لتشغله عن العلم، فقد رأيتَ حاله مع نظام الملك، ومرّ بك قول شيرويه في حال الأمير في همذان. وقال الأمير في باب (بَرهان وبُرهان) عن «تهذيب مستمر الأوهام»: «قال الخطيب: بُرْهان بن سليمان السمرقندي الدبُّوسي بتشديد الباء وهذا وَهم؛ لأنّه الدبُوسي بتخفيف الباء، دَبُوسية بلدٌ بين كَشَانية وكَرْمِينِيَة … دَخلتُه وحَدَّثت به، وسمع جماعة من أهل العلم مني به» (^١).
_________________
(١) ينظر باب رقم (٣٤) من هذا الكتاب.
[ ٥٠ ]
الأمير والأدب:
للأمير كتاب (مفاخرة القلم والسيف والدينار) ذكره صاحب «كشف الظُّنون» [٢/ ١٧٥٨]، وقال: «أوله: اللهم إنّا نسألك إلهام ذكرك … إلخ» وله مقاطيع من الشعر من أجودها قوله:
قوِّض خيامك عن أرض تُهان بها وجانِبِ الذلَّ إنّ الذلَّ مُجتنَبُ
وارحل إذا كانت الأوطانُ منقصةً فالمَنْدلُ الرطْبُ في أوطانه حطبُ.