توفر لدي عند تحقيق الكتاب نسختان خطيتان: الأولى: النسخة المحفوظة في مكتبة «تشستربيتي» تحت رقم (٣٣٤٩)، واصطلحت لها الرمز «ش».
وهي نسخة كاملة لجميع الكتاب لم يسقط منها شيء سوى صفحة العنوان وأسطر من المقدمة، وهي متقنة جدًا يظهر عليها اشتغال ناسخوها بالعلم، فلا تكاد تخطئ إلا نادرًا.
وقد نُسِخت من أصل بخط إسماعيل الأنماطي (^١)، وهو منقول من نسخة صِائن الدين أبي الحسين هبة الله بخطه، ونقلها هبة الله من خط المؤلف، كما هو ثابت في آخر النسخة، وقوبلت على ذلك الأصل كما نُصَّ على ذلك في نهاية كل جزء.
وتقع في ١٢٥ لوحة في كل لوحة وجهان، في كل وجه ٢١ سطر، في كل سطر زهاء سبعة عشر كلمة، وقد جزئت النسخة إلى عشرة أجزاء.
وكتبت بخط نسخ عادي واضح. وقد أصابت الرضوبة أعالي صفحاتها بحيث طمس عدة كلمات من بداية كل صفحة، قد أعانني الله على استظهار ما
_________________
(١) هو: إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن بن أبي بكر بن هبة الله بن الحسن، الحافظ البارع تقي الدين أبو الطاهر ابن الأنماطي، المصري الشافعي، سمع جماعة من العلماء كأبي القاسم البوصيري، وشجاع بن محمد المدلجي، وغيرهما. قال ابن النجار: اشتغل من صباه، وتفقه، وقرأ الأدب، وسمع الكثير. وقدم دمشق سنة ثلاث وتسعين، ثم حج سنة إحدى وستمائة، وقدم مع الركب. وكانت له همة وافرة، وحرص، وجد، واجتهاد، مع معرفة كاملة وحفظ وثقة وفصاحة وسرعة قلم، واقتدار على النظم والنثر. ولقد كان بعيد الشبيه، معدوم النظير في وقته. كتب عني وكتبت عنه، وقال لي: ولدت سنة سبعين وخمسمائة ٥٧٠ هـ في ذي القعدة. روى عنه الشهاب القوصي، والزكي البرزالي، والزكي المنذري، والكمال الضرير، والصدر البكري المحدث، وابنه أبو بكر محمد بن إسماعيل، وآخرون. توفي سنة ٦١٩ هـ. ينظر: «تاريخ الإسلام» (١٣/ ٥٧٢).
[ ٣٤ ]
فيها بالأدلة القاطعة، فالحمد لله أولا وآخرًا.
ويجدر بنا الإشارة إلى شيء مهم، وهو أن النسخة قد تعاور عليها ثلاثة من النساخ، لكل واحد منهم طريقته في النسخ فأما أحدهم فكان خطه دقيق وجميل ومضبوط أكثره بالشكل، وأما الآخران فاقتربت خطوطهما غير أن أحدهما أدق خَطًّا من صاحبه.
على أن التوقيع واحد في آخر كل جزء. وهذا يدل أن الناسخ -وسيأتي التعريف به- قد كلف غير واحد ممن يثق به بنقل الكتاب من أصله الذي سنشير إليه.
وناسخ الكتاب هو: إبراهيم بن محمد بن إدريس بن باباجوك بن شعبان المقرئ شهاب الدين أبو أحمد التُّرْكُمَاني البَعْلَبَكِّي.
ذكره الذهبي في «معجم الشيوخ الكبير» (١/ ١٥٥) فقال: «ولد سنة خمس وثلاثين وست مائة، وسمع من الفقيه اليُونِيْنِي، والشيخ إبراهيم البَطَائِحِي، وابن أبي الخير الحَدَّاد، وتَلَا بالسَّبْع على الشيخ مُوفَّق الدين النَّصِيْبي، وكان فيه دِين وخَير ومُلازَمة المَسْجِد والإقراء.
وحكى أنه سمع من ابن عبد الدائم مات في صفر سنة اثنتين وعشرين وسبع مائة. وكان يخطب بالجناء مدة».
وقد سقط من هذه النسخة الورقة الأولى والتي تشمل عنوان الكتاب، وأسطر من المقدمة، يرى القارئ قدرها في موضعها.
وأورد الناسخ إسناد الكتاب في أول الجزء الرابع، وما بعده من أجزاء، ولم يورده قبل ذلك، باستثناء الجزء الأول وقد ضاعت أول ورقة منه كما أسلفت فلا أدري أذُكر فيه الإسناد أم لا.
قال في بداية الجزء الرابع، وفي الأجزاء بعده: «أخبرني الشيخ الفَقِيهُ الإِمَامُ الحَافِظُ النَّفِيسُ صَائِنُ الدِّين أبو الحُسَين هِبَةُ اللهِ بنُ الحَسَن بنِ هِبَةِ الله بنِ عبدِ الله
[ ٣٥ ]
ابن الحُسَيْن الشَّافِعي (^١)، أدام الله بَقَاءه، قِراءةً مِنِّي عليه بِدَارِه بدمَشق- قال: أخبرنا الشيخ الحافظ العالم الزَّاهد أبو بكر محمد بن طَرْخَان ابن يَلْتَكِين بن بُجْكُم (^٢) ﵀ قِراءة مِنِّي عليه- قال: أخبرنا أبو نَصْرٍ عَلِيُّ ابنُ هِبة الله بن عَلِيِّ بن جَعْفَر الحَافِظُ -إِجَازَةً- قال».
كما جاء في نهاية الجزء الخامس، والسابع، والثامن، والعاشر (^٣) ما يلي:
«شَاهدتُ عَلى الأصل المنقول منه ما صُورته: قرأت جَمِيع هذا الجزء على الشيخ الفقيه الإمام الحافظ النفيس صائن الدين أبي الحسين هبة الله بن الحسن ابن هبة الله بن عبدالله بن الحسين الشافعي أدام الله جماله في منزله في دمشق [وسمع من باب: زياد، وذياد إلى آخر الجزء: الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد ابن بقي الإشبيلي] (^٤)، وذلك في العشر الثاني من شهر رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة
_________________
(١) هو: هبة الله بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن عساكر، الفقيه صائن الدين أبو الحسين الدمشقي الشافعي، أخو الحافظ أبي القاسم صاحب «تاريخ دمشق»، قال أبو القاسم بن عساكر أخوه: ولد أخي في رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وقرأ بالروايات … وأفتى وكتب الحديث الكثير، وكان معنيا بعلوم القرآن والنحو واللغة، وحدث ب طبقات ابن سعد وسنن الدارقطني. ولد سنة ٤٨٨ هـ، وتوفي سنة ٥٦٣ هـ. ينظر: «تاريخ دمشق» (٧٣/ ٣٦١).
(٢) هو: محمد بن طرخان بن يلتكين بن مبارز بن بجكم، أبو بكر التركيُّ ثم البغداديُّ المحدِّث. سمع الكثير، ونسخ بخطه، وحصَّل، وكان عارفًا بالحديث، والنَّحو. سمع ابن هزارمرد الصَّريفينيَّ وطبقته، وسمع قبله على أبي جعفر ابن المسلمة، وعبد الصَّمد ابن المأمون، وأبي الحسين ابن المهتدي بالله. ولزم الحُمَيْدي مدةً، وسمع الإكمال من ابن ماكولا. وقرأ الفقه على الإمام أبي إسحاق، والكلام على أبي عبد الله القيرواني. وكان ينسخ للناس، وخطه مليح. وكان مع فضائله زاهدًا ثقة، كثير العبادة، مستجاب الدعوة. روى عنه أبو بكر ابن العربي الأندلسي، وأبو مسعود عبد الجليل كوتاه، والسِّلفي، وجماعة ينظر: «تاريخ الإسلام» للذهبي (٢١/ ٢١٠).
(٣) مع اختلاف في التاريخ، وآخره ما جاء في نهاية الجزء العاشر والأخير قال: «في ثاني عيد الفطر من شوال سنة ست وخمسين وخمسمائة. نقله كما شاهده إبراهيم بن محمد بن إدريس بن باباجوك في ثامن صفر سنة ست وثمانين وستمائة (٦٨٦ هـ)».
(٤) ما بين المعقوفين تغير في نهاية الجزء السابع فقال: «وسمع معي من حرف العين = = المهملة الشيخ أبو الفضل أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله». قلت: والمذكور هو: تاج الأمناء أبو الفضل الدمشقي المعدل ابن أخي أبي القاسم بن عساكر. ولد ٥٤٢ هـ. وتوفي سنة ٦١٠ هـ. ينظر: «تاريخ الإسلام» (١٣/ ٢٣٠). ولم يذكر أحدا شاركه السماع في نهاية الجزء العاشر.
[ ٣٦ ]
(٥٥٦). وكتب نصر بن أبي القاسم بن أبي الطاهر بن علي بن الحسين النحوي الإسكندراني (^١) في التاريخ المذكور، وصح وثبت ولله الحمد والمِنَّة، وصَلَّي الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
نقله كما شاهده إبراهيم بن محمد بن إدريس بن باباجوك، عفا الله عنه ولطف به».
كما جاء في آخر الكتاب ما يلي:
«نقلته من خط إسماعيل بن عبد الله بن الأنماطي. ونقله هو من خط شيخه الإمام الحافظ أبي الحسين هبة الله. ونقله هو من خط المصنف رحمة الله عليهما.
كتبه: إبراهيم بن محمد بن إدريس بن باباجوك. في ثامن صفر سنة ست وثمانين وستمائة».
وجاء على آخر أجزائها ما يفيد بلاغ العرض والمقابلة على الأصل، وزاد في نهاية بعض الأجزاء تاريخ المقابلة، وذلك سنة ٦٨٦ هـ. وكاتب البلاغ: أحمد بن محمد بن عبد الرحيم المقدسي. وأظن أباه محمدًا هو: ابن أخي الحافظ الضياء المقدسي، صاحب المختارة.
_________________
(١) هو: نصر بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن علي بن الحسين النحوي أبو الفتح الإسكندري الغزاوي، مِنْ أهل الإسكندرية، سمع بمصر ابن الكيزاني الفقيه الشاعر، وبدمشق أبا القاسم علي بن الحسن بن عساكر وغيرهما، وقدم بغداذ في سنة إحدى وستين وخمسمائة، وقرأ بها على أبي محمد بن الخشاب، وسمع بها من شيوخ ذلك الوقت، وروى بها شيئًا من شعر ابن الكيزاني عنه، وعن ابن عساكر أحاديث. وروى عنه الشريف أبو الحسن علي بن أحمد الزيدي، وخرج إلى خراسان، وأقام بها بنيسابور؛ ويقال إنه توفي هناك. ينظر: «إنباه الرواة» (٣/ ٣٤٥). وله من التصانيف: «الأمكنة والمياه والجبال والآثار» مخطوط.
[ ٣٧ ]
النسخة الثانية:
وهي النسخة المحفوظة بمكتبة «فيض الله أفندي» تحت رقم ١٥٨٣، واصطلحت لها الرمز «ف».
وتقع في ١٢٨ لوحة، في كل لوحة وجهان، في كل وجه زهاء ١٩ سطر، في كل سطر زهاء ١٢ كلمة.
وهي نسخة ملونة واضحة كتبت بخط نسخ جميل، اشتملت على صفحة العنوان والمقدمة كاملة.
وقد خلت النسخة من اسم ناسخها، وتاريخ نسخها، وإسنادها، وأي سماعات عليها.
هذا وقد وقع فيها خرم في أثناء حرف الصاد (باب رقم ١٨٦ الصراري والضراري)، إلى أثناء حرف الميم (باب رقم ٢٦٣ مخزم ومخرم)، يعني استغرق الخرم ٧٧ بابا من أبواب الكتاب. ما يعادل عشرين لوحة من نسخة تشستربيتي.
ثم وقع فيها خرم آخر في أثناء حرف النون (باب ٢٨١ نفير ونقير)، إلى أثناء حرف الهاء (باب رقم ٢٩٦ هيت، وهنب)، فاستغرق الخرم الثاني ١٥ بابا آخرين، فيكون مجموع ما سقط من الأبواب زهاء التسعين بابا.
هذا وقد سقط في أثنائها الكثير من الجمل وتكون في الغالب بسبب انتقال نظر الناسخ، لكنها زادت بحيث إنها تغير المعنى تمامًا، ولم يتفطن المحقق الفاضل إلى كثير من هذا السقط.
وبالجملة فهذه النسخة في رأيي سقيمة جدًا ولا يمكن الاعتماد عليها وحدها في تحقيق الكتاب. لا سيما والكتاب يتناول فَنًّا من أصعب الفنون وأَدَقِّها.
[ ٣٨ ]